لم يكن النقاش حول العملات الرقمية يركز في السابق على الشركات الصغيرة، رغم أنها تمثل عصب الاقتصاد في العديد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولديها الكثير لتكسبه من أنظمة الدفع الأرخص والأكثر كفاءة. هذه الشركات تتعامل يوميًا مع عدد هائل من المعاملات، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، ما يجعلها في أمس الحاجة لتحديث البنية التحتية للمدفوعات التي تعتمد عليها. وتظهر هنا أهمية تمويل المشاريع الصغيرة كوسيلة لدعم هذه التحولات الرقمية، والتي يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة للنمو والازدهار الاقتصادي في المنطقة.
وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، أحدث تطور تقنية البلوكشين ثورة حقيقية بظهور أنواع جديدة من الأصول الرقمية. مثل: العملات المستقرة والعملات المشفرة. هذه الابتكارات تمثل أساسًا متينًا لبناء مسارات دفع جديدة، قادرة على نقل القيمة حول العالم ليس فقط في الوقت الفعلي، بل أيضًا بتكلفة أقل بكثير. وهو ما يخدم بشكل مباشر أهداف تمويل المشاريع الصغيرة ويعزز قدرتها على التوسع، حسبما أفادت أبحاث كلية هارفارد للأعمال.
تمويل المشاريع الصغيرة
على عكس العملات المشفرة التقليدية مثل “بيتكوين” و”إيثيريوم”، تتميز العملات المستقرة بتقلباتها المحدودة للغاية. لكونها عادة ما ترتبط بعملة نقدية مستقرة مثل الدولار الأميركي. هذا الاستقرار دفع الحكومات والبنوك المركزية في المنطقة لتسريع استكشاف فكرة العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs). والتي يطلق عليها “النقد الرقمي”، لكونها أصولًا رقمية مباشرة تابعة للبنك المركزي. ما يوفر بيئة أكثر أمانًا واستقرارًا لتمويل المشاريع الصغيرة.
ولعل الإمكانات التي توفرها هذه التطورات هائلة؛ فالأصول الرقمية والعملات المشفرة قادرة على دعم خدمات مالية مبتكرة وزيادة القدرة التنافسية في القطاع المالي الإقليمي. من أبرز مزاياها أنها توفر مدفوعات منخفضة التكلفة، سواء للمعاملات المحلية أو عبر الحدود. وتتيح إمكانية الدفع في الوقت الفعلي، ما يعد تطورًا كبيرًا مقارنة بالأنظمة التقليدية. هذه المزايا تسهم بشكلٍ مباشرٍ في تحسين فرص تمويل المشاريع الصغيرة وتعزيز تدفقاتها النقدية.

تحديات ومخاطر الابتكار الرقمي
لكن في المقابل، أشعلت هذه التقنيات نقاشًا حادًا، خاصة بسبب تهديدها للوسطاء الماليين التقليديين الذين يرون في هذه التطورات تحديًا لمكانتهم. ومع أن تقارير عدة أشارت إلى فوائد كبيرة محتملة للعملات الرقمية، إلا أنها حذرت أيضًا من مخاطر تتعلق بالخصوصية. والعمليات التشغيلية، والأمن السيبراني، والاستقرار المالي. ما يستدعي يقظة وحذرًا في تبنيها.
وعلى سبيل المثال، شهدت المنطقة حوادث متفرقة مرتبطة بالعملات المشفرة، ما دفع بعض الهيئات التنظيمية لتشديد الرقابة. ويعد انهيار بعض العملات المستقرة، التي تعتمد على خوارزميات معقدة بدلًا من الاحتياطيات الكاملة، مثالًا صارخًا على الكيفية التي يمكن أن تنتشر بها العدوى في النظام بأكمله إذا لم يتم التعامل مع هذه التقنيات بحذر.
أهمية الشركات الصغيرة في الاقتصاد الإقليمي
تلعب الشركات الصغيرة دورًا بالغ الأهمية في اقتصادات دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فهي توظف نسبة كبيرة من القوى العاملة، وتساهم بشكل فعال في الناتج المحلي الإجمالي. كما تعد هذه الشركات أداة رئيسية للتنقل الطبقي والإدماج الاجتماعي؛ إذ توفّر فرصًا اقتصادية للفئات المهمشة، مثل الشباب والنساء ورواد الأعمال الجدد. ما يعزز الاستقرار الاجتماعي.
وتوسّعت هذه الشركات عبر المنصات الرقمية وخدمات التجارة الإلكترونية. ما سمح لها بالوصول إلى عملاء خارج المجتمعات المحلية، وكانت هذه القنوات حيوية في مواجهة التحديات الاقتصادية، خاصة خلال الأزمات الصحية التي شهدتها المنطقة.
ورغم كل ذلك، تم تجاهل الشركات الصغيرة بشكلٍ كبيرٍ في نقاشات العملات الرقمية في المنطقة. فبينما يسلط صناع السياسات والخبراء الاقتصاديون الضوء على أهمية دعم هذه الشركات، نادرًا ما يتم التطرق إلى الكيفية التي يمكن أن تستفيد بها من بنية تحتية للدفع أكثر كفاءة وتنافسية. والتي يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة لنموها.
هشاشة الشركات الصغيرة ماليًا
غالبًا ما تعمل الشركات الصغيرة بهوامش نقدية ضيقة للغاية. وتشير البيانات إلى أن العديد منها لا يحتفظ بما يكفي من السيولة لتغطية نفقات شهر واحد. وهذا ما يجعلها شديدة الحساسية للتقلبات الاقتصادية. كما رأينا خلال الأزمات التي ضربت المنطقة في السنوات الأخيرة. والتي تطلبت تدخلات حكومية لدعمها.
