تتصدر شركة سبيس إكس المشهد الاقتصادي العالمي بخطوة غير مسبوقة، بعدما كشفت عن سعيها للوصول إلى تقييم يبلغ 1.75 تريليون دولار ضمن طرحها العام الأولي المرتقب.
وهو رقم يضعها مباشرة في مصاف كبرى الشركات الأمريكية من حيث القيمة السوقية، ويثير تساؤلات جوهرية حول منطقية هذا التقييم ومستقبل قطاع الفضاء التجاري.
وبحسب ما نقلته وكالة «رويترز» فإن هذا الطرح قد يجمع 75 مليار دولار أو أكثر، وهو ما يشكل رقمًا قياسيًا في تاريخ الاكتتابات العامة. في حين لا تظهر أي مؤشرات على تردد المستثمرين، بل على العكس يتزايد الإقبال حتى في الأسواق الثانوية غير الشفافة.
وذلك يعكس شهية مرتفعة للمخاطرة والرغبة في اقتناص الفرص المرتبطة بشركات التكنولوجيا المتقدمة.
علاوة على ذلك فإن هذا التقييم يضع الشركة في مرتبة متقدمة تتفوق فيها على كيانات راسخة. مثل: ميتا بلاتفورمز وبيركشاير هاثاواي. وهو ما يعكس حجم الرهان على قدرات الشركة المستقبلية، وليس فقط على أدائها الحالي.
محركات النمو تدعم الطموح الاستثماري
يعتمد جزء كبير من هذا الزخم على الأداء القوي لخدمة “ستارلينك”، التي تمثل العمود الفقري لإيرادات الشركة. حيث تضم أكثر من 10 ملايين مشترك، وتسهم بما يتراوح بين 50% و80% من إجمالي الإيرادات. وهو ما يعزز من جاذبية الاستثمار في الشركة.
من ناحية أخرى نجحت الشركة في إحداث تحول جذري بقطاع إطلاق الصواريخ؛ إذ سجل صاروخ “فالكون 9” إنجازًا بارزًا بعد أن أصبح أول صاروخ كبير ينجح في العودة بشكل متحكم به منذ عام 2015. كما نفذ 165 عملية إطلاق خلال عام 2025؛ ما يعكس قدرة تشغيلية عالية واستدامة في الأداء.
وفي السياق ذاته يراهن المستثمرون على مشاريع مستقبلية لا تزال قيد التطوير، مثل “ستارشيب” المخصص لمهام القمر والمريخ. بالإضافة إلى توسعات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي من خلال شركة xAI. وهذا يعزز من توقعات النمو على المدى الطويل.

تقييم «سبيس إكس» بين الواقع والتوقعات
رغم هذه المعطيات الإيجابية فإن تقييم سبيس إكس عند 1.75 تريليون دولار يثير جدلًا واسعًا في الأوساط المالية. إذ تشير التقديرات إلى أن الشركة حققت أرباحًا بنحو 8 مليارات دولار. وإيرادات تتراوح بين 15 و16 مليار دولار خلال عام 2025، وفقًا لبيانات مبنية على مقياس EBITDA.
وبناءً على افتراضات نمو قوية، من بينها تضاعف الإيرادات والتدفقات النقدية في عام 2026، فإن مضاعف السعر إلى الإيرادات يصل إلى 56 مرة. بينما يبلغ مضاعف السعر إلى EBITDA نحو 109 مرات. وهي مستويات مرتفعة للغاية مقارنة بمعايير السوق.
وعلى سبيل المقارنة يتم تداول تسلا عند 12 ضعف الإيرادات و79 ضعف EBITDA. فيما تصل هذه النسب لدى Palantir إلى 43 و75 على التوالي؛ ما يعكس الفجوة الكبيرة في التقييمات.
مخاطر مستقبلية وفرص كامنة
في المقابل يشير محللون إلى أن جزءًا كبيرًا من هذا التقييم يعتمد على توقعات مستقبلية قد لا تتحقق بالكامل. خاصة فيما يتعلق بمشاريع مثل “ستارشيب” وخطط إطلاق أقمار صناعية لمراكز البيانات. والتي لا تزال في مراحل مبكرة أو تواجه تحديات تشغيلية.
كما أن نجاح خدمة “ستارلينك” في التوسع نحو تقديم خدمات مباشرة للهواتف المحمولة يمثل عاملًا حاسمًا في دعم الإيرادات المستقبلية. وهو ما يتطلب تنفيذًا دقيقًا ضمن جداول زمنية واضحة.
ورغم هذه التحديات تستفيد الشركة من ميزة تنافسية قوية تتمثل في قدرتها على تنفيذ عمليات إطلاق بوتيرة عالية؛ حيث تطلق صاروخًا كل يومين تقريبًا. وهو ما يمنحها تفوقًا واضحًا على منافسين مثل أمازون في سباق تطوير شبكات الأقمار الصناعية.
غموض التقييمات في الأسواق الخاصة
تزداد الصورة تعقيدًا مع طبيعة تقييمات الشركات الخاصة؛ حيث تم تقييم سبيس إكس عند 1 تريليون دولار خلال صفقة اندماج مع شركة xAI في فبراير الماضي. في حين تم تقييم الأخيرة عند 250 مليار دولار، وذلك يوفر مرجعية حديثة لكنها لا تزال محل جدل بين المستثمرين.
كما تشير بيانات التداول في الأسواق الثانوية إلى وصول قيمة الشركة إلى نحو 1.54 تريليون دولار. وهو ما يعكس استمرار الطلب المرتفع رغم محدودية الشفافية في هذه الأسواق.
في ضوء ما سبق يبقى تقييم سبيس إكس مرهونًا بقدرتها على تحقيق التوازن بين الأداء الحالي والتوقعات المستقبلية. إذ إن أي تباطؤ في النمو أو تأخر في تنفيذ المشاريع قد ينعكس سلبًا على ثقة المستثمرين.
بينما قد يؤدي النجاح في هذه المسارات إلى ترسيخ مكانتها كأحد أكبر الكيانات الاقتصادية في العالم.


