برزت منطقة الشرق الأوسط كقاطرة حقيقية للنمو في مجال الاستثمار الجريء، مسجلةً قفزة نوعية في النصف الأول من العام الحالي، هذا النمو الملحوظ، الذي بلغ نحو 35 % مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، يؤكد على ديناميكية بيئة ريادة الأعمال الإقليمية، ويعكس الثقة المتزايدة للمستثمرين في الإمكانات الواعدة للشركات الناشئة في هذه البقعة الجغرافية الحيوية.
تشير الأرقام الصادرة عن منصة «الموجز الرقمي» إلى استقطاب 260 شركة ناشئة في المنطقة استثمارات تجاوزت 1.15 مليار دولار خلال النصف الأول من هذا العام، يبرز التوسع الكبير في قاعدة الشركات المؤهلة لجذب التمويل، ويسلط الضوء على تنوع القطاعات التي تشهد هذا النشاط الاستثماري المكثف، مؤكدًا أن المنطقة تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانتها كمركز للابتكار والنمو الاقتصادي المستدام.
السعودية والإمارات تقودان المشهد
على صعيد توزيع الاستثمارات، استحوذت المملكة العربية السعودية على الحصة الأكبر من هذا التمويل الضخم؛ حيث حصدت ما يقارب النصف تقريبًا، متجاوزة 564 مليون دولار؛ هذه الريادة السعودية تعزى إلى البيئة الداعمة لرواد الأعمال، والمبادرات الحكومية الطموحة التي تشجع الابتكار والاستثمار في الشركات الناشئة؛ ما يرسخ في نهاية المطاف مكانة المملكة كقوة دافعة رئيسية في مجال الاستثمار الجريء على مستوى المنطقة، هذا التدفق الكبير للتمويل يعزز من قدرة الشركات السعودية على التوسع وتقديم حلول تقنية مبتكرة تلبي احتياجات السوق المتزايدة.
في المقابل، جاءت دولة الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الثانية من حيث حجم الاستثمار، مستقطبةً نحو 393 مليون دولار، هذا الإنجاز يبرز استمرار الإمارات في الحفاظ على مكانتها كمركز مالي وتكنولوجي رائد في المنطقة، بفضل بنيتها التحتية المتقدمة وبيئة الأعمال المرنة التي تشجع على تأسيس الشركات الناشئة وجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية، الاستثمارات في كلتا الدولتين تشير إلى تركز كبير لرؤوس الأموال في دول الخليج التي أصبحت وجهة مفضلة للمستثمرين الباحثين عن عوائد مجزية.
عودة قوية لمصر وزخم في المغرب
من ناحية أخرى، شهدت مصر عودة قوية للجاذبية الاستثمارية؛ حيث عادت الصناديق الاستثمارية للاستثمار بقوة في السوق المصري، مسجلةً قفزة بنحو 80 %، وتعكس هذه القفزة الثقة المتجددة في الاقتصاد المصري وقدرته على استيعاب المزيد من الاستثمارات الجريئة، لا سيما في الربع الثاني من عام 2025 الذي شهد نشاطًا ملحوظًا، فقد استقبلت الشركات الناشئة المصرية استثمارات بلغت 154.6 مليون دولار في النصف الأول من العام الجاري؛ ما يؤكد على وجود فرص واعدة للنمو والتوسع في مختلف القطاعات.
وإلى جانب ذلك، شهدت المملكة المغربية استثمارات تجاوزت 8 ملايين دولار خلال الفترة ذاتها، وهو ما يُشير إلى تنامي بيئة ريادة الأعمال في شمال إفريقيا، هذه الأرقام -وإن كانت أقل مقارنة بالدول الخليجية ومصر- إلا أنها تُظهر اهتمامًا متزايدًا بالسوق المغربي وقدرته على احتضان شركات ناشئة واعدة، ما يبشر بمستقبل مزدهر للاستثمار الجريء في المنطقة ككل.