ويرجع هذا الوضع لعدة أسباب، أبرزها محدودية وصولها إلى الائتمان، وقلة الخيارات المالية المتاحة مقارنة بالشركات الكبيرة. وغالبًا ما تعتبر البنوك أن الشركات الصغيرة أكثر مخاطرة، لأنها لا تستطيع تقديم المؤشرات الكمية التي تحتاجها البنوك الكبرى لتقييم الجدارة الائتمانية. ما يعيق حصولها على التمويل اللازم.
وتواجه هذه الشركات أيضًا مشكلة تأخّر المدفوعات من قبل الشركات الكبرى أو حتى الجهات الحكومية. وهو ما يؤثر سلبًا على تدفقاتها النقدية. وفي هذا السياق، تظهر الدراسات أن نسبة كبيرة من الشركات الصغيرة التي تعتمد على الفواتير تعاني من مشاكل في التدفق النقدي بسبب هذا التأخير. ما يهدد استقرارها.
تأثير المدفوعات البطيئة والمكلفة
أصبحت أغلب المدفوعات الاستهلاكية في المنطقة تنفذ باستخدام بطاقات الائتمان أو الدفع الإلكتروني. وهي ظاهرة تفاقمت خلال السنوات الأخيرة. ورغم أنها غير مرئية للمستهلك، إلا أن الشركات تتحمل رسومًا مرتفعة -لبنوك الإصدار، وشبكات البطاقات، ومعالجي المدفوعات- تتجاوز أحيانًا نسبًا كبيرة من قيمة المعاملة. ومن المرجح أن تزداد مستقبلًا.
وتكون رسوم المعاملات الإلكترونية -خصوصًا عبر منصات التجارة الإلكترونية- أعلى من ذلك. مع فترات انتظار قد تمتد عدة أيام لاستلام الأموال. وهو ما يزيد من الحاجة لرأس المال التشغيلي ويضغط على سيولة الشركات الصغيرة.
ويضع هذا الواقع الشركات الصغيرة في موقف ضعيف. خاصة بالنظر إلى هوامش أرباحها المحدودة وتكاليف تمويلها المرتفعة. فعلى عكس الشركات الكبرى التي يمكنها التفاوض للحصول على رسوم أقل، لا تملك الشركات الصغيرة نفس القدرة. ولا يوجد أمامها بدائل حقيقية لشبكات الدفع الكبرى، ما يحد من خياراتها.
وتزداد المشكلة تعقيدًا في المدفوعات الدولية؛ حيث الرسوم والتأخيرات مرتفعة للغاية. فبحسب بيانات إقليمية، يمكن أن تبلغ تكلفة إرسال دفعة عبر الحدود نسبًا كبيرة من قيمة التحويل. بينما تستغرق هذه المدفوعات أيام عمل عديدة. والرسوم غير متوقعة، وقد تفرض تكاليف إضافية حسب عدد البنوك الوسيطة. فضلًا عن خطر الاحتيال في هذا النوع من المعاملات.
الحل لتمويل المشاريع الصغيرة
لتغيير هذا الواقع، نحتاج إلى بنية تحتية أكثر انفتاحًا وتنافسية في مجال المدفوعات في منطقة الشرق الأوسط. ويتطلب ذلك دمج جهود القطاع العام -مثل مبادرات البنوك المركزية لرقمنة العملات- مع ابتكارات القطاع الخاص. بما في ذلك شبكات العملات المشفرة المفتوحة، لضمان بيئة مالية أكثر كفاءة.
وتتحرك جهود القطاع العام بوتيرة بطيئة في بعض الأحيان، ما يهدد بتجاوزها من قبل الابتكارات الخاصة التي غالبًا ما تبنى ضمن “حدائق مغلقة” لا تتكامل مع باقي الأنظمة. ما يحد من إمكاناتها الحقيقية.
الاستفادة من التقدم التكنولوجي
ولكن لا ينبغي أن يستمر هذا الواقع. ويمكن للقطاع العام الاستفادة من التقدم التكنولوجي في مجال البلوكشين والعملات المشفرة لتسريع التحول نحو المدفوعات الفورية ومنخفضة التكلفة. وهو ما يعود بالنفع على جميع الأطراف، وخاصة الشركات الصغيرة.
ويسهم النظام المفتوح في زيادة المنافسة، وخفض رسوم المعاملات، وتفكيك الخدمات المضمنة حاليًا في كل عملية دفع، مثل عكس العمليات، والتحكيم، وتقييم المخاطر، ما يتيح للشركات الدفع فقط مقابل ما تحتاج إليه فعلًا. وبفضل قابلية التشغيل البيني بين المحافظ الرقمية والبنوك وبنى الدفع التقليدية، ستتمكن الشركات الصغيرة من ذلك دون التأثير على نطاق زبائنها الحالي.

تحول جذري
في نهاية المطاف، لا يمكن التقليل من أهمية تقنية البلوكشين والعملات الرقمية في إحداث تحول جذري في مشهد تمويل المشاريع الصغيرة بالشرق الأوسط. فبينما كانت هذه الشركات، التي تمثل عصب الاقتصاد الإقليمي، تعاني من هوامش نقدية ضيقة وصعوبة الوصول إلى الائتمان وتأخر المدفوعات وارتفاع تكاليف المعاملات، خصوصًا الدولية منها. تقدم الحلول الرقمية المستندة إلى البلوكشين فرصة غير مسبوقة لتجاوز هذه العقبات.


