هل تتأخر دائمًا؟ قد يكون السبب في ذلك «شخصيتك الزمنية». فبعض الناس يلتزمون بالمواعيد بدقة، بينما يتعامل آخرون مع الوقت بمرونة أكبر.
في حين يرجع خبراء سبب ذلك إلى أن البشر يرتبطون بالساعة بطرق مختلفة.
أنماط الوقت
الخلافات حول الالتزام بالمواعيد شائعة، لكن الخبراء يقولون إنها غالبًا ما تكون خلافات حول شيء أعمق: الطريقة التي يتعامل بها كل شخص مع مفهوم الوقت.
بينما أمضى علماء الاجتماع ما يقرب من قرن في محاولة فهم اختلاف أساليب البشر في التعامل مع الساعة.
وخلال خمسينيات القرن الماضي صاغ عالم الأنثروبولوجيا «إدوارد تي هول» مصطلحي «أحادي الزمن» و«متعدد الزمن» لوصف المواقف الثقافية المختلفة تجاه إدارة الوقت.
وفي شمال أوروبا و«أمريكا»، وهي مجتمعات وصفها هول بأنها «أحادية الزمن»، يميل الناس إلى التركيز على المواعيد النهائية والعمل بشكل متسلسل؛ أي إنهاء مهمة قبل الانتقال إلى أخرى.
أما في «أمريكا اللاتينية» وأفريقيا والشرق الأوسط فلاحظ ما وصفه بـ«المجتمعات متعددة الزمن»، حيث يكون الناس أكثر ارتياحًا للانتقال بين المهام أثناء العمل، وأقل صرامة في الالتزام بالجداول الزمنية.
ألهمت هذه الأفكار أجيالًا من خبراء الإدارة والتنظيم. وبينما كانت ملاحظات هول في الأصل تتعلق بالمجتمعات، لاحظ الباحثون لاحقًا أن الأفراد أنفسهم يختلفون أيضًا في أساليبهم الشخصية لاستخدام الوقت.
وتشير الدراسات إلى أن الناس يكونون أكثر إبداعًا وتحفيزًا وإنتاجية عندما يعملون وفق الأسلوب الذي يفضلونه، سواء كان التركيز الشديد على مهمة واحدة أو التنقل بين عدة مهام.
كما أن إدراك علاقتك الخاصة بالوقت قد يجعل حياتك أسهل ويساعدك على تقليل الخلافات مع الآخرين.
مهمة أم علاقات؟
إحدى الطرق لفهم قيمك المرتبطة بالوقت هي ملاحظة كيفية استجابتك للمقاطعات.
فإذا كنت تحضر عرضًا تقديميًا واتصل بك زميل لمناقشة موضوع آخر، هل تتجاهل الاتصال لأنك مشغول؟ أم تخصص وقتًا لمحادثة قد تستغرق 20 دقيقة؟
إذا كنت تميل إلى تحويل المكالمة مباشرة إلى البريد الصوتي فمن المرجح أنك شخص «أحادي الزمن»، وفقًا لـ«دونا بالارد»؛ الخبيرة في دراسة الزمن بجامعة تكساس في أوستن.
والأشخاص الذين يديرون وقتهم كسلسلة من المهام في قائمة الأعمال غالبًا ما يعيشون وفق إيقاع الساعة، ويعطون الأولوية للالتزامات المهنية على العلاقات خلال ساعات العمل.
وقال «ألين سي بلودورن»؛ أستاذ الإدارة المتقاعد في جامعة ميزوري ومؤلف كتاب «التنظيم البشري للوقت»:
«المقاطعة بالنسبة لهؤلاء تكون مزعجة تقريبًا بحكم التعريف».
أما الأشخاص «متعددو الزمن» فيميلون إلى إعطاء الأولوية للتجارب والعلاقات الاجتماعية التي لا تنسجم دائمًا مع الجداول الزمنية الصارمة.
