تمثل مراكز البيانات نقطة الصدام الرئيسة في موجة الاعتراضات المتزايدة على الذكاء الاصطناعي.
وبينما تحظى احتياجات الطاقة بالنصيب الأكبر من الاهتمام، تبقى قضايا المياه واستخدام الأراضي والضوضاء والنفايات الإلكترونية تحديات أقل ظهورًا في التقارير المؤسسية، رغم أنها تثير قلقًا متزايدًا لدى المجتمعات المحلية.
وتوضح المؤشرات أن الحلول التقنية لمعالجة هذه التحديات متاحة بالفعل، لكن ما ينقص هو معايير إفصاح أكثر صرامة ومتطلبات شراء واضحة وتصميمات تجعل الاستدامة جزءًا أساسيًا من البنية التحتية الرقمية.
تراجع القبول المجتمعي
ثمة حقيقة لافتة تستحق التوقف عندها: عدد الأمريكيين الذين يفضلون العيش بالقرب من محطة طاقة نووية بات أكبر من عدد الراغبين في السكن قرب مركز بيانات.
وبحسب استطلاع أجرته مؤسسة “جالوب” هذا الشهر، أصبحت مراكز البيانات أحد أبرز رموز الجدل المرتبط بعصر الذكاء الاصطناعي. ويعود ذلك إلى استهلاكها الضخم للطاقة والمياه، وتأثيراتها في المجتمعات المحلية؛ من حيث الضوضاء واستخدام الأراضي، فضلًا عن ارتباطها بالمخاوف الأوسع المتعلقة بفقدان الوظائف والخصوصية.
كما أصبحت استدامة مراكز البيانات قضية مرتبطة بما يُعرف بـ”الرخصة الاجتماعية”. إذ أدت معارضة المجتمعات المحلية منذ منتصف عام 2024 إلى تعطيل مشاريع بقيمة 18 مليار دولار وتأخير أخرى بقيمة 46 مليار دولار داخل الولايات المتحدة، بإجمالي استثمارات متأثرة بلغ 64 مليار دولار.
كذلك تنشط حاليًا 188 مجموعة محلية معارضة في 40 ولاية أمريكية. فيما تقدمت 12 ولاية بمشروعات قوانين لفرض وقف مؤقت على منح تصاريح بناء مراكز بيانات جديدة. وارتفع عدد المشروعات الملغاة إلى 25 مشروعًا خلال عام 2025 مقارنة بستة مشاريع فقط في 2024.
أزمة عالمية
لا تقتصر هذه الظاهرة على الولايات المتحدة. ففي تشيلي علّقت محكمة مشروعًا لمركز بيانات تابع لشركة جوجل بعد اعتراضات محلية على خطط لسحب أكثر من 7 مليارات لتر من المياه سنويًا.
أما في أيرلندا، التي تخصص أكبر حصة من كهربائها الوطنية لتشغيل مراكز البيانات مقارنة بأي دولة أخرى. فرضت السلطات قيودًا على إنشاء مراكز جديدة حول العاصمة دبلن خشية تعرض شبكة الكهرباء لانقطاعات واسعة.
ورغم ذلك يرى خبراء القطاع أن الطريق نحو مراكز بيانات ذات أثر إيجابي في المياه والطاقة والطبيعة لا يزال ممكنًا. خصوصًا مع توافر معظم الأدوات المطلوبة لتحقيق هذا الهدف.
استهلاك الطاقة
تُعد الطاقة أكثر جوانب التأثير إثارة للانتباه. حيث ارتفع الطلب العالمي على الكهرباء في مراكز البيانات بنسبة 17% خلال عام 2025. متجاوزًا بكثير معدل نمو الطلب العالمي على الكهرباء البالغ 3%، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية.
في حين من المتوقع أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بحلول عام 2030. بينما قد يتضاعف ثلاث مرات في المنشآت المخصصة للذكاء الاصطناعي.
لكن التحدي لا يقتصر على ارتفاع فواتير الكهرباء. إذ أظهرت أبحاث حديثة أن زيادة تلوث الهواء المرتبط بالبنية التحتية للطاقة المستخدمة في تشغيل مراكز البيانات قد تتسبب في نحو 1300 وفاة مبكرة سنويًا بحلول عام 2030، مع خسائر اقتصادية تُقدر بنحو 20 مليار دولار سنويًا.
ورغم تبني القطاع مبادرات متعددة تشمل اتفاقيات شراء الطاقة والطاقة الخالية من الكربون على مدار الساعة. والاستثمار في الطاقة النووية المتقدمة والحرارة الجوفية، فإن التساؤلات لا تزال قائمة حول قدرة هذه الجهود على مواكبة النمو المتسارع للطلب.
