منذ فجر التاريخ حرصت المملكة العربية السعودية على رعاية الحج والعمرة، بوصفها شعيرة مقدسة تجسد شعور المسلمين بالوحدة والتآخي؛ لذلك أُنشئت وزارة الحج والعمرة لتتولى مسؤولية تنظيم وإدارة هذه الشعائر الجليلة، وتوفير أفضل الخدمات لضيوف الرحمن القادمين من شتى بقاع الأرض.
في مطلع الربع الثاني من عام 1961م اتخذت مسيرة الحج والعمرة منعطفًا تاريخيًا بإنشاء وزارة الحج والأوقاف، وحملت هذه الوزارة على عاتقها مسؤولية الإشراف على شؤون الحج والأوقاف، وشؤون الحرمين الشريفين والمساجد، فكانت بمثابة رمز لالتزام المملكة العربية السعودية برعاية بيوت الله الحرام، وضمان راحة وسلامة الحجاج والمعتمرين.
مع مرور الوقت شهدت مسيرة الحج والعمرة تطورات مهمة؛ ففي مطلع الربع الثالث من عام 1993م تم فصل قطاع الأوقاف كوزارة مستقلة، بينما جرى فصل الإشراف على شؤون الحرمين الشريفين ومصنع كسوة الكعبة المشرفة في وحدة إدارية مستقلة هي “الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي”.
وبذلك اتخذت وزارة الحج والعمرة شكلها الحالي، وتركزت مهامها في خدمة ضيوف الرحمن من حجاج وعمّار، وزوار مسجد المصطفى “صلى الله عليه وسلم”؛ من خلال تنفيذ سياسة الدولة في هذا المجال، واقتراح وإعداد الأنظمة واللوائح التنفيذية، ومتابعة أعمال القطاعات الأهلية التي تشرف عليها، ومراقبة حسن أدائها.
رؤية وزارة الحج والعمرة
تجسد رؤية وزارة الحج والعمرة طموحها لجعل رحلة الحج والعمرة والزيارة مقننة وسهلة وميسرة في جو من السكينة والطمأنينة، فهي تسعى جاهدة لتوفير تجربة روحية مثرية تبقى ذكرى مميزة ورائعة في ذاكرة الحاج والمعتمر والزائر، وتسهم في جعله سفيرًا ينقل للعالم جهود المملكة العربية السعودية في خدمة الضيوف.
ولتحقيق هذه الرؤية تعمل الوزارة، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والأهلية، لتيسير إجراءات أداء المناسك، وضبط وتقنين الخدمة؛ عن طريق تطوير الأنظمة وتوظيف التقنية، ورفع كفاءة العاملين في خدمة ضيوف الرحمن، وإكمال البنى التحتية.
ففي ظل قيادة حكيمة وتخطيط استراتيجي مدروس تسير وزارة الحج والعمرة بخطى واثقة نحو تحقيق أهدافها؛ سعيًا منها لجعل رحلة الحج والعمرة تجربة إيمانية فريدة تجسد رسالة الإسلام السمحة، وتعزز مكانة المملكة كقبلة للمسلمين في جميع أنحاء العالم.
خطوات نحو آفاق مستقبلية واعدة
على مدى العامين الماضيين شهدت منظومة الحج والعمرة في المملكة العربية السعودية نقلة نوعية استثنائية تجسد جهودًا حثيثة تمثلت في توظيف التقنيات الحديثة وتسخيرها لخدمة الحجاج والمعتمرين.
وأطلقت وزارة الحج والعمرة منصة “نسك” الوطنية للحج والعمرة، التي مكنت مقدمي الخدمات من عرض كل خدماتهم بكل شفافية، وفتحت المجال أمام الشركات الراغبة في تقديم خدمات الحج؛ ما أدى إلى زيادة التنافسية ورفع مستوى جودة الخدمات المقدمة.
