انتشر قبل مدة قصيرة مقطع فيديو على موقع التواصل الاجتماعي “تيك توك” لإحدى الموظفات، وهي تبكي بسبب توبيخ مديرها. كرد فعل على طلب بعض التسهيلات في مواعيد العمل الصباحية لإصابتها بـ “عمى الوقت”. الذي يجعل الوصول في مواعيد العمل المقررة صعبًا؛ ما دفع الكثير من المتابعين إلى التعاطف معها، وتساؤلهم ما عمى الوقت أو “العمى الزمني”؟
عمى الوقت: ما هو؟
يحدث “عمى الوقت” عندما لا نتمكن من تقدير الوقت الذي سيستغرقه أمر ما بدقة أو الحكم على مروره. وقد أشار الدكتور مايكل مانوس؛ اختصاصي الصحة السلوكية للأطفال، أن “عمى الوقت” ليس مصطلحًا تشخيصيًا، أو عَرَضًا محددًا. بل مصطلح لفقدان الإحساس بالوقت عامة، وقد يكون أكثر تطرفًا اعتمادًا على الشخص.
وأضاف الدكتور “مانوس” قائلًا: “يعاني الجميع من عمى الوقت في بعض الأحيان. ويمكننا جميعًا أن ننشغل بشيء ما، وندخل إلى تلك “المنطقة”. ومع ذلك، فإن بعض الأشخاص المصابين باضطراب فرط الحركة، ونقص الانتباه. هم الأكثر عرضة من غيرهم لصعوبة تقدير المدة التي سيستغرقها أداء شيء ما أو فقدان الإحساس بالوقت”.
وعلى الرغم من أنه معروف على نطاق واسع أن الأشخاص المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يعانون من قلة الانتباه. فإنهم على الجانب الآخر قد يكونون أكثر عرضة للتركيز المفرط على أنشطة محددة منها عدم ملاحظة مرور الوقت.
ما سبب “عمى الوقت”؟
لم يتوصل أحد للأسباب الدقيقة “للعمى الزمني” أو ما يسمى بعمى الوقت حتى الآن. إلا أنهم وجدوا عدة عوامل قد تسهم في تطوره:
-
اضطرابات النمو العصبي:
يعاني عادة الأشخاص المصابون باضطراب فرط الحركة، ونقص الانتباه، واضطراب طيف التوحد من صعوبات في الأداء التنفيذي. وهي مجموعة من المهارات المعرفية التي تساعدنا في التخطيط، وتنظيم وإدارة وقتنا؛ ما يجعلهم يبالغون في تقدير المهام. وقد يقللون من تقدير طولها، أو يتأخرون كثيرًا، ويواجهون صعوبة في الالتزام بجداولهم؛ ما يسبب “العمى الزمني” لديهم.
-
بنية الدماغ ووظيفته:
قد تؤدي الاختلافات في بنية ووظيفة القشرة الجبهية الأمامية التي تتحكم بالكثير من الوظائف التنفيذية، مثل: إدارة الوقت، دورًا في “العمى الزمني”.
-
خلل تنظيم “الدوبامين”:
ناقل عصبي يعمل على تسهيل الدافع والانتباه. وغالبًا ما تكون مستوياته منخفضة لدى الأشخاص المصابين باضطراب فرط الحركة، ونقص الانتباه. أو عدم قدرتهم على العمل بكفاءة معه؛ ما قد يسبب “العمى الزمني”.
-
اختلافات المعالجة المعرفية:
قد لا يتمكن بعض الأشخاص من قياس الوقت بدقة اعتمادًا على كيفية معالجتهم للمعلومات.
ويحدث “عمى الوقت” في بعض الأحيان بسبب:
- الإجهاد: وفي هذا الوقت تحديدًا تكون أدمغتنا أكثر تركيزًا على الحاضر من الماضي، ونتيجة لذلك، قد نقلل من تقدير الوقت الذي يستغرقه إكمال مهمة ما.
- التعب: يجعلنا أقل دقة في إدراكنا للوقت.
- الأدوية: يتأثر إدراك الوقت أحيانًا ببعض الأدوية، مثل: مضادات الاكتئاب، والمهدئات.
- عوامل التشتيت: قد يكون الحفاظ على الشعور بالوقت أمرًا صعبًا عند تشتت الانتباه، وتسبب أحيانًا حالة التبديل من مهمة إلى أخرى بسهولة فقدان إحساسنا بالوقت.
أعراض “عمى الوقت”
تشير الكثير من مؤشرات البحث إلى أن المصابون بعمى الوقت يعانون من الأعراض التالية:
-
صعوبة تقدير المدة التي ستستغرقها مهمة ما
على سبيل المثال، تبدأ مهمة تتوقع أن تستغرق 30 دقيقة، ثم تدرك أنه مر ساعتين.
-
التقليل من تقدير الوقت الذي مر أو المبالغة فيه
قد يبدو الأمر وكأنك بدأت العمل على شيء ما منذ 15 دقيقة فقط، في حين مرت ساعة بالفعل.
-
الشعور بأن الوقت يمر بسرعة
فتشعر أنك لا تملك الوقت الكافي للقيام بكل ما عليك القيام به، أو أن اليوم يمر بسرعة كبيرة.
