شهدت الأسواق المالية العالمية حالة من الترقب الحذر والتقلبات المحدودة، مع تراجع الأسهم الآسيوية بشكلٍ طفيف وصعود الدولار الأمريكي، وذلك قبيل صدور تقرير الوظائف الأمريكي المرتقب، الذي يعد من أكثر البيانات الاقتصادية تأثيرًا في توجهات المستثمرين وصناع القرار النقدي.
ويأتي هذا الترقب في وقت بالغ الحساسية؛ إذ تتقاطع فيه بيانات سوق العمل مع تطورات سياسية وقضائية قد تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي.
وعلى رأسها الحكم المنتظر من المحكمة العليا الأمريكية بشأن قانونية الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. والتي كانت أحدثت صدمة قوية للأسواق خلال العام الماضي.
وبحسب ما نقلته «رويترز» فإن هذا المشهد المركب، الذي يجمع بين انتظار تقرير الوظائف وتصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية، دفع المستثمرين إلى تبني إستراتيجيات أكثر تحفظًا، مع تجنب بناء مراكز كبيرة قبل اتضاح الرؤية.
وفي هذا السياق باتت تحركات الأسواق محكومة بمزيج من الحذر والترقب. في ظل مخاوف من أن تؤدي أي مفاجآت سلبية إلى موجات جديدة من التقلبات العنيفة عبر الأسهم والعملات والسندات.
أداء متباين للأسواق الآسيوية والأوروبية
وفي التفاصيل تراجعت الأسهم الآسيوية بشكلٍ محدود. بينما استقر المؤشر الأوسع لأسهم آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان التابع لـMSCI منخفضًا بنسبة 0.2%. بعد أن تذبذب بين المكاسب والخسائر؛ ليبقى دون المستوى القياسي الذي سجله في وقت سابق من الأسبوع.
وفي المقابل ارتفعت العقود الآجلة للأسهم الأوروبية بنسبة 0.34%، في إشارة إلى أن المستثمرين في القارة العجوز يتعاملون بإيجابية حذرة مع التطورات الراهنة. بانتظار ما يحمله تقرير الوظائف من إشارات حول قوة الاقتصاد الأمريكي.
أما في اليابان فسجل مؤشر «نيكي» قفزة قوية بلغت 1.5%، مدعومًا بالنتائج المالية القوية والتوقعات الإيجابية لشركة «فاست ريتيلينغ»، المشغلة لعلامة «يونيكلو».
ويعكس هذا الأداء تباينًا واضحًا داخل الأسواق الآسيوية؛ حيث طغت العوامل المحلية الإيجابية في اليابان على أجواء الحذر العالمية المرتبطة ببيانات الاقتصاد الأمريكي، وفي مقدمتها تقرير الوظائف.
«وول ستريت» وقطاع الدفاع
وعلى صعيد وول ستريت أنهى مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» جلسة الخميس دون تغيير يذكر. في وقت واصل فيه قطاع الطيران والدفاع تحقيق مكاسب قوية؛ إذ صعد مؤشر هذا القطاع إلى أعلى مستوى له على الإطلاق، بالتزامن مع تسجيل أسهم شركات الدفاع الأوروبية مستويات قياسية جديدة.
ويعكس هذا الأداء تنامي الطلب على أسهم الصناعات الدفاعية، مدفوعًا بتصاعد التوترات الجيوسياسية عالميًا. وهو عامل إضافي يضاف إلى تأثير تقرير الوظائف في تشكيل المزاج العام للأسواق.
المحكمة العليا الأمريكية و«رسوم ترامب»
وفي موازاة ذلك تتجه أنظار المستثمرين بقوة إلى الحكم المحتمل من المحكمة العليا الأمريكية بشأن الرسوم الجمركية. إذ يرى محللون أن إلغاء هذه الرسوم قد يؤدي إلى تراجع إيرادات الحكومة الأمريكية. ما يدفع عوائد سندات الخزانة إلى الارتفاع، ويفتح الباب أمام موجات جديدة من التقلبات.
في حين أن هذا العامل -رغم أهميته- لا يقل تأثيرًا عن تقرير الوظائف. الذي يعد المؤشر الأكثر حساسية لقياس صحة الاقتصاد الأمريكي في المرحلة الحالية.
