سجّلت شركة سامسونج طفرة مالية غير مسبوقة في قطاع الرقائق، مدفوعةً بتسارع الطلب العالمي على تقنيات الذكاء الاصطناعي، في تطور يعيد رسم ملامح سوق أشباه الموصلات عالميًا.
وبحسب ما نقلته وكالة «رويترز» فإن الشركة أعلنت تحقيق أرباح فصلية قياسية، مدفوعةً بزيادة بلغت 49 ضعفًا في إيرادات قطاع الرقائق.
وذلك في وقت تتوقع فيه تفاقم نقص الإمدادات بحلول عام 2027، نتيجة الطلب المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويشير هذا النمو إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى أصبحت المحرك الأساسي للطلب. نظرًا لتوسعها في بناء مراكز البيانات وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وهو ما يفرض ضغوطًا متزايدة على سلاسل الإمداد.
قفزة قياسية في أرباح قطاع الرقائق
شهدت أرباح سامسونج من الرقائق مستوى قياسيًا؛ حيث بلغ الربح التشغيلي لقسم الرقائق 53.7 تريليون وون (36.15 مليار دولار) خلال الفترة من يناير إلى مارس 2026. مقارنة بـ1.1 تريليون وون فقط في الفترة نفسها من العام الماضي.
ويعكس هذا الارتفاع الضخم حجم الطلب المتزايد على رقائق الذاكرة.
وفي السياق ذاته شكّل هذا الرقم نحو 94% من إجمالي أرباح الشركة البالغة 57.2 تريليون وون خلال الربع، مقارنة بـ6.69 تريليون وون قبل عام. ما يؤكد أن قطاع الرقائق أصبح العمود الفقري لأداء الشركة المالي.
علاوة على ذلك ارتفعت الإيرادات الإجمالية بنسبة 69% على أساس سنوي لتصل إلى 133.9 تريليون وون. وهو ما يعكس توسعًا قويًا في مختلف الأنشطة، رغم التحديات التي تواجه بعض القطاعات الأخرى.
الطلب المتزايد يضغط على الإمدادات
أدى التوسع الكبير في بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الطلب على الرقائق المتقدمة. لا سيما تلك المستخدمة في مسرّعات الذكاء الاصطناعي التي تعتمد عليها شركات مثل إنفيديا. ودفع ذلك الشركات المصنعة إلى إعادة توجيه طاقاتها الإنتاجية نحو هذه الفئة.
وفي هذا الإطار أكد كيم جاي-جون؛ أحد التنفيذيين في الشركة، أن الإمدادات الحالية أقل بكثير من طلب العملاء. مشيرًا إلى أن فجوة العرض والطلب مرشحة للاتساع بحلول عام 2027 مقارنة بعام 2026.
كما أوضح أن بناء مصانع جديدة يتطلب وقتًا طويلًا، وهو ما يحد من قدرة الشركات على زيادة الإنتاج بسرعة. ويؤدي إلى استمرار الضغوط على الإمدادات في المدى القريب.

عقود طويلة الأجل وإستراتيجية التوسع
وقّعت سامسونج عقودًا متعددة السنوات مع عملاء رئيسين لتأمين الإمدادات، في خطوة تهدف إلى ضمان استقرار الطلب وتعزيز الإيرادات المستقبلية. ويعكس ذلك تحولًا نحو شراكات طويلة الأجل في قطاع الرقائق.
وفي الوقت نفسه أعلنت الشركة بدء بيع أول إنتاج ضخم من رقائق الذاكرة عالية النطاق الترددي من الجيل الرابع، والمخصصة لمنصة جديدة لدى إنفيديا. مع توقعات بزيادة إيرادات هذا النوع من الرقائق بأكثر من ثلاثة أضعاف خلال العام الجاري.
وإلى جانب ذلك تخطط الشركة لزيادة الإنفاق الرأسمالي بشكل حاد لتوسيع قدراتها الإنتاجية. بما يتماشى مع الطلب المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
منافسة قوية وضغوط داخلية
تسعى سامسونج إلى تقليص الفجوة مع منافستها إس كيه هاينكس في مجال رقائق الذاكرة المتقدمة. خاصة بعد أن تمكنت الأخيرة من تحقيق نمو قوي وأرباح قياسية.
وفي المقابل تواجه الشركة تحديات داخلية، أبرزها احتمال تنفيذ إضراب من قبل النقابات العمالية في كوريا الجنوبية؛ ما قد يؤثر في استقرار الإنتاج. وحذّرت من أن أي تعطّل قد يؤدي إلى أضرار كبيرة.
كما أكدت أنها وضعت خططًا للتعامل مع هذه المخاطر، بما يضمن استمرار العمليات الإنتاجية دون انقطاع. وهو ما يعكس أهمية هذا القطاع بالنسبة لأدائها العام.
تأثير ارتفاع الأسعار في القطاعات الأخرى
أدى ارتفاع أسعار الرقائق إلى الضغط على قطاعات أخرى داخل الشركة، خاصة الهواتف المحمولة والشاشات؛ حيث ارتفعت تكاليف المكونات بشكل ملحوظ.
وفي هذا السياق تراجعت أرباح قطاع الهواتف والشبكات بنسبة 35% لتصل إلى 2.8 تريليون وون. كما انخفض الربح التشغيلي لقسم الشاشات بنسبة 20% ليصل إلى 400 مليار وون، وهو ما يعكس تأثير التكاليف المرتفعة.
وإلى جانب ذلك، ورغم تأكيد الشركة أن الصراع في الشرق الأوسط لم يؤثر في الإنتاج، فإنها حذّرت من ارتفاع تكاليف النقل نتيجة زيادة أسعار النفط. ما قد يضيف ضغوطًا إضافية على العمليات.
آفاق السوق وتحديات المستقبل
تشير التوقعات إلى أن أرباح سامسونج من الرقائق ستظل قوية خلال الفترة المقبلة. مدعومةً بالطلب المستمر على تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلا أن تحديات الإمدادات ستبقى عاملًا مؤثرًا في السوق.
ومن جهة أخرى قد يؤدي استمرار نقص الرقائق إلى ارتفاع الأسعار. ما يؤثر في مختلف الصناعات المرتبطة بها، ويزيد من أهمية الاستثمار في توسيع القدرات الإنتاجية.
في النهاية تؤكد هذه التطورات أن أرباح سامسونج من الرقائق تعكس تحولًا إستراتيجيًا في صناعة التكنولوجيا. حيث أصبح الذكاء الاصطناعي المحرك الأساسي للنمو، في وقت تتصاعد فيه المنافسة والتحديات على مستوى الإمدادات والإنتاج.