-
صعوبة الالتزام بالجدول الزمني
قد يكون الالتزام بالجدول الزمني، أو بدء المهام وإنهائها في الوقت المحدد أمرًا صعبًا.
-
صعوبة تلبية المواعيد النهائية
غالبًا ما تفوت المواعيد، أو تنسى المهام، أو تفشل في الحضور إلى الأحداث بسبب التقويم المزدحم.
-
التأخر عن كل شيء
تتأخر عن الاجتماعات أو المواعيد أو التجمعات، ويبدو الأمر وكأنك لا تصل في الوقت المحدد أبدًا؛ ما يسبب إحباطًا لك وللذين ينتظرون.
-
التسويف
المماطلة في أداء المهام؛ لأنه من الصعب تحديد مقدار الوقت الذي تحتاج إلى تكريسه لها، وليس بالضرورة لأنك لا تريد القيام بها.
-
صعوبة التبديل بين المهام
قد يكافح دماغك للتبديل من مهمة إلى أخرى، وأحيانًا يكون صعب إنهاء مهمة والانتقال إلى أخرى دون الشعور بالإحباط.
-
وجود مشكلة مع الاندفاع
غالبًا ما تتخذ خيارات بناءً على اندفاعاتك دون مراعاة التأثيرات بعيدة المدى.
تأثير “العمى الزمني”
لا شك أن “العمى الزمني” يؤثر سلبًا في حياة الأشخاص المصابون به، ويواجهون صعوبة في الحفاظ على العلاقات، والنجاح بالمدرسة، أو العمل. ويصعب عليهم التعامل مع المهام اليومية، وتتضمن الأعراض المحددة للعمى الزمني، ما يلي:
- الفشل الأكاديمي.
- القلق والاكتئاب.
- المشكلات المالية.
- فقدان الوظيفة.
- انخفاض احترام الذات.
- العزلة الاجتماعية.
إدارة “العمى الزمني”
على الرغم من وجود صعوبة في إدارة “العمى الزمني”، فإن بعض الاستراتيجيات تساعد في ذلك، منها النصائح التالية:
كن على دراية بـ “عمى الوقت” لديك
يجب عليك بداية التعرف على “العمى الزمني” لديك، وانتبه حتى لا تهدر وقتك في تحديد المجالات التي تميل فيها إلى فقدان إحساسك بالوقت، وبمجرد أن تدرك إصابتك بـ “عمى الوقت”، يمكنك تطوير الاستراتيجيات الخاصة للتغلب عليه.
تتبع الوقت من خلال إشارات خارجية
يمكن أيضًا إدارة “العمى الزمني” باستخدام الإشارات الخارجية؛ حيث يمكن أن تساعدك بعض التطبيقات كالمنبه، أو المؤقت، أو الساعة، في إدارته. على سبيل المثال، إذا كنت ممن يضلوا طريقهم عند تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، فقد ترغب في ضبط مؤقت لمدة 15 أو 20 دقيقة، وأخذ استراحة عندما يرن المؤقت.
استخدم مخططًا أو نظامًا للتقويم
يمكن التصدي لـ “العمى الزمني” باستخدام مخطط أو تقويم، ويمكنك استخدامه في الآتي:
- تتبع المواعيد النهائية: فمن المهم الاستعانة بمخطط أو تقويم إذا كنت تقوم بمهام متعددة في وقت واحد.
- تقدير المدة التي ستستغرقها المهام: حتى يكون لديك جدول زمني أكثر واقعية، يجعلك تتجنب الإفراط في الالتزام. جدير بالذكر، أنه يمكنك الاستفادة من تحليلات التقويم للقيام بذلك نيابة عنك.
- خطط ليومك سابقًا: لتتمكن من البقاء مركزًا، وتجنب الانحراف عن المسار إذا فعلت ذلك.
- حدد مهامك ورتب أولوياتها: ومن خلال قيامك بذلك، يمكنك تعظيم وقتك، والتركيز على المهم.
خلاصة القول
يصعب على الأشخاص المصابون بـ “عمى الوقت” تقدير وتتبع مرور الوقت نتيجة لمجموعة متنوعة من العوامل التي يمكن أن تسهم في حدوث ذلك. منها: اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، واضطراب الوظيفة التنفيذية، والقلق، والاكتئاب، وصعوبات التعلم.
ولكن، لحسن الحظ، يوجد تدابير يمكن للأشخاص المصابين بعمى الوقت القيام بها لإدارة حالتهم، أهمها استخدام مخطط أو تقويم، وتحديد أهداف واقعية، وتقسيم المهام الكبيرة إلى مهام أصغر، وأخذ فترات راحة.
لذا؛ إذا كنت تعاني من “عمى الوقت”، فإن أفضل ما يمكنك فعله معاملة نفسك بحكمة وصبر للتحكم في حالتك، ويجب عليك بذل بعض الوقت والجهد لتجربة الاستراتيجيات السابقة التي يمكن أن تجد من بينها ما قد يناسب حالتك.
بقلم / جون رامبتون
المقال الأصلي: هنا