وفي هذا الإطار قال كايل رودا؛ كبير محللي الأسواق المالية في Capital.com، إن قرار المحكمة العليا يمثل «عامل المفاجأة الحقيقي» للأسواق.
لكنه شدد في الوقت ذاته على أن تقرير الوظائف يبقى العنصر الحاسم في توجيه توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية.
وأضاف أن إسقاط الرسوم الجمركية، في حالة حدوثه، ربما يعزز المعنويات. إلا أن إدارة ترامب قد تبحث عن وسائل بديلة للإبقاء على تلك الرسوم؛ ما يزيد من حالة عدم اليقين.
سوق العمل الأمريكية
وبالانتقال إلى البيانات الاقتصادية أظهرت أرقام أمريكية صدرت، أمس الخميس، أن الطلب على العمالة لا يزال ضعيفًا. في ظل لجوء الشركات إلى زيادة الإنتاجية من القوى العاملة الحالية بدلًا من التوظيف الجديد.
بينما عزز ذلك التركيز على تقرير الوظائف لشهر ديسمبر الماضي. الذي قد يكشف عن أن سوق العمل الأمريكية لا تزال عالقة في حالة «لا توظيف ولا تسريح»، وفق توصيف اقتصاديين وصناع سياسات.
وتشير التقديرات، وفق استطلاع أجرته “رويترز”، إلى أن الوظائف غير الزراعية ربما ارتفعت بنحو 60,000 وظيفة خلال الشهر الماضي. بعد زيادة بلغت 64,000 وظيفة في نوفمبر.
وكان الاقتصاد الأمريكي فقد 105,000 وظائف في أكتوبر الماضي، في أكبر تراجع منذ ما يقرب من خمس سنوات. ويرجع ذلك في معظمه إلى موظفي الحكومة الفيدرالية الذين قبلوا برامج شراء خدمة مؤجلة. وتعد هذه الأرقام محورية في تفسير نتائج تقرير الوظائف وتأثيره المحتمل في الأسواق.
السياسة النقدية والاحتياطي الفيدرالي
وفي ضوء هذه المعطيات تسعّر الأسواق حاليًا ما لا يقل عن خفضين لأسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي خلال العام الجاري. رغم أن البنك المركزي أشار في ديسمبر الماضي إلى احتمال خفض واحد فقط.
ومن المتوقع أن يبقي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المرتقب هذا الشهر. في انتظار ما يكشفه تقرير الوظائف من إشارات أوضح حول مسار الاقتصاد.
وفي أسواق السندات ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 4.177%، بعد صعوده 4.5 نقطة أساس في الجلسة السابقة. بينما استقر مؤشر الدولار قرب أعلى مستوى له في شهر واحد.
ويعكس هذا الأداء توازنًا دقيقًا بين قوة العملة الأمريكية وتوقعات السياسة النقدية، التي تعتمد بشكلٍ أساسي على نتائج تقرير الوظائف.
السندات والدولار والنفط
أما في سوق الطاقة فواصلت أسعار النفط مكاسبها؛ لتستقر قرب أعلى مستوياتها في أسبوعين. مدعومة بالتوترات الجيوسياسية وتطورات الأوضاع في فنزويلا. إلى جانب المخاوف المتعلقة بإمدادات النفط من روسيا والعراق وإيران.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 0.8% إلى 62.49 دولارًا للبرميل. فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 0.8% إلى 58.25 دولارًا.
وفي المحصلة يمكن القول إن الأسواق العالمية تقف عند مفترق طرق حاسم؛ حيث يتداخل تأثير تقرير الوظائف مع عوامل سياسية وجيوسياسية وقضائية معقدة.
وبينما يترقب المستثمرون صدور البيانات الأمريكية تبقى أي مفاجأة في تقرير الوظائف قادرة على إعادة رسم خريطة التوقعات للأسواق خلال المرحلة المقبلة. سواء على صعيد الأسهم أو العملات أو أسعار الفائدة. ما يجعل هذا التقرير أحد أكثر الأحداث الاقتصادية أهمية في الوقت الراهن.



