يشغل تقييم الشركات عقول المستثمرين سعيًا منهم لفهم كيفية تقدير قيمة تلك الشركات الواعدة التي تخفي وراءها إمكانيات هائلة ومخاطر جسيمة.
في الواقع يعتمد المستثمرون في تقييمهم على مزيج دقيق من التحليلات المالية ودراسات النمو المستقبلي، وتلعب عوامل رئيسية دورًا حاسمًا في تحديد القيمة، من أهمها: حجم السوق ومعدل المنافسة وقوة الفريق ونموذج العمل ومرحلة التطوير والعوامل الخارجية.
ويعد تقييم الشركات قائمًا بشكل أساسي على الافتراضات والتقديرات، ويرتكز المستثمرون على متوسطات القطاع من حيث المضاعفات ومعدلات النمو لتحديد قيمة تقريبية للشركة الخاضعة للتحليل.
ومع ذلك لا يمكن لهذه الطريقة أن تأخذ بعين الاعتبار الأحداث الاستثنائية التي قد تؤثر بشكل كبير في قيمة الشركة؛ لذلك يلجأ المحللون إلى تطبيع وتعديل تلك المعدلات للوصول إلى قيمة أكثر موثوقية، مع استبعاد نتائج الأحداث النادرة التي قد تحدث.
واقعيًا قد تقييم الشركة الناشئة بسيطًا نسبيًا؛ حيث يتضمن في بعض الأحيان التفاوض على حصة ملكية تتراوح بين 15 و20% من الشركة مقابل مبلغ الاستثمار، ويهدف المستثمر في هذه المرحلة إلى تحقيق عائد على استثماره يتراوح بين 5 و10 أضعاف خلال فترة من 5 إلى 8 سنوات.
والسؤال الرئيسي: هل تمتلك هذه الشركة القدرة على الوصول إلى إيرادات بقيمة XX دولار بناءً على حجم سوقها وتأثيرها وفريقها ومنتجها؟ يزداد احتمال تحقيق ذلك بشكل كبير إذا كان المؤسس رائد أعمال ناجحًا يملك سجلًا حافلًا بالإنجازات.
تقييم الشركات
مع بدء الشركة في تحقيق الإيرادات والتدفقات النقدية يصبح تحليل التقييم أكثر دقة وسهولة، ويبحث المستثمرون عن تقييمات بناءً على صفقات مماثلة داخل القطاع والصناعة التي تنتمي إليها الشركة المستهدفة، كما يتم أخذ أي عقبات قد تواجه الشركة قبل الخروج المتوقع أو بيع الأسهم خلال فترة تتراوح بين 5 و8 سنوات في الاعتبار.
ومن المهم ملاحظة أن تقييم مشاريع الشركات الناشئة يتأثر بشكل كبير بالعوامل الخارجية مثل: المنافسة والركود، ففي بعض القطاعات يكون هناك اهتمام أكبر من جانب المستثمرين بإتمام الصفقات، بينما يصبحون أكثر حذرًا عند ضخ الأموال في ظل سيناريو ركود اقتصادي محتمل، وتؤدي وفرة رأس المال إلى ارتفاع قيمة الشركات، بينما يؤدي الركود إلى انخفاضها.
وبالنسبة لشركة في مرحلة الإيرادات المبكر قد يبحث المستثمر عن عائد يتراوح بين 5 و10 أضعاف أمواله، أما بالنسبة لشركة في مرحلة النمو (شركات الإيرادات المالية التي تنمو بنسبة 20% أو أكثر سنويًا) فقد يبحث المستثمر عن عائد يتراوح بين 2 و3 أضعاف المبلغ الذي استثمره في العملية.
الاعتماد على البيانات وتحليلها
يضع المستثمر افتراضات حول نمو الشركة على مدى السنوات الخمس المقبلة ويحسب قيمة الخروج؛ لمعرفة ما إذا كان بإمكانه تلبية معدل العائد الداخلي (IRR) وعائد المضاعفة، كما ينظر إلى مبيعات الشركات المماثلة وتقييمات الشركات العامة في نفس القطاع.
وإلى جانب ذلك يستخدم المستثمر افتراضات الخروج بناءً على مقاييس مثل: الإيرادات، أو الإيرادات المتكررة سنويًا أو شهريًا ومضاعفات EBITDA، ليحدد في النهاية مقاييس التقييم التي يجب استخدامها.

مفاتيح تقييم الشركات الناشئة
قبل الغوص في تفاصيل أكثر الطرق شيوعًا للبدء في تقييم الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة لا بد من فهم العوامل التي تحدد قيمة هذه الشركات ومراحلها المختلفة في دورة الاستثمار.
عوامل مؤثرة
تخضع عملية تقييم الشركات الناشئة المملوكة للعديد من رواد الأعمال لمعايير دقيقة تأخذ بعين الاعتبار الكثير من العوامل، بعضها إيجابي والآخر سلبي، ونسلط الضوء في النقاط التالية على المؤشرات الإيجابية التي تعزز قيمة الشركة وتجذب المستثمرين:
إشارات إيجابية:
- الجرأة (Traction): تشير إلى قاعدة العملاء الحالية للشركة الناشئة، فكلما زاد عدد العملاء الذين يتفاعلون مع منتجها أو خدمتها زادت قدرتها على جذب تمويل يتراوح بين 500 ألف ومليون دولار أمريكي.
