أدى التطور التقني في العصر الحديث إلى انتشار مفاهيم جديدة أبرزها العمل الحر. الذي أصبح قطاعًا ناميًا يستقطب أكثر من أي وقت مضى العديد من الشباب الباحثين عن المجالات المناسبة لقدراتهم. لتجسيد أفكارهم وبلوغ طموحاتهم. لتأمين العيش الكريم. وتجنب شبح البطالة. وأيضًا البعد عن تسلط أصحاب العمل التقليدي والروتين الإداري والقيود الوظيفية الأخرى.
بقدر ما يفتح عالم العمل الحر الآفاق الرحبة أمام الرغبة الجامحة لدى الشباب. للانطلاق دون قيود نحو عوالم حرية الإبداع. وشغف الابتكار. فإنه بالقدر نفسه ليس مستبعدًا أن تكون هناك بعض الصعوبات. إذ إن أهم التحديات تكمن في نوعية التعليم. الذي لا يؤهل الطلاب للبحث عن عمل حر في مجال يناسبهم ويلائم مواهبهم.
وكذلك ستكون هناك بعض العوائق. التي قد تعترض إلى حد ما تجسيد أحلام الشباب في الميدان. ما يستوجب الكثير من الصبر والاجتهاد والمثابرة.
ويحتاج الأمر في البداية إلى تحديد العمل الحر قانونيًا بوضوح لا لبس فيه ولا غموض. لتجنب تداخل العمل الحر مع غيره من أنماط العمل الأخرى الحديثة. وأيضًا من أجل تلافي الخلط بينه والأنماط شبه الحرة.
المختصون في مجال القيادة التنظيمية والتوجيه. وأصحاب التجارب المتعددة في العمل الحر وتوثيقه والنشطاء في عالم ريادة الأفكار. والعمل الحر في مجال وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي. والتعليم “عن بعد”. يؤكدون أن ثلاثة مفاهيم تتداخل عند محاولة تعريف مفهوم العمل الحر، هي: العمل عن بعد، والمستقل، والعمل التجاري المفتوح.
العمل المستقل ومزاياه
والاتفاق الحاصل، أن العمل المستقل يمكن أن يؤديه موظف، ويكون متحررًا من قيود الالتزام بالدوام، والحضور الجبري يوميًا إلى مكان العمل، أي أنه يؤدي واجباته المهنية دون ضوابط وظيفية.
أما في العمل المستقل، فيقدم العامل خدمات مختلفة متفق عليها لجهات متعددة بناء على طلبها، ويؤدي عمله من حيث يريد، وفق وقت محدد يتفق عليه مع الجهة التي تعاقدت معه.
ويكون العمل الحر الخاص عملًا خاصًا بصاحبه كمحل تجاري أو ممارسة حرفة معينة داخل ورشة هي ملك له، أي أنه يحوز وسيلة الإنتاج ويتمتع بحرية اتخاذ قرار تخصيص الإنتاج.
من منظور آخر إلى العمل الحر، يوجد من يؤكد من الناحية العملية أن التعريفات القائمة تتداخل فيها المفاهيم بين العمل الحر، والأسرة المنتجة، وريادة الأعمال.
تلك المفاهيم تختلف عن مفهوم العمل “عن بعد” تمامًا، أي ذلك الذي يعرّف بأنه عمل الموظف “عن بعد” لشركة ما؛ لتأدية مهام ضمن موظفي شركة ما من المنزل أو مراكز العمل “عن بعد”، ويكون مسجلًا في التأمينات الاجتماعية.
الأسر المنتجة
أما من الناحية التجارية، فيتجلى العمل الحر عند الأسر المنتجة في صناعة منتج جديد من لا شيء مثل تفصيل قطعة قماش إلى ثياب وأزياء، أو إعداد وجبة سبق جمع مكوناتها وخلطها لإنتاج وجبة بصورة خاصة. أما العمل “عن بعد” فهو شراء منتجات جاهزة من السوق وإعادة بيعها للناس، وهو عمل مرخص من وزارة التجارة مثل تجار التجزئة.
وتصنف في نطاق الأعمال الحرة، كذلك الأعمال التي تتعلق بتقديم خدمات مختلفة وليس منتجات.
ويخلص آخرون إلى القول إن مفهوم العمل الحر هو أن يعمل الشخص بنفسه عملًا لا يرتبط فيه بصاحب عمل معين، ولا يرتبط بالتسجيل الإجباري في نظام التأمينات الاجتماعية.
ولكن قد تبادر وزارة العمل في إطار سعيها إلى تنظيم العمل وخفض نسبة البطالة بوضع نظام جديد لإصدار تراخيص تفيد صاحب العمل المستقل أو الحر في التمتع بغطاء رسمي لمشروعه.