معضلة المياه
تمثل المياه التحدي الأكثر حساسية بالنسبة إلى سمعة القطاع. فمركز بيانات متوسط الحجم يستهلك أكثر من 300 مليون جالون من المياه يوميًا لأغراض التبريد.
كما تتفاقم المشكلة بسبب بناء العديد من هذه المنشآت في مناطق تعاني بالفعل من ضغوط مائية مرتفعة.
وتشمل الحلول المتاحة أنظمة التبريد السائل، وأنظمة المياه المغلقة، وتقنيات التبريد الجاف في البيئات المناسبة. إلا أن المشكلة تكمن في بطء تبني هذه الحلول مقارنة بالاعتماد المستمر على النماذج التقليدية.
وأعلنت شركات كبرى، مثل: جوجل ومايكروسوفت وخدمات أمازون السحابية. التزامها بالوصول إلى وضع “إيجابي مائيًا” بحلول عام 2030؛ أي إعادة كميات من المياه تفوق ما تستهلكه، لكن بعض الخبراء يشككون في أساليب القياس المستخدمة لتقييم هذه الالتزامات.
الأرض والضوضاء
في المقابل أصبحت قضايا استخدام الأراضي والضوضاء محورًا رئيسًا للاحتجاجات المحلية.
وتزداد أحجام مراكز البيانات بصورة متسارعة. فعلى سبيل المثال: يمتد مركز “هايبرين” للذكاء الاصطناعي التابع لشركة ميتا، والمخطط إنشاؤه في ولاية لويزيانا، على مساحة تقارب 22.8 ميلًا مربعًا. أي ما يعادل تقريبًا مساحة جزيرة مانهاتن.
أما الضوضاء فتنتج بشكل أساسي عن أنظمة التبريد، بما في ذلك المراوح وأبراج التبريد ووحدات التكييف، وليس عن الخوادم نفسها.
وفي ولاية فرجينيا يقع نحو ثلث مراكز البيانات على بعد أقل من 200 قدم من مناطق سكنية. ويشتكي السكان من ضجيج منخفض التردد يعمل على مدار الساعة. ويؤثر في جودة الحياة اليومية.
وتحولت الضوضاء بالفعل إلى موضوع نزاعات قانونية في عدد من المناطق. حيث يرى السكان أن الصناعة فضّلت سرعة التوسع على بناء علاقات حقيقية مع المجتمعات المحلية.
ويؤكد الخبراء أن الحل يكمن في إشراك المجتمعات بشفافية منذ المراحل الأولى للمشروعات وقبل التقدم بطلبات التصاريح.
جبل النفايات الإلكترونية
تمثل النفايات الإلكترونية تحديًا آخر يتنامى بصمت. فالأجيال الجديدة من وحدات معالجة الرسومات. المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي تصبح قديمة خلال عامين إلى ثلاثة أعوام فقط.
وقدرت دراسة نُشرت عام 2024 في دورية “نيتشر كومبيوتيشنال ساينس”. أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يضيف ما يصل إلى 5 ملايين طن من النفايات الإلكترونية بحلول عام 2030. أي ما يعادل نحو ثُمن إجمالي النفايات الإلكترونية المتوقعة عالميًا.
ولا تزال البنية التحتية للاقتصاد الدائري غير قادرة على التعامل مع مثل هذه الكميات. في حين تبقى برامج استعادة الأجهزة وإطالة عمرها التشغيلي في مراحلها الأولى.
فجوة تنظيمية
يرى خبراء الاستدامة أن المشكلة لم تعد تقنية بقدر ما هي تنظيمية وهيكلية. فالحلول متوافرة لمعالجة التأثيرات الخمسة الرئيسة لمراكز البيانات، لكن غياب قواعد الإفصاح والشراء والتنظيم المناسبة يجعل هذه الحلول استثناءً بدلًا من أن تكون القاعدة.
كما أن أطر إعداد التقارير الحالية لا تتعامل مع المياه والأراضي والنفايات بنفس مستوى الدقة المطبق على انبعاثات الكربون. ما يصعّب المقارنة بين الشركات.
ويشير الخبراء إلى أن الشركات المستخدمة للذكاء الاصطناعي تمتلك نفوذًا أكبر مما تستغله حاليًا. إذ يمكنها الضغط على مزودي الخدمات السحابية من خلال طرح أسئلة أكثر صرامة. بشأن استهلاك المياه ودورة حياة الأجهزة. وتأثير المشروعات في المجتمعات المحلية.
وفي النهاية تبدو الشركات التي تدمج الأداء البيئي ضمن عملية التصميم منذ البداية. بدلًا من التعامل معه كإجراء لاحق أو حملة علاقات عامة، الأكثر قدرة على تجنب الاعتراضات المتزايدة وضمان استمرار توسعها في المستقبل.
المقال الأصلي (هنـــــــا)


