في عالمنا اليوم، قد نصادف من يعمل في غير تخصصه أو يخوض دراسة ما لمجرد أنه وجد قبولًا جامعيًا. وبينما كثيرون يتنقلون من وظيفة إلى أخرى للعثور على ذاتهم، قد يجدون أنفسهم في أشياء أخرى يحبونها ويستمتعون بها لدرجة نسيان الوقت وأيضًا مخاوفهم.
نكون بأسعد حالاتنا عندما ننغمس في هذه الأنشطة وننسى أنفسنا وما حولنا، وهذه الأنشطة تحديدًا هي ما ينصح بالعمل فيها لأنها تدخلك في حالة التدفق، مثل عالم الرياضيات عندما يعمل على معادلة، أو الجراح في أثناء إجراء عملية، أو الفنان الذي يرسم لوحة.

هذه الأنشطة تجعلنا في حالة من الانسجام الكامل مع ذواتنا، تجعلنا نعيش ما يسمى بحالة “التدفق”.
الحالة التي تجعلك تنغمس بعيدًا كالكاتب ينسج أحداث روايته. ولتحقق حالة من التدفق في كل ما تفعله تحتاج أن تعرف أولًا رسالتك، و”الايكياجي” يساعدك على اكتشافها.
ما هو الإيكيجاي؟
“الإيكيجاي” هو مفهوم ياباني يُترجم إلى “سعادة الانشغال الدائم”. يجمع بين أربعة عناصر أساسية:
• ما تحبه (شغفك).
• ما تتقنه (مهاراتك).
• ما يحتاجه العالم (أثرك).
• ما يمكنك كسب المال منه (دخلك).
عندما تتقاطع هذه العناصر، تجد رسالتك وتشعر بالسعادة والرضا في عملك. يخبرنا كتاب “إيكيجاي” أن هذا المفهوم يشبه العلاج بالمعنى أو بالأحرى يمنحك معنى لحياتك.
يقول الدكتور “فرانكل” صاحب مدرسة العلاج بالمعنى في علم النفس، أن من الأسئلة الأولى التي يطرحها على مريضه، هو: “لماذا لا أنتحر؟”
وعادة ما يجد المريض أسبابًا جيدة لعدم القيام بذلك. مثل حب العائلة، وتحقيق الأهداف، أو خدمة الآخرين.
وفي ديننا الحنيف ندرك أن الغاية من الحياة هي عبادة الله، لكن كيف لنا أن نجدد نية العبادة في كل ما نفعله ونستشعر أثرها ونفعها في حياتنا وحياة من حولنا؟ كيف نستشعر أهمية وجودنا، ما يحببنا في الحياة ويدفعنا للاستمرار؟ وما الحافز الذي يجعلك تستيقظ كل يوم لتحقيقه؟
الإيكيجاي وريادة الأعمال
في جلساتي الاستشارية مع رواد الأعمال، دائمًا أسألهم: لماذا اخترت هذا المشروع؟ وأجري معهم تمرين الإيكيجاي. الغريب أن كثيرين منهم يكتشفون أنهم أكثر حماسة لفكرة مختلفة تمامًا، وهذا ما يميز رائد الأعمال عن التاجر.
رائد الأعمال يبدأ غالبًا من الصفر بفكرة يعمل عليها ويُجهد نفسه لتحقيقها، وما يميز ريادة الأعمال هي الحرية في اختيار ما تحب القيام به، لا أحد يفرض عليك ما تعمل، بل المحرك هنا هو الشغف الذي يدفعه لاستمرارية السعي لتحقيق المكانة.
لذلك؛ من المهم أن يتماشى مشروعك مع ما تحب، وما تتقن، وفي الوقت ذاته يكسبك المال ويحدث فرقًا لحياة الناس أو المجتمع أو البيئة من حولك.
كيف تصل إلى حالة التدفق؟
ما إن تحدد رسالتك ستبدأ في العمل على تحقيقها، وحتى تستمع بما تعمل وأنت تصل إلى هدفك تحتاج أن تصل إلى حالة التدفق. وهي الحالة التي نوازن فيها بين المهارات والقدرات.
إذا كان النشاط أقل من مهاراتنا سيكون روتينيا وستمل مع الوقت. وإذا تجاوز قدراتك ستحبط، لذلك؛ قد تحتاج إلى الاستعانة بفريق عمل فيما لا تملك من مهارات أو قدرات مع إضافة تحد جديد على نحو متدرج يصقل مهارتك ويقوي من قدراتك ويساعدك على تحقيق هدفك الواضح.