ومثل هذا النظام ينظر إليه بتقدير كبير لأنه يستند إلى فكرة دعم الجهات الحكومية لمشروعات العمل المستقل ومؤازرة قيامها وانتشارها، ثم استقلالها في كيانات منفصلة قائمة بحد ذاتها.
ريادة الأعمال
والرأي الآن، أن الفرق بين مفهومي العمل الحر وريادة الأعمال هو أن الثانية لابد أن تقوم على فكرة إبداعية جديدة وغير موجودة في السوق، ويكون رائد الأعمال فيها قد بدأ من الصفر.
ولكن ما يحدث في الواقع أن سعي بعض الجهات إلى دعم مفهوم ريادة الأعمال أدى إلى الخلط بينها والأعمال الحرة غير الإبداعية وغير الجديدة.
والحقيقة أن هذه التفرقة تحقق الفصل بين العمل لصالح شركة أو مؤسسة معينة والشخص الذي يعمل بطريقة مستقلة لصالح نفسه، وهو ما تترتب عليه التزامات قانونية ومالية.
كان في الماضي العمل الحر، غير منظم، ويعاني مشاكل كبيرة؛ خصوصًا فيما يتعلق بعمل المرأة في مجال التزيين النسائي، في وقت انتشرت فيه ظاهرة تجار الشنطة من الشباب والشابات على نحو مخالف.
كما كثرت السرقات من الغرباء رجالًا ونساء لا يحملن رخصة للعمل ولا توجد معلومات عنهم.
تنظيم الأعمال الحرة
وهذا بخلاف ما هو واقع اليوم؛ حيث أصبح الأمر أكثر تنظيمًا وأشد حفظًا للحقوق، بعدما امتثل كثيرون لشروط التسجيل في المصالح الحكومية المختصة، وعليه فمن حق أي شخص يريد أن يزاول الأعمال الحرة أن يستصدر ترخيصًا رسميًا بتلك الأعمال ليكون نشاطه قانونيًا وموثوقًا في عمله.
ومنه صارت رخصة العمل الحر، بمثابة ضمانة وعامل مساعد على تمييز مستويات الأعمال وتصنيفها، يمنح إثباتًا بجدية صاحب هذا العمل في تنفيذ العمل، ودليلًا على أمانته ومصداقيته.
ومن ثم أصبح بإمكان مختلف الجهات والمؤسسات الاطمئنان إلى تعاقدها مع الشخص الذي يعمل حرًا، لكونه موثوق به، وله صفة رسمية.
كلما اتسع الحديث عن العمل الحر، زادت معه درجة التعقيد؛ حيث يتضح لدى بعض الشباب المهتم وجود خلط في هذا المفهوم وفق المصطلحات الإنجليزية، وهو ما يؤدي إلى حدوث تضارب في الحوار، وسوء الفهم مع الأطراف الأجنبية.
وعلى سبيل المثال. هناك أربعة أنماط مختلفة من العمل، هي: الأعمال المستقلة والعمل “عن بعد” والعمل عبر شبكة الإنترنت وأصحاب الأعمال.
ويرى عدد من المختصين بأن الوسط العربي لديه أزمة في التعريف، فتعريف المنشآت الصغيرة والمتوسطة ليس واضحًا، وكثيرون لا يعلمون الفرق بينهما، وفي النهاية سيجدون أنفسهم يفصلون بين العمل الحر والعمل “عن بعد” حال تداخل مع ريادة الأعمال.
والحقيقة أن ثمة ميل إلى اعتبار العمل الحر هو توفير خدمة. أو تقديم منتج. من طرف فرد بصفته الشخصية وليس كمنشأة.
مرونة إنجاز الأعمال
وطبقًا لهذا، فالعمل الحر يعني أساسًا، أن الشخص له كامل الحرية في اختياره للطريقة المرنة المناسبة لإنجاز عمله، وهو غير مجبر على الحضور إلى موقع العمل في توقيت معين أو حصره في مكان محدد؛ لأن الأمر الجوهري هنا يتعلق بإنجاز العمل دون الخضوع للعراقيل البيروقراطية والإجراءات الروتينية.
هناك توجه عام نحو العمل الحر؛ حيث تزول القيود الوظيفية والشكليات الرسمية، ولقد أصبحت الحاجة ملحة للتفريق بين المفاهيم؛ لأن ريادة الأعمال قد أخذت صيغًا كثيرة وتكاد تضم كل شيء.
وإيمانًا من المملكة العربية السعودية، بأهمية دعم الشباب السعودي لولوج عالم العمل الحر، وصولًا إلى تجسيد أفكاره وتحويلها إلى أعمال واقعية ملموسة، فقد جعلت في صلب اهتمام الوزارات المعنية توجيه مؤسسات وهيئات مختلفة لمساعدة الشباب الباحث عن فرص عمل، لتدلهم على السبيل؛ لكي يحققوا أحلامهم.

