تشكل رحلة توماس بيتيرفي قصة ملهمة عن الصمود والابتكار؛ فهو لم يكتفِ بتجاوز التحديات التي فرضتها نشأته في المجر واللجوء إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بل أصبح أحد أبرز الشخصيات في عالم المال والتكنولوجيا. فمن رسام هندسي لا يتحدث الإنجليزية إلى ملياردير ومؤسس شركة Interactive Brokers، تجسّد مسيرته المهنية تحولًا جذريًا من العمل اليدوي إلى الأتمتة الكاملة للأسواق المالية.
علاوة على ذلك، تعد مساهماته في تطوير أول منصة للتداول الإلكتروني للأوراق المالية بمثابة علامة فارقة في تاريخ وول ستريت. واعتبارًا من يوليو 2025، قدّرت ثروته بنحو 71.5 مليار دولار أمريكي؛ ما يجعله في المرتبة 23 بين أغنى أغنياء العالم. ما يؤكد على نجاحه الاستثنائي الذي بناه على رؤية مستقبلية جريئة.
الحياة المبكرة والتعليم
ولد توماس بيتيرفي في الثلاثين من سبتمبر عام 1944 في بودابست، المجر، في قبو مستشفى أثناء غارة جوية روسية. ما يمنحه خلفية من الصمود منذ اللحظة الأولى. وبعد فشل الثورة المجرية عام 1956، هاجر والده إلى الولايات المتحدة. وترك بيتيرفي دراسته في الهندسة بالمجر وهاجر إلى الولايات المتحدة للانضمام إلى والده في نيويورك عام 1965.

وعند وصوله إلى نيويورك لم يكن يتحدث الإنجليزية، ولم يجد مكانًا للإقامة مع والده وزوجته الثانية. فمنحه والده 100 دولار وقال له: “اصنع لنفسك شيئًا”. هذه اللحظة شكلت تحديًا كبيرًا في حياته. والتحق لفترة قصيرة بمدرسة الهندسة بجامعة نيويورك، لكنه ترك الدراسة ليعمل كرسام هندسي. وهو ما أظهر إصراره على شق طريقه بنفسه في بلد جديد.
المسيرة المهنية
بدأ بيتيرفي عمله في الولايات المتحدة كرسام هندسي في مشاريع الطرق، وهي مهنة منحته فهمًا عميقًا للعمليات المعقدة. وخلال عمله، تطوع لبرمجة حاسوب جديد تم شراؤه من قبل الشركة. وقد صرّح لاحقًا: “الطريقة التي يدير بها الرئيس التنفيذي شركته تعكس خلفيته. الأعمال ما هي إلا مجموعة عمليات، ومهمتي هي أتمتة تلك العمليات لتحقيق أقصى قدر من الكفاءة”. ما يؤكد على رؤيته التي تحكم مسيرته المهنية.
انتقل بيتيرفي بعد ذلك إلى تصميم برمجيات النمذجة المالية، ثم اشترى مقعدًا في بورصة الأسهم الأمريكية لتداول الخيارات. ومنذ ذلك الوقت، كان دائم السعي لاستبدال العمليات اليدوية بأنظمة آلية أكثر كفاءة. وفي أوائل الثمانينيات، أحدث جدلًا حينما أدخل الحواسيب المحمولة إلى قاعة التداول. وهو ما يُعدّ خطوة ثورية في ذلك الوقت.
تأسيس Interactive Brokers
تطورت أعماله لاحقًا إلى تأسيس Interactive Brokers، وقد تنحى عن منصب المدير التنفيذي عام 2019. وفي عام 2021، نقلت الشركة مقرها الأوروبي من لندن إلى بودابست، وأنشأت شركة فرعية أصبحت عضوًا في بورصة بودابست. وقد برر بيتيرفي ذلك باقتناعه بأن “المنطق المجري الفريد” سيحقق ربحية أعلى. إضافة إلى رغبته في رد الجميل لبلده الأم.
وفيما يتعلق باستثماراته، ساهم بيتيرفي مع مجموعة من رجال الأعمال في صندوق استثماري بقيمة 50 مليون دولار لتمويل موقع الأخبار The Messenger الذي انطلق في مايو 2023. ما يكشف عن اهتماماته المتنوعة.
الإنجازات والتكريم
تأسست شركة Interactive Brokers عام 1977 عندما اشترى بيتيرفي مقعدًا في بورصة الأسهم الأمريكية وأنشأ شركته الخاصة. وتوسعت لتصبح واحدة من أبرز شركات الوساطة الإلكترونية عالميًا؛ حيث تتيح التداول في الأسهم، والعقود الآجلة، والسندات، والعملات الأجنبية، والخيارات. وفي وقت لاحق، طرحت الشركة أسهمها للاكتتاب العام في مايو 2007، وظلت تصنَّف كإحدى أقل شركات الوساطة تكلفةً وأكثرها كفاءة، وهو إنجاز كبير في عالم التداول.
وفي إطار مساهماته، كان لبيتيرفي دور بارز في إقناع لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية عام 1999 بربط أسواق الخيارات إلكترونيًا لضمان أفضل الأسعار للمستثمرين. كما أدلى بشهادات أمام مجلس الشيوخ الأمريكي حول القوانين المصرفية. وهو ما يؤكد على نفوذه في القطاع التنظيمي.
آراء سياسية قوية
من ناحية أخرى، كان لبيتيرفي آراء سياسية قوية؛ حيث موّل خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2012 إعلانات سياسية دعمًا للحزب الجمهوري، حذر فيها من “الانزلاق نحو الاشتراكية”. وهي تصريحات أثارت ردود فعل متباينة. ورغم تصريحاته عام 2021 بأنه “ليس من محبي ترامب”، فإنه دعم حملاته لاحقًا باعتباره البديل الأفضل من وجهة نظره عن الاشتراكية. ما يكشف عن موقفه السياسي المتقلب.

وفي مقابلة أواخر 2024، قال بيتيرفي: “نشأت في بلد اشتراكي، لذا اقتنعت منذ صغري بأن اقتصاد السوق الحر هو الوسيلة الوحيدة لإدارة المجتمع بكفاءة”. وأضاف: “كنت جمهوريًا طوال حياتي، وأنا سعيد بالنتائج الأخيرة”. ما يربط بين تجربته الشخصية وآرائه السياسية.
شخصية مؤثرة ملهمة
في المحصلة تشكل قصة نجاح توماس بيتيرفي نموذجًا فريدًا يجسد التحول من لاجئ يفتقر لأبسط الموارد إلى شخصية مؤثرة تركت بصمتها على عالم المال. فقد بنى ثروته ومسيرته على إصرار لا يتزعزع ورؤية ثاقبة لأتمتة العمليات المعقدة. وعلى هذا النحو، أصبحت شركته Interactive Brokers واحدة من رواد التداول الإلكتروني، ما يؤكد على عمق تأثيره.
علاوة على ذلك، لم يقتصر نجاحه على الجانب المالي فقط، بل امتد تأثيره ليشمل القطاع التنظيمي والسياسي. إذ أدلى بشهادات أمام الكونجرس وشارك بفاعلية في النقاشات العامة، الأمر الذي يعكس مدى نفوذه. وهكذا، تعدّ مسيرة بيتيرفي درسًا ملهمًا عن أهمية الابتكار والقدرة على التكيف. فضلًا عن إظهار كيف يمكن لشخص واحد أن يغير قواعد لعبة بأكملها.