دعم الشركات الناشئة في قطاع الحج والعمرة
لم تقتصر الجهود على ذلك بل اتجهت الوزارة إلى دعم الشركات الناشئة وتمكين المنتجات التقنية المبتكرة التي تخدم قطاع الحج والعمرة؛ فاستهدفت تخريج نحو (10-15) شركة ناشئة ضمن برنامج “حاضنة ومسرعة أعمال الحج والعمرة” بحلول عام 2024، بالإضافة إلى “عرض المستثمر”؛ الذي يساهم في تقديم خدمات ذات جودة عالية للحجاج والمعتمرين.
وتطمح الوزارة إلى المزيد من التميز؛ من خلال إنشاء مركز مرصد “صوت ضيف الرحمن” الذي يعني بكل ما يتعلق برضا ضيوف الرحمن، كذلك تسعى إلى رفع مستوى نضج التجربة الرقمية والخدمات الإلكترونية المقدمة للحجاج والمعتمرين؛ وذلك عبر إشراك القطاع الخاص ومقدمي الخدمات في تجويد الرحلة الإيمانية بالحرمين الشريفين.
ولم تنسَ الوزارة تعزيز العلاقات مع الدول فاتخذت مبادرة “جسور” لتعزيز التواصل مع وسفارات وقنصليات ومنظمات حول العالم، وحرصت على تمكين آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي بين المملكة والشركات في الدول المستهدف زيارتها؛ من خلال تكثيف التعاون مع قادة الرأي وكبار رجال الأعمال والشركات العاملة في منظومة الحج والعمرة.
حج دون وسطاء
ولإتاحة رحلة حج ميسرة لجميع ضيوف الرحمن سخّرت الوزارة جميع جهودها للتعاقد المباشر بين مقدمي الخدمة وضيوف الرحمن في خدمات الحج دون وجود الوسطاء؛ ما أثمر عن إدراج 67 دولة حول العالم في منصة “نسك حج” لتمكنهم من حجز باقات الحج بشكل مباشر دون العودة إلى الوسطاء ودفع مبالغ إضافية.
وتستمر جهود الوزارة في التطور؛ حيث تعتزم إطلاق مبادرة تستهدف توعية الأطفال من المواطنين والمقيمين وتقديم الرسائل التي تعزز الصورة الذهنية للحج والعمرة محليًا ودوليًا، كذلك تهدف إلى تمكين المعتمرين من أداء نسكهم عبر خدمات وإجراءات متطورة، وتطمح إلى رفع واستضافة خدماتها على السحابة الرقمية، وتخطط لإنشاء وحدات للإبداع والابتكار بداخل المنشآت التابعة للوزارة.
ولم تتوانَ الوزارة عن عكس صورة المملكة الإيجابية وجهودها في تنظيم الحج؛ فسخّرت إمكانياتها لتكثيف النشر والتغطية الإعلامية الدولية؛ فبلغ متوسط الوصول الدولي أكثر من 700 مليون مشاهد خلال موسم حج 1444هـ.
منصة “نسك أعمال”
في خطوة مهمة تجسد حرص المملكة العربية السعودية على الارتقاء بمنظومة الحج والعمرة أطلقت وزارة الحج والعمرة منصة “نسك أعمال” في ديسمبر الماضي؛ حيث تمثل هذه المنصة نقلة نوعية في مجال خدمة ضيوف الرحمن.
وبحسب بيان الوزارة فإن منصة نسك أعمال تُتيح لقطاع الأعمال فرصة المشاركة الفاعلة في تقديم خدمات متميزة للحجاج والمعتمرين، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تمكين القطاع الخاص وتحقيق مستقبل أفضل.
وحظيت وزارة الحج والعمرة بشهادة كفاءة المواقع الإلكترونية والمحتوى الرقمي ضمن أفضل 10 جهات حكومية، كذلك تم ترشيح “بطاقة الحاج” ضمن أفضل 5 مبادرات؛ ما يُؤكد التزام الوزارة بتقديم خدمات عالية الجودة لضيوف الرحمن.
وتسعى “نسك أعمال” إلى ضمان التغطية الشاملة لرحلة ضيوف الرحمن من خلال فتح المجال أمام استثمارات القطاع الخاص، ورفع مستوى التحول الرقمي؛ لسهولة وصول الحجاج والمعتمرين إلى جميع المنتجات والخدمات ذات العلاقة، وذلك ضمن شبكة موثوقة من مقدمي الخدمات المعتمدين لدى الوزارة.
