كما عودنا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بقراراته الصادمة، فقد فاجأ الشركات في 20 سبتمبر 2025، بقرار أحدث حالة من الارتباك لدى العديد من الشركات الأميركية، بإعلانه فرض رسوم على طلبات تأشيرة العمالة الماهرة H-1B قدرها 100 ألف دولار، في خطوة مفاجئة صدمت مؤسسات التكنولوجيا والتمويل وأثارت تساؤلات حول قدرة واشنطن على الاستمرار في اجتذاب الكفاءات من الخارج.
وقد أشعل القرار موجة من القلق داخل الشركات العالمية التي تعتمد على هذه التأشيرات في استقطاب العقول الهندسية والتقنية لتأمين موقعها التنافسي في سوق عالمية سريعة التحول.
الهند أكثر المتضررين
اللافت للنظر أن هذا التحول قد يؤثر مباشرة في النقاش بين واشنطن ونيودلهي؛ فالهند التي طالما رأت في برنامج H-1B جسرًا إلى “الحلم الأميركي”؛ إذ أظهرت الإحصاءات أن سبعة من كل عشرة مستفيدين من هذه التأشيرة هم هنود.
وبالتالي تجد الهند نفسها أمام قيود جديدة قد تُضعِف حضورها بالسوق الأميركية، وتؤثر في تحويلات مالية ضخمة يعتمد عليها اقتصادها المحلي، كما أن الرسالة السياسية التي يحملها القرار لا تنفصل عن أجواء الحرب التجارية والضغوط المتزايدة في العلاقات الثنائية.
300 ألف هندي في أميركا
وقد أشار تقرير صحيفة “نيويورك تايمز” إلى أنه بحلول عام 2024، كان يعمل أكثر من 300 ألف هندي في الولايات المتحدة بتأشيرة H-1B، شكلوا مع أزواجهم وأطفالهم نحو عُشر إجمالي الأميركيين من أصل هندي المقيمين في البلاد بشكل قانوني.
وربما يعود الفضل إلى هذا البرنامج في حصول ملايين الأميركيين من أصل هندي- بمن فيهم كثيرون ممن يعيشون في الهند- على جنسيتهم الأمريكية.
ولا شك في أن ترامب، من خلال زيادة تكلفة توظيف العمال الهنود بنحو 20 إلى 30 مرة بالنسبة للشركات الأمريكية، قد فتح طريقًا شائكًا بين البلدين؛ حيث تغلغلت المواهب الهندية بالفعل في أعلى مستويات صناعة التكنولوجيا الأمريكية.
وبينما يحظى أفراد مثل ساتيا ناديلا وسوندار بيتشاي باهتمام كبير، يكشف التعمق في هذا المجال عن وجود نخبة من القادة الأميركيين من أصل هندي يسهمون في رسم ملامح مستقبل هذه الصناعة.
ووفقًا لتقرير التأثير الأخير الصادر عن مؤسسة “إندياسبورا” غير الربحية بالشراكة مع بوسطن كونسلتينج جروب، فإن نحو ثلث موظفي التكنولوجيا في وادي السيليكون من أصل هندي.

تأشيرة جذب الكفاءات
وتعود فكرة “تأشيرة جذب الكفاءات” إلى مبادرة “ابدأ أميركا” التي أطلقها الرئيس أوباما عام 2011، متضمنة أحكامًا تهدف إلى تسريع نمو رواد الأعمال المولدين للوظائف، بما في ذلك إزالة العوائق أمام رواد الأعمال الأجانب.
ومن بين هذه الأحكام توسيع فئة تأشيرات H للموظفين المحترفين، وتأشيرات البطاقة الخضراء EB-2، المخصصة عادةً للحاصلين على شهادات عليا؛ لتشمل رواد الأعمال المهاجرين، مع السماح لهم بالتأهل للحصول على إعفاء من شرط المصلحة الوطنية ضمن فئة EB-2، للتقدم مباشرة للحصول على البطاقة الخضراء من دون الحاجة إلى تقديم التماس أولي إلى وزارة العمل، إذا أثبتوا أن مشروعاتهم تخدم المصلحة الوطنية للولايات المتحدة من خلال خلق فرص عمل، على سبيل المثال.
