شهدت أسعار النفط ارتفاعًا حادًا خلال تعاملات، اليوم الخميس، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم للأسواق العالمية. وجاء هذا الارتفاع بعد تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمواصلة استهداف إيران، وهو ما بدد الآمال في التوصل إلى حل سريع للصراع القائم في المنطقة.
وبحسب ما أوردته “رويترز”، فقد انعكس هذا التصعيد بشكل مباشر على أسواق الطاقة؛ حيث قفزت أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، بالتزامن مع تراجع أسواق الأسهم والسندات العالمية. كما أدى الخطاب المتشدد الصادر عن الإدارة الأمريكية إلى زيادة حالة القلق في الأسواق المالية. في وقت يحاول فيه المستثمرون فهم تداعيات استمرار الحرب في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، قفز خام برنت بأكثر من 7% ليتجاوز مستوى 109 دولارات للبرميل. وذلك بعد أن صرح ترامب في خطاب متلفز أمس الأربعاء بأن الولايات المتحدة ستضرب إيران “بقسوة بالغة” خلال الأسابيع المقبلة. مضيفًا أن بلاده ستعيدها إلى “العصر الحجري؛ حيث تنتمي”، على حد تعبيره. وجاء هذا التصريح رغم إشارته في الوقت نفسه إلى أن الحملة العسكرية الأمريكية قد تقترب من نهايتها.
تأثير التصريحات السياسية على الأسواق العالمية
في أعقاب هذه التصريحات، شهدت الأسواق المالية العالمية حالة من الاضطراب الملحوظ. حيث تراجعت مؤشرات الأسهم الرئيسية في أوروبا والولايات المتحدة. فقد انخفض مؤشر فوتسي يوروفيرست 300 الأوروبي (FTEU3). كما تراجعت مؤشرات وول ستريت الآجلة بنسبة تراوحت بين 1.3% و1.8%. وذلك بعد تراجع حاد في الأسهم الآسيوية خلال الليل.
وعلى صعيد آخر، ارتفعت عوائد السندات الحكومية في مختلف الأسواق العالمية. مدفوعة بتوقعات بأن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة معدلات التضخم. وهو ما قد يجبر البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة أو على الأقل الإبقاء عليها مرتفعة لفترة أطول.
في المقابل، ارتفع الدولار الأمريكي مجددًا مستعيدًا مكانته كعملة ملاذ آمن، الأمر الذي انعكس على أداء العملات الرئيسية الأخرى. فقد انخفض اليورو بنسبة 0.5% إلى 1.1526 دولارًا أمريكيًا. بينما تراجع الجنيه الإسترليني إلى ما دون مستوى 1.32 دولارًا أمريكيًا.
وفي هذا الإطار، قال فيليكس أنطوان فيزينا بوارييه؛ من شركة BCA Research، إن التصريحات المتضاربة بين واشنطن وطهران خلال الساعات الأخيرة ساهمت في زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق.
وأضاف أن بعض هذه التصريحات يشير إلى احتمالات خفض التصعيد. بينما تؤكد تطورات أخرى استمرار العمليات العسكرية دون توقف.

مضيق هرمز في قلب أزمة الطاقة العالمية
من ناحية أخرى، يواصل المستثمرون مراقبة تطورات الوضع في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم. ويشير محللون إلى أن هذا الممر الضيق يمر عبره نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال العالميين. ما يجعله عنصرًا حاسمًا في تحديد اتجاه أسعار الطاقة خلال الفترة المقبلة.
وفي هذا السياق، أوضح محللو GeoMacro أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز شهدت انتعاشًا خلال الأيام القليلة الماضية. في حين أن إيران بدأت تحول تركيزها العسكري من أهداف في دول مجلس التعاون الخليجي إلى أهداف إسرائيلية. وهو ما قد يغير مسار التصعيد في المنطقة.
كما أكد براشانت نيوناها، كبير إستراتيجيي أسعار الفائدة في شركة TD للأوراق المالية، أن العامل الأكثر أهمية بالنسبة للأسواق في الوقت الراهن يتمثل في مصير مضيق هرمز. مشيرًا إلى أن السؤال الأساسي الذي يشغل المستثمرين هو ما إذا كان هذا الممر الحيوي سيُفتح قريبًا أم سيظل عرضة للاضطرابات.
استمرار الحرب يفرض ضغوطًا على الاقتصاد
في سياق متصل، أشار ترامب في خطابه إلى أن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى منفذ النفط الرئيسي. مؤكدًا أن المضيق سيفتح تلقائيًا بمجرد انتهاء النزاع. إلا أن الأسواق لم تتفاعل بإيجابية مع هذه التصريحات، لا سيما في ظل استمرار العمليات العسكرية وتصاعد التهديدات باستهداف البنية التحتية.
وانعكست هذه التطورات على أسواق الدين العالمية. حيث ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات بمقدار 5 نقاط أساسية لتصل إلى 4.376%. كما ارتفعت عوائد السندات الأوروبية القياسية بنسبة مماثلة لتتجاوز 3% بقليل. رغم أنها لا تزال في طريقها لتسجيل أول انخفاض أسبوعي منذ اندلاع الحرب.
وفي الوقت ذاته، شهدت المعادن النفيسة تراجعًا ملحوظًا. حيث انخفض الذهب والفضة بنسبة 3% و5.7% على التوالي. بعدما توقف الانتعاش المحدود الذي شهدته خلال الأيام الأخيرة. كما ارتفع مؤشر الدولار مجددًا فوق مستوى 100.05، بعد أن كان قد تراجع بنحو 1% خلال اليومين السابقين.
الحرب في صدارة اهتمامات المستثمرين
ومع عودة أسعار خام برنت الآجلة إلى 109.60 دولارًا للبرميل، وخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي إلى 109.14 دولارًا، باتت الحرب وتداعياتها الاقتصادية في صدارة اهتمامات المستثمرين. خاصة مع القفزة التي بلغت نحو 80% في أسعار النفط والغاز الطبيعي منذ بداية العام.
وقال جون ويثار من شركة بيكت لإدارة الأصول إن توقع استمرار العمليات العسكرية لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى. إلى جانب التهديدات المتكررة باستهداف البنية التحتية، سيعيد الأسواق إلى وضع دفاعي. وهو ما يعني استمرار التقلبات الحادة في أسواق الطاقة والمال خلال الفترة المقبلة.