برنامج دعم العمل الحر
وعلى ذلك دعت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية وصندوق تنمية الموارد البشرية. جميع روّاد ورائدات الأعمال. وأصحاب المشروعات الخاصة إلى التسجيل في برنامج “دعم العمل الحر”. بالمهن المعتمدة في البوابة الإلكترونية. للحصول على وثائق العمل الحر التي تمنح أصحاب المشروعات الذاتية حق الاستفادة من دعم الصندوق.
يذكر بعض الشباب أن تعريف العمل الحر. لا ينبع من مجرد البحث الأكاديمي والاطلاع النظري. وإنما كما يرونه هو الذي يستند إلى خلاصة معنى مستقى من واقع التجربة الحية. بأن لا يلزم أحدًا التقيد بمكان ثابت أو يحصره في تخصص معين.
وفي ذلك يذهب أحدهم إلى القول: بما أنه موهوب أو متميز في مجال ما. من دون حصوله على شهادة فيه. وأثبت جدارته في مزاولة المهنة أو مهارته بممارسة الحرفة. فلا داعي إذن لطلب الشهادة كي يحصل على عقد عمل مع الشركة.
ويرفض آخر أن يلزمه قانون العمل بالتسجيل في الحرفة التي يريدها. لأنه يستتبع دفع رسوم تسجيل. فيستطيع بذلك مواصلة العمل حتى إذا سافر إلى بلد آخر.
بتأمل مسار بعض تجارب العمل الحر. انبثقت عدة إيجابيات. كما برزت بعض السلبيات. وواجهت هذا النوع الجديد من العمل عدة تحديات.
وفي ذلك تذكر إحدى الناشطات. أنها تستطيع العمل من أي مكان وفي أي وقت. وإذا اضطرت إلى السفر يمكنها إكمال عملها لاحقًا.
وتعتمد هذه الإيجابيات على حسن إدارة الوقت. وإجادة استغلاله. بين مدة إنجاز متطلبات العمل. والحاجة إلى وقت الراحة.
وفي المقابل تذكر ذات المتحدثة. أن الأمر السلبي يكمن في عدم قدرة الكثير من أصحاب الأعمال الحرة في التحكم بإدارة الوقت. فالعمل المستقل يصح فيه القول: إنه بلا وقت محدد.
ويمكن أن يتفاجأ المرء بمهام أخرى. حتى وقت الراحة وفي أثناء العطل. فحقيقة هذه النوعية من العمل أنه نشاط متواصل. ويحتاج إلى إدارة ذاتية. تتمتع باليقظة وتراعي مختلف الظروف. وقادرة على التكيف مع المتغيرات بسرعة.
ثقافة العمل الحر
يحتاج نشر ثقافة العمل الحر على نحو صحيح إلى ضرورة التوعية الاجتماعية بأنه ليس بطالة. إذ ما زال بعض التقليديين ينظرون للوظيفة من خلال الدوام الثابت. والتأمينات الاجتماعية مع راتب المعاش. وأنها المهنة الحقيقية. والأفضل لو كانت في مؤسسات حكومية. ويتمثل الهدف هنا في ضمان الحياة الكريمة بعد مرحلة التقاعد.
إنها إشكالية في المفاهيم العامة. وفي الغالب يجري الحديث عن الباحث عن عمل حر. كأنه يسعى إلى جلب دخل إضافي. والحقيقة أن الاقتصاد الوطني يستفيد من هذه الأعمال.
ويقتضي العمل الحر أن يكون ذا كيان منفصل. ومستقل ومقبول ومعترف به اجتماعيًا. ويلقى التشجيع. حتى في المدارس والجامعات. عند انتقال الطلاب من المرحلة التعليمية إلى المرحلة العملية.
وتعاني الكثير من الدول، تخمة حاملي الشهادات العليا. كأحد أسباب زيادة حدة البطالة. لأنهم يبحثون عن أنواع معينة من الوظائف ولا يقبلون بأدنى منها.
وعلى الجهة الأخرى، اعتمدت دول أخرى أنظمة تعليمية ساعدت الطلاب على اختيار تخصصات، ومهن تحتاجها سوق العمل. وتطبيق هذه الأنظمة لا يتعلق بالجانب التدريبي فقط.
بل بدور جديد للمجتمع المدني. لاستغلال وجود مشروعات حكومية تراعي حقوق الأعمال الحرة. وتشجع القائمين عليها. وتدعم جهود نشر الثقافة. وإلى توضيح الوضع القانوني للعاملين في العمل المستقل. من خلال التوجيه والتطوير وإتاحة الفرص.