وتقدم المنصة العديد من المزايا لقطاع الأعمال، بدءًا من تسهيل ممارسة أعمالهم، وتوفير خدمات الدعم، وتمكينهم من تقديم خدماتهم لضيوف الرحمن على نحو مباشر من خلال منظومة نسك، وتهدف إلى تحقيق تجربة عالية الجودة للمستفيدين، وتقديم قيمة ذات أثر لهم؛ من خلال توفير البيانات والتكامل مع الجهات التي تعني بخدمة الحجاج والمعتمرين.
تقنية ذكية لخدمة ضيوف الرحمن
شهد موسم حج 1444 استخدامًا غير مسبوق للتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي لتسهيل رحلة الحجاج وتعزيز سلامتهم وأمنهم، وتسعى وزارة الحج والعمرة والجهات ذات العلاقة جاهدة لتقديم خدمات رائدة لضيوف الرحمن تُمكنهم من أداء مناسكهم بكل يسر وسهولة.
أبرز التقنيات المستخدمة في موسم الحج:
- بطاقة الحاج الذكية: بطاقة رقمية تُقدم للحاج العديد من الخدمات، مثل: الإرشاد، وخريطة الحاج، وتقييم الخدمات، ورفع الشكاوى، والبيانات الصحية، والبيانات الشخصية؛ والدخول والخروج من المرافق، ورمز الاستجابة السريع لمساعدة الحاج.
- التحكم والمراقبة: غرفة تحكم وإدارة كاملة لمراقبة الخدمات والتفويج، وأنظمة للرقابة على الامتثال، والتحكم في كاميرات المراقبة، ومنصة تفويج إلكترونية.
- السوار الذكي: يوفر معلومات حول حالة الحاج الصحية، وخدمات طلب المساعدة، ورسائل توعوية، وإمكانية التحكم في دخول الحرم المكي.
- الحافلات ذاتية القيادة: تخدم ضيوف الرحمن في مسار محدد دون تدخل بشري، وتتسع لـ 11 مقعدًا، وتسير 6 ساعات في الشحنة الواحدة، وتصل سرعتها إلى 30 كم/ساعة.
- النظارة الافتراضية: تُستخدم هذه التقنية الواعدة للتحقق من امتثال المركبات ونظاميتها، وتوثيق عملية الفحص، والحد من التكدسات.
- الروبوت الذكي: يُستخدم للتعقيم والوقاية البيئية في الأماكن المغلقة، وتوزيع عبوات مياه زمزم دون تلامس بشري، ويحتوي على خاصية الإنذار المبكر.
- سدايا: منصة رقمية تقدم خدمات لوجستية لضيوف الرحمن، وتوفر الدعم التقني للجهات الحكومية، وتُمكن من الاستعلام عن سجلات السفر والحج، والتحقق من صلاحية التصاريح، وتقديم خدمات “أسعفني” و”نداء الاستغاثة” و”بطاقات التطوع”.
- بنان: هو عبارة عن جهاز متنقل للتحقق من هويات الأفراد عبر سماتهم الحيوية، يُمكن من “أتمتة” إجراءات إدارة عمليات التحقق من هويات الحشود.
في النهاية تعكس كل هذه الإنجازات التزام المملكة الراسخ بخدمة الحجاج والمعتمرين، وتسعى جاهدة لجعل رحلة الحج والعمرة تجربة إيمانية فريدة لا تنسى، تجسد رسالة الإسلام السمحة، وتعزز مكانة المملكة كقبلة للمسلمين في جميع أنحاء العالم.
اقرأ أيضًا من رواد الأعمال:
استعدادات سعودية مكثفة لإنجاح موسم الحج 1445هـ/ 2024م
أداء ميزانية السعودية.. 37% نموًا في الإيرادات غير النفطية
مشروعات رؤية 2030.. إنجازات مبهرة وآفاق واعدة


