تشهد أسواق العملات المشفّرة واحدة من أكثر فتراتها حساسية خلال الأشهر الأخيرة، في ظل تصاعد الضغوط الناتجة عن المتغيرات الاقتصادية العالمية، وتزايد حالة الترقب بشأن مستقبل السياسة النقدية في الولايات المتحدة. وفي قلب هذه التطورات، جاءت عملة بيتكوين لتسجّل تراجعًا لافتًا أعاد إلى الواجهة المخاوف المرتبطة بالأصول عالية المخاطر.
ويأتي هذا التراجع في سياق من عدم اليقين، بعدما كانت التوقعات تشير إلى مرحلة أكثر دعمًا وتنظيمًا لسوق العملات الرقمية. إلا أن المؤشرات الأخيرة قلبت المشهد رأسًا على عقب، لتضع المستثمرين أمام اختبار جديد لقوة السوق وقدرته على الصمود.
ووفق هذا السياق، بدأت التحركات السلبية لبيتكوين تعكس حالة من القلق المتزايد، ليس فقط بشأن أداء العملة ذاتها. بل بشأن مستقبل سوق العملات المشفّرة ككل، خاصة مع تغير المزاج العام تجاه السيولة والتمويل.
بيتكوين عند أدنى مستوى في شهرين
انخفضت عملة بيتكوين إلى أدنى مستوى لها في شهرين، بعدما تراجعت بنسبة 2.5% لتتداول عند 82,300 دولار، في جلسة شهدت ضغوط بيع متزايدة. ويعد هذا الانخفاض امتدادًا لخسائر الجلسة السابقة. ما يضع العملة الرقمية الأكبر في العالم على مسار تسجيل الشهر الرابع على التوالي من التراجع، وهي أطول سلسلة خسائر منذ ثمانية أعوام.
وتشير البيانات إلى أن عملة بيتكوين فقدت نحو ثلث قيمتها منذ أن سجّلت مستويات قياسية في أكتوبر. الأمر الذي يعكس حجم التحول في شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر، خاصة في ظل ارتفاع الدولار الأمريكي وتزايد العزوف عن المضاربة.
وبحسب ما نقلته «رويترز»، فإن هذه التحركات جاءت مدفوعة بعوامل تتجاوز سوق العملات المشفّرة نفسها. لتشمل تطورات السياسة النقدية الأمريكية وتوقعات المستثمرين بشأن مستقبل السيولة العالمية.
تكهنات الاحتياطي الفيدرالي تشعل موجة البيع
ازدادت وتيرة البيع في سوق العملات المشفّرة مع تصاعد التكهنات بشأن احتمال تعيين كيفن وارش؛ العضو السابق في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، رئيسًا جديدًا للمجلس خلفًا لـجيروم باول. وتعد هذه التكهنات عاملًا محوريًا في الضغط على بيتكوين وبقية العملات الرقمية.
ويعرف وارش بمواقفه الداعية إلى «تغيير النظام» داخل البنك المركزي الأمريكي. فضلًا عن مطالبته بتقليص الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي. وهو ما يثير مخاوف المستثمرين الذين اعتادوا على بيئة نقدية داعمة قائمة على ضخ السيولة.
واستفادت بيتكوين تاريخيًا من السياسات التوسعية؛ إذ غالبًا ما ارتفعت في الفترات التي ضخّ فيها الاحتياطي الفيدرالي سيولة كبيرة في الأسواق. ما دعم الأصول المضاربية، وجعل أي حديث عن سحب السيولة بمثابة تهديد مباشر لقيمتها السوقية.
تأثير تقليص السيولة على الأصول عالية المخاطر
يرى محللون أن الحديث عن تقليص الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي يعيد رسم خريطة الاستثمار في الأسواق العالمية. لا سيما بالنسبة للأصول التي تستخدم كتحوّط ضد التوسع النقدي، مثل: الذهب والعملات المشفّرة.
وفي هذا السياق، قال داميان بوي؛ إستراتيجي المحافظ الاستثمارية في شركة ويلسون لإدارة الأصول في سيدني، إن أي توجه لسحب السيولة يؤدي إلى تراجع الأدوات التي لجأ إليها المستثمرون للتحوّط. بما في ذلك الذهب والعملات المشفّرة، وحتى السندات.
ويعكس هذا التصريح حجم الترابط بين السياسة النقدية الأميركية وسلوك المستثمرين في سوق العملات المشفّرة؛ حيث باتت التحركات المستقبلية للاحتياطي الفيدرالي عاملًا حاسمًا في تحديد الاتجاهات السعرية.
إيثر والأسواق الرقمية في دائرة الضغط
لم يقتصر التراجع على بيتكوين وحدها؛ إذ هبطت عملة إيثر أيضًا إلى أدنى مستوى لها في شهرين. مسجلةً انخفاضًا بنسبة 2.9% لتتداول عند 2,735.48 دولار. ويعكس هذا التراجع اتساع نطاق الضغوط ليشمل معظم العملات الرقمية الرئيسية.
ومنذ التراجع الكبير الذي شهدته السوق العام الماضي، تعاني العملات المشفّرة من فقدان الاتجاه الواضح. كما تخلّفت عن موجات الارتفاع القوية التي سجلتها أسواق الذهب والأسهم، رغم أنها كانت تتحرك بالتوازي معها في فترات سابقة.
ويؤكد محللون أن غياب المحفزات الإيجابية، إلى جانب ارتفاع العوائد على الأصول التقليدية، ساهم في تقليص جاذبية العملات الرقمية لدى شريحة واسعة من المستثمرين.
الذكاء الاصطناعي يضيف عامل ضغط جديد
وإلى جانب العوامل النقدية، أشار شون داوسون؛ رئيس قسم الأبحاث في منصة Derive.xyz، إلى أن «المخاوف المرتبطة بحالة التفاؤل المفرط حول الذكاء الاصطناعي» كانت عاملًا إضافيًا ساهم في موجة البيع الأخيرة.
وجاء ذلك عقب تراجع سهم مايكروسوفت بنسبة 10%، بعدما أعلنت الشركة عن إنفاق ضخم على الذكاء الاصطناعي. مقابل تحقيق نمو محدود في الإيرادات، وهو ما أحدث هزة واضحة في الأسواق العالمية.
وينظر إلى هذا التراجع باعتباره مؤشرًا على إعادة تقييم شاملة للأصول المرتبطة بالتكنولوجيا والابتكار. ما انعكس بدوره على سوق العملات المشفرة، التي لا تزال تصنف ضمن الأصول عالية المخاطر.
آفاق غامضة تنتظر سوق العملات المشفرة
وفي ضوء هذه التطورات، تبدو آفاق بيتكوين وسوق العملات المشفّرة عمومًا محاطة بدرجة عالية من الغموض. لا سيما مع استمرار حالة الترقب بشأن مسار السياسة النقدية الأمريكية، وتزايد حساسية الأسواق تجاه أي إشارات تتعلق بتقليص السيولة.
وبينما يترقب المستثمرون قرارات الاحتياطي الفيدرالي المقبلة، تبقى العملات الرقمية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على استعادة الزخم. في بيئة تتسم بتقلبات حادة وتغيّر سريع في توجهات رؤوس الأموال.