كيف تحافظ على حالة التدفق في عملك؟
يخبرنا كتاب “إيكيجاي” أنه للحفاظ على حالة التدفق، يجب أن تركز على مهمة محددة دون تشتيت. وكلما ركزت، تمكنت من تحقيق إنجازات صعبة.
تشير الدراسات إلى أن العمل على عدة مهام في وقت واحد يقلل إنتاجيتنا بنسبة 60% على الأقل، ويخفض معدل ذكائنا بأكثر من 10 نقاط.
عندما تركز على نشاطك الإبداعي، ابتعد عن كل الملهيات، لأن التركيز يزيد من إبداعك وإنتاجيتك وقوة ذاكرتك.
من أمثلة التشتت الشائعة والملهيات التي تفقدنا التركيز فحص هواتفنا أو أن نبقي مواقع التواصل الاجتماعي مفتوحة في أثناء العمل.
حاول أن تتجنب النظر إلى أي شاشة في الساعة الأولى بعد الاستيقاظ والساعة الأخيرة قبل النوم، وادمج بين المهام الروتينية مثل إجراء المكالمات الهاتفية.
الخروج من منطقة الراحة
التحديات مهمه لرائد الأعمال؛ لأن النمو يأتي من التطور لابد أن تضيف شيء بقدر ما يبعدك قليلًا عن منطقة الراحة. لذا؛ عليك تقديم تحديات جديدة لعقلك، حتى لو كان الخروج من منطقة الراحة يسبب بعض القلق البسيط. التوتر المعتدل الناتج عن هذه التحديات يرفع من مستوى الإبداع ويزيد من طاقتك.
يخبرنا كتاب “إيكيجاي” أنه عندما يعتاد الدماغ على مهام روتينية، لا يحتاج إلى التفكير؛ حيث يستطيع إنجازها بكفاءة وبصورة آلية.
ولكن لتطوير الدماغ، يجب تقديم معلومات وتجارب جديدة لتحفيز إنشاء روابط عصبية جديدة. لهذا السبب، من المهم أن نعرض أنفسنا للتغيير، حتى لو تسبب الخروج عن منطقة الراحة ببعض القلق البسيط دون توتر زائد؛ لأن حالة الانتباه المستمر تثبط إطلاق بعض الهرمونات؛ ما يؤدي إلى الاكتئاب. بالإضافة إلى تدفق جرعات منخفضة من الكورتيزول التي تسبب إرهاق الغدة الكظرية ومتلازمة التعب المزمن.
للتغلب على التوتر بسهولة، مارس الوعي التام وركز على اللحظة الراهنة وعش قوة الآن؛ لأنك تملك الحاضر.
كما قال “أينشتاين”: “الإنسان السعيد هو الإنسان الراضي بالحاضر، لدرجة لا تجعله يفكر كثيرًا في شأن المستقبل”.
كذلك عود نفسك على العودة إلى اللحظة الراهنة عندما تجد نفسك مشتتًا، واستخدم الوعي التام أو التأمل أو أي نشاط يساعدك على التركيز.
التوتر ليس دائمًا أمرًا سلبيًا. بل يمكن أن يكون دافعًا إيجابيًا لتحقيق النجاح.
كما أنه وفي دراسة استمرت عشرين عامًا، اكتشف د. هوارد فريدمان؛ أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا، أن الأشخاص الذين حافظوا على مستوى منخفض من التوتر وواجهوا تحديات لتحقيق النجاح عاشوا مدة أطول مقارنة بأولئك الذين اختاروا حياة أكثر استرخاء أو تقاعدوا مبكرًا.
صناعة الأثر
كذلك عندما تجد “الإيكيجاي” الخاص بك، ستشعر بحالة من التدفق والسعادة في كل ما تقوم به، مثل الرسام مع ريشته أو الشيف في مطبخه. ابحث عن مشروع يجمع بين شغفك ومهاراتك، ويحقق أثرًا في حياة الناس.
في نهاية المطاف، ابدأ اليوم بخطوة صغيرة نحو اكتشاف “الإيكيجاي” الخاص بك، وستندهش من الأثر الذي يمكن أن تصنعه في حياتك وحياة من حولك. {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَأءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}. – الرعد 17.