تأشيرة “الشركات الناشئة”
كذلك أطلقت كندا في الفترة نفسها تأشيرة “الشركات الناشئة” في إطار برنامج هجرة خاص مصمم لجذب رواد الأعمال الأجانب لتأسيس وتنمية أعمالهم المبتكرة.
وتشترط هذه البرامج عادةً امتلاك فكرة مشروع قوية، والحصول على دعم من منظمة محلية، وإثبات القدرة على خلق فرص عمل أو المساهمة في الاقتصاد المحلي.
التأشيرة الفرنسية
كذلك، أطلقت البرتغال برنامجًا مماثلًا، في حين تمنح كل من اليابان وقبرص تصاريح إقامة خاصة لرواد الأعمال، وأطلقت فرنسا أيضًا تأشيرة La French Tech لدعم الشركات الناشئة الناجحة من خلال الاستفادة من مبادرات مؤسسيها الأجانب وجذب المواهب.
ويركز النموذج الفرنسي على ريادة الأعمال التقنية؛ إذ تختار حاضنات أو مسرعات أعمال تكنولوجية فرنسية، المؤسس الأجنبي للشركة الناشئة، أو دعمه من شركات رأس المال المغامر والجهات الفاعلة في النظام البيئي للتكنولوجيا الفرنسية.
جذب الكفاءات لدول الخليج
هذا التغير الكبير في توجهات الولايات المتحدة ومحاولاتها إيقاف تدفق الكفاءات الهندية إليها قد يمثل فرصة ذهبية لمنطقة الخليج، التي طالما فتحت أبوابها للعمالة الهندية الرخيصة غير المؤهلة. وربما حان الوقت لتغيير الدفة واستغلال هذا الظرف التاريخي لإطلاق برامج لجذب الكفاءات.
إن دول الخليج بحاجة إلى جذب هذه الكفاءات واستحداث تأشيرة للشركات الناشئة، فضلًا عن إنشاء حاضنات دولية لجذبهم لمنظماتها الاقتصادية.
فعلى الرغم من النتائج الجيدة التي أظهرها مسار دعم رواد الأعمال ومنظومات ريادة الأعمال في دول مجلس التعاون، والتي تأسست منذ عقود ولا سيما في السعودية والإمارات والبحرين، فإن حجم وأعداد الشركات الناشئة التقنية ما زال محدودًا؛ حيث لم تستطع هذه الشركات حتى الآن أن تؤدي دورًا رئيسًا في الاقتصاد الخليجي.
وفي الوقت الذي يشكل فيه المهاجرون نحو 17 % من القوى العاملة في الولايات المتحدة، أسس هؤلاء 55 % من الشركات الأميركية التي تبلغ قيمتها مليار دولار أو أكثر.
وعندما نضيف شركات “يونيكورن” التي أسسها أو شارك في تأسيسها مهاجرون أو أبناء مهاجرين، ترتفع النسبة إلى نحو الثلثين (64 %)، كما أن نحو 80 % من شركات “يونيكورن” الأميركية لديها مهاجر في منصب قيادي رفيع، وواحد من كل أربعة مؤسسين في هذه الشركات جاء إلى الولايات المتحدة كطالب دولي.
المواهب الدولية
إن وجود المواهب الدولية يمثل بلا شك دفعة كبيرة للإنتاجية والجاذبية الاقتصادية لدول المجلس واقتصاداتها الساعية إلى التنوع؛ فالوصول إلى الموهوبين والمهرة يُعد موردًا أساسًا للاقتصادات القائمة على المعرفة، ومحركًا مهمًا للابتكار والنمو والازدهار المستقبلي، خاصةً بعد أن أصبح تنقل المواهب يلعب دورًا حاسمًا للشركات والحكومات في سد نقص المهارات، في ظل منافسة عالمية على جذب العمالة الماهرة.
اجتذاب العقول
وقد منحنا قرار “ترامب” فرصة ذهبية كي تعتمد دولنا سياسات وبرامج هجرة محددة تركز على اجتذاب العقول والكفاءات والشركات الناشئة التكنولوجية التي نحتاج إليها لتحقيق قفزة نوعية في جهود تنويع الاقتصاد الريعي نحو مستقبل أكثر ازدهارًا.


