في خطوة تؤكد على قوة الشراكة الاستراتيجية بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الفرنسية، كشف المهندس خالد الفالح؛ وزير الاستثمار، عن قفزة نوعية في حجم الاستثمارات الفرنسية في السعودية، مشيرًا إلى أن حجم هذه الاستثمارات المباشرة ارتفع بنسبة 180% خلال السنوات الخمس الأخيرة، ليصل إلى 16 مليار يورو، ما يضع فرنسا في مصاف أكبر المستثمرين في المملكة.
ويشير هذا الارتفاع القياسي في الاستثمارات الفرنسية في السعودية إلى أن العلاقة الثنائية لم تعد تقتصر على الجوانب الدبلوماسية والسياسية. بل توسعت لتشمل التعاون الاقتصادي العميق؛ ما يفتح آفاقًا جديدة للنمو والتنمية. هذا التطور الملحوظ في تدفق رؤوس الأموال الفرنسية يجسد الشراكة الفاعلة التي بنيت على مدى قرن من الزمن. والتي تهدف إلى تحقيق مصالح مشتركة وتنوع اقتصادي مستدام.
نمو متسارع وتوسع في القطاعات
شهدت الاستثمارات الفرنسية في السعودية نموًا ملحوظًا ومتسارعًا، فبحسب البيانات الرسمية، بلغت قيمتها الإجمالية حتى عام 2024 حوالي 16 مليار يورو، لتصبح بذلك ثاني أكبر دولة مستثمرة في المملكة بعد الولايات المتحدة الأمريكية. هذا النمو الهائل، من حوالي 6 مليارات يورو إلى ما يقارب 17 مليار يورو خلال فترة قصيرة، يؤكد على أن الإصلاحات الاقتصادية التي تتبناها المملكة ضمن رؤية 2030 قد آتت ثمارها في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتسهيل إجراءات دخولها وتوسيعها.
ويعمل في المملكة العربية السعودية حاليًا حوالي 170 شركة فرنسية تغطي قطاعات متنوعة وحيوية. هذه الشركات تعمل في مجالات استراتيجية مثل السياحة، والطاقة، والمياه، والصناعات الغذائية، والصحة، والبنية التحتية، وحتى الذكاء الاصطناعي. ويعكس هذا التنوع في الاستثمارات يعكس ثقة الشركات الفرنسية في السوق السعودية وقدرتها على تحقيق عوائد مجزية في مختلف القطاعات؛ ما يدعم التنمية المستدامة في المملكة ويخلق فرصًا وظيفية جديدة.
تركيز على الطاقة والبنية التحتية
تتركز الاستثمارات الفرنسية في عدة قطاعات استراتيجية، وعلى رأسها قطاع الطاقة والمياه والصرف الصحي، وهي من القطاعات التقليدية التي شهدت استثمارات فرنسية ضخمة على مدار العقود الماضية. ويعد هذا القطاع ركيزة أساسية للعلاقة الاقتصادية بين البلدين؛ حيث تسهم الشركات الفرنسية بخبراتها وتقنياتها في دعم مشاريع الطاقة العملاقة في المملكة. بما في ذلك مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر؛ ما يتماشى مع أهداف المملكة في التحول إلى اقتصاد خالٍ من الكربون.
كما يشمل التعاون الاقتصادي بين البلدين مشاريع البنية التحتية الضخمة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك مشروع مترو الرياض الذي أُطلق بالشراكة بين شركة “آر إيه تي بي ديفيلوبمنت” الفرنسية وشركة “سابتكو” السعودية. هذا المشروع يمثل نموذجًا للتعاون في مجال التنقل المستدام، ويسهم في تطوير مدن مستقبلية ذكية. كما يعكس قدرة الشركات الفرنسية على تنفيذ مشاريع كبرى ومعقدة تخدم أهداف التنمية الحضرية في المملكة.

التكنولوجيا والضيافة
تعد قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من المجالات الحديثة التي شهدت شراكات جديدة بين الشركات السعودية والفرنسية. ويعكس هذا التعاون في مجال التكنولوجيا رؤية البلدين للمستقبل الرقمي، وسعيهما لتوظيف أحدث الابتكارات في مختلف القطاعات الاقتصادية. ولا يقتصر الاستثمار في هذا المجال على رأس المال فحسب، بل يشمل أيضًا نقل المعرفة والخبرات؛ ما يعزز من القدرات التنافسية للمملكة في قطاع التقنية.
وفي قطاع السياحة والضيافة، تمتلك الشركات الفرنسية أكثر من 50 فندقًا في المملكة، مع وجود خطط لتوسيع هذا القطاع ليشمل المزيد من الفنادق والمنتجعات الفاخرة. ويأتي هذا الاستثمار في السياحة في وقت تشهد فيه المملكة نهضة سياحية غير مسبوقة؛ ما يجعلها وجهة جاذبة للسياح من مختلف أنحاء العالم. هذه الشراكة في قطاع الضيافة تسهم في تحقيق أهداف رؤية 2030 التي تهدف إلى استقبال أعداد هائلة من السياح سنويًا.
بيئة استثمارية محفزة وتبادل تجاري متنامي
تعد الإصلاحات التي نفذتها المملكة العربية السعودية في البيئة الاستثمارية ضمن رؤية 2030 من الأسباب الرئيسية التي سهلت دخول الاستثمارات الفرنسية وتوسيعها. هذه الإصلاحات، التي شملت تسهيل الإجراءات وتقديم الحوافز، أدت إلى منح الهيئة العامة للاستثمار رخصًا لأكثر من 366 شركة فرنسية؛ ما ساعدها على تنويع نشاطاتها بين الاستثمارات الصناعية والتجارية والخدمية، وتوسيع نطاق أعمالها في السوق السعودي المزدهر.
وتأتي هذه الأرقام والإحصائيات لتؤكد أن المملكة قد أصبحت وجهة استثمارية عالمية بامتياز، وهذا ما أشار إليه وزير الاستثمار السعودي. هذا التنامي في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لا يقتصر على الجانب المادي فقط. بل يعزز أيضًا الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في المجالات الاقتصادية، والصناعية، والتكنولوجية، والثقافية؛ ما ينعكس إيجابًا على النمو الاقتصادي للبلدين.
شراكة ثقافية وأثر اقتصادي ملموس
يتجاوز التعاون الاقتصادي بين السعودية وفرنسا الجانب المادي ليشمل الجانب الثقافي والمعرفي، فقد تم الإعلان عن تأسيس المعهد الفرنسي في المملكة بهدف تعزيز التعاون التقني والعلمي. ويمثل هذا المعهد جسرًا ثقافيًا بين البلدين، ويسهم في تبادل الخبرات والمعارف. كما يفتح آفاقًا جديدة للتعاون في المجالات الأكاديمية والبحثية؛ ما يعزز من مكانة المملكة كمركز إقليمي للتعليم والبحث العلمي.
وتسهل فرنسا إصدار تأشيرات الدخول للسعوديين بهدف تشجيع السياحة والتبادل الثقافي؛ حيث أصدرت أكثر من 190 ألف تأشيرة للزوار السعوديين عام 2024. هذا التبادل السياحي والثقافي يساهم في تقوية الروابط الإنسانية بين الشعبين. كما تجاوز التبادل التجاري بين البلدين 10 مليارات يورو خلال العامين الأخيرين؛ ما يعكس تنامي التبادل التجاري المعزز بوجود استثمارات مشتركة قوية، ويدل على الأثر الإيجابي للشراكة الاستثمارية على الاقتصادين.