- النموذج الأولي (Prototype): يعد وجود نموذج أولي ملموس دليلًا على تمكن الشركة من التنفيذ والإنجاز؛ ما يعزز ثقة المستثمرين بجدوى المشروع ويزيد من قيمة الشركة.
- العرض والطلب على التمويل: يلعب توازن العرض والطلب على التمويل دورًا مهمًا في تقييم الشركة، فإن ازداد عدد الشركات الناشئة الباحثة عن تمويل مقابل قلة المستثمرين فقد تنخفض قيمة الشركة.
- قنوات التوزيع: تعد قنوات التوزيع الفعالة التي تمكن الشركة من إيصال منتجاتها أو خدماتها إلى العملاء المستهدفين عاملًا رئيسيًا في رفع قيمتها.
- الإيرادات: تعزز مصادر الإيرادات المتكررة، خاصة في نماذج الأعمال B2B وB2C، من قيمة الشركة بشكل كبير؛ حيث تشير إلى قدرتها على تحقيق استدامة مالية.
- السمعة: السيرة الذاتية الحافلة بالإنجازات للمؤسس أو الفريق، إلى جانب السمعة المميزة للمنتج أو الخدمة، تساهمان بشكل كبير في رفع قيمة الشركة، حتى في مراحلها المبكرة وقبل امتلاك قاعدة عملاء واسعة.
- رواج القطاع: تحفز قطاعات الأعمال الرائجة، مثل ألعاب الهاتف المحمول أو التكنولوجيا المالية، على جذب اهتمام المستثمرين بشكل أكبر؛ ما يؤثر إيجابًا في تقييم الشركات الناشئة العاملة في هذه المجالات.
إشارات سلبية:
تضاف إلى العوامل الإيجابية التي تعزز قيمة الشركات الناشئة جملة من المؤشرات السلبية التي قد تنذر بالمخاطر وتقلل من جاذبيتها لدى المستثمرين، إليك بعض من أهم هذه الإشارات:
- قطاع ضعيف الأداء: قد تواجه الشركات الناشئة العاملة في قطاعات شهدت مؤخرًا تراجعًا ملحوظًا صعوبةً في جذب الاستثمارات؛ ما يؤثر سلبًا في تقييمها.
- ومع ذلك لا تعد هذه القاعدة مطلقة؛ حيث قد ينتهز بعض المستثمرين الفرصة للاستثمار في قطاعات منخفضة الأداء خلال فترات الركود.
- فريق إدارة غير مؤهل: يشكل غياب الخبرة أو السمعة الطيبة لدى الفريق الإداري للشركة الناشئة عاملًا يقلل من ثقة المستثمرين ويؤثر سلبًا في تقييمها، وينطبق ذلك أيضًا على وجود شواغر في المناصب الأساسية بالشركة.
- أسواق تنافسية ومشبعة: ربما تواجه الشركات الناشئة التي تنافس في قطاعات تتميز بكثرة اللاعبين الراسخين أو تدخل أسواقًا مكتظة تحديات كبيرة في جذب الاستثمارات، ويزداد الأمر سوءًا إذا لم تتميز الشركة الناشئة بمنتج ثوري أو نموذج تجاري مبتكر.
- منتج معيب: قد يؤدي ضعف جودة المنتج أو عدم ملاءمته لاحتياجات السوق إلى انخفاض قيمة الشركة الناشئة بشكل كبير، ويزداد الأمر سوءًا إذا كان المنتج غير قانوني أو غير مكتمل أو لم يُظهر أي مؤشرات على جذب العملاء (الجرأة).
- هوامش ربح منخفضة: تعد الشركات ذات هوامش الربح المنخفضة أقل جاذبية للمستثمرين؛ حيث تتطلب احتياطيات نقدية أكبر لتجنب مخاطر السداد والتكاليف القانونية، وتعد تجارة الجملة مثالًا نموذجيًا على هذا النوع من الشركات؛ إذ تتميز بهوامش ربح منخفضة وتجميد كبير لرأس المال.
- عدم وجود تخطيط مالي: يثير لجوء مؤسسي الشركة إلى التمويل بشكل مفاجئ ودون تخطيط مسبق قلق المستثمرين، ويزداد الأمر سوءًا إذا كان لدى الشركة احتياطيات نقدية قليلة، ويعد غياب التخطيط المالي ضوءًا أحمر ينذر بضعف إدارة الشركة وانعدام قدرتها على تحقيق الاستدامة المالية.
في النهاية يُمكن القول إن عملية تقييم الشركات تمثل رحلة محفوفة بالتحديات والفرص، تتطلب تحليلًا دقيقًا للعوامل المؤثرة، وفهمًا عميقًا لمراحل تطور الشركة، واستخدام أدوات تحليلية متطورة.