على سبيل المثال: زارت قريبة لـ «كيلش» المدينة مؤخرًا. ورغم أن لديها مهمة عمل يجب إنجازها قررت تأجيلها يومًا واحدًا لتذهب معها في نزهة.
وقالت: «ليس كل موعد نهائي عاجلًا حقًا. عندما تظهر فرص قيّمة، فإنها تجعلني أعيد ترتيب أولوياتي».
ويقول الخبراء إن الأشخاص الذين يتأخرون أحيانًا لأنهم يحاولون تلبية احتياجات عدة أشخاص في يوم واحد غالبًا ما يكونون من أصحاب النمط متعدد الزمن.

مزايا وعيوب
لكل أسلوب مزاياه وعيوبه. تقول «مارا والر»؛ الباحثة في كلية إدارة الأعمال بجامعة ولاية كولورادو، إنها تستمتع بأسلوبها أحادي الزمن.
وأوضحت أن التركيز العميق يمنح الناس فرصة الغوص بالمهام والتفكير فيها بعمق. كما يسمح هذا الأسلوب بإكمال المشاريع بكفاءة؛ لأن الشخص يركز على مهمة واحدة ويستبعد كل المشتتات.
لكن العيب هو أن الالتزام الصارم بالخطة قد يجعل الشخص يفوّت فرصًا غير متوقعة.
في المقابل يتمتع الأشخاص القادرون على إدارة عدة مهام في وقت واحد بقدرة كبيرة على التعامل مع الضغوط.
وتشير مارا والر إلى أنها شاهدت ذلك بوضوح عندما تابعت عمل مراقبي الحركة الجوية في «مطار جورج بوش الدولي» بتكساس خلال بحث علمي؛ حيث كانوا يديرون بيانات معقدة ويصدرون التعليمات دون أن يفقدوا هدوءهم.
وقالت:
«عندما ترى شخصًا متعدد الزمن يدير مهامًا متعددة بكفاءة، يبدو الأمر أحيانًا مثل رقصة باليه».
بينما القدرة على التنقل بين المهام تساعد الأشخاص على التعامل مع فوضى الحياة اليومية. لكن في المقابل قد يصبح هؤلاء أكثر عرضة للتشتت، ويواجهون صعوبة في إكمال ما يبدأونه.
التوازن المطلوب
يرى الخبراء أن أساليب استخدام الوقت هي تفضيلات شخصية وليست صفات ثابتة. وهذا يعني أن بإمكان الناس تغيير أسلوبهم عندما تتطلب الظروف ذلك، حتى لو لم يكن الأمر مريحًا دائمًا.
وتنصح دونا بالارد باختيار الأسلوب المناسب وفق الهدف. فإذا كان بناء العلاقات قد يكون الأسلوب متعدد الزمن أكثر فاعلية.
أما إذا كان الهدف إنجاز مهمة محددة فمن الأفضل اعتماد أسلوب أحادي الزمن لفترة محددة مع تقليل المشتتات.
كذلك تنصح الأشخاص الذين ينظمون حياتهم بدقة بإضافة فترات زمنية احتياطية بين المواعيد؛ بحيث لا يشعرون بالتوتر إذا استغرق شيء ما وقتًا أطول من المتوقع.
أما الأشخاص الذين يميلون إلى التأخر فيمكنهم تسجيل مواعيدهم قبل موعدها الحقيقي بنحو 30 دقيقة.
وبالنسبة لشديدي الالتزام بالمواعيد الذين يشعرون بالانزعاج من تأخر الآخرين، تقترح دونا بالارد حمل كتاب أو عمل معهم لاستغلال وقت الانتظار. وتؤكد أن المفتاح هو التخلي عن إصدار الأحكام. وتقول:
«ما يساعد الطرفين هو إدراك أن الجميع لا يرى الوقت بالطريقة نفسها».
المصدر: New York Times