سيطرة قطاعات محددة
في السياق ذاته، عند مقارنة أداء الربع الثاني من عام 2025 بالربع الأول، يلاحظ تراجع طفيف في حجم الاستثمار الجريء الإجمالي بالمنطقة، حيث سجل الربع الثاني 454 مليون دولار مقارنة بـ 692 مليون دولار في الربع الأول، وقد يعكس هذا التباين ديناميكيات السوق والتغيرات الموسمية في تدفقات التمويل، لكنه لا يقلل من الإنجاز العام الذي تحقق في النصف الأول من العام.
وفي إطار تحليل القطاعات المستفيدة، أوضحت رشا غملوش، الشريكة المؤسسة في منصة الموجز الرقمي، في تصريحات متلفزة، أن قطاع التكنولوجيا المالية «الفينتك» استحوذ على نحو 50 % من إجمالي الاستثمار الجريء؛ ما يبرز مكانته كقاطرة للابتكار المالي في المنطقة، وبالإضافة إلى ذلك، حصل القطاع العقاري على أكثر من 20 % من الاستثمارات خلال النصف الأول من عام 2025.
نمو القطاع العقاري ودعم التكنولوجيا العقارية
أوضحت غملوش أن النمو المتسارع في القطاع العقاري بالمنطقة، ولا سيما في المملكة، يعد دافعًا رئيسيًا لزيادة الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا العقارية. ويشير هذا التوجه إلى رؤية استراتيجية لتحويل التحديات التقليدية في القطاع العقاري إلى فرص ابتكارية مدعومة بالتقنية. ما يخلق حلولًا أكثر كفاءة وشفافية للمستثمرين والمستهلكين على حد سواء. فالاستثمارات في التكنولوجيا العقارية لا تركز فقط على تسهيل عمليات البيع والشراء. بل تمتد لتشمل إدارة الممتلكات، والتمويل العقاري، وتحليل البيانات لتقديم رؤى أعمق للسوق.
أشارت غملوش إلى أن التوقعات تشير إلى استمرار تركيز الاستثمارات خلال النصف الثاني من العام الحالي على قطاعي التكنولوجيا المالية والتكنولوجيا العقارية. ويعكس هذا التركيز الطلب المتزايد على الحلول الرقمية في هذين المجالين، والحاجة إلى سد الفجوات التكنولوجية لتعزيز كفاءة العمليات وتقديم خدمات مبتكرة تناسب متطلبات السوق المتغيرة.
الدعم الحكومي كركيزة للنمو المستقبلي
من ناحية أخرى، أكدت غملوش أن تزايد الاهتمام الحكومي بقطاع الشركات الناشئة يعد ركيزة أساسية لدعم نمو الاستثمار الجريء في منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة. فالمبادرات الحكومية، التي تشمل تسهيل الإجراءات التنظيمية، وتوفير الحوافز الضريبية. وإنشاء صناديق سيادية لدعم الشركات الناشئة، تسهم بشكلٍ متزايد في بناء بيئة جاذبة للمستثمرين ورواد الأعمال. ويشكل هذا الدعم شبكة أمان تقلل من المخاطر المرتبطة بالاستثمار في الشركات الناشئة. ما يشجع على تدفق المزيد من رؤوس الأموال.
في المقابل، يشير هذا الدعم الحكومي إلى رؤية استراتيجية تهدف إلى تنويع الاقتصادات وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية. فالاستثمار في الابتكار والشركات الناشئة يعد جزءًا لا يتجزأ من هذه الرؤية؛ حيث تساهم هذه الشركات في خلق وظائف جديدة، وتنمية المهارات. وتقديم حلول مبتكرة تعزز من القدرة التنافسية للاقتصادات الإقليمية على الساحة العالمية. وهو ما يبشر بمستقبل مزدهر لمنظومة الاستثمار الجريء في الشرق الأوسط.
الرياض تسجل إنجازًا استثنائيًا
وفقًا لتقرير الهيئة الهامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة “منشآت”، حققت المملكة إنجازًا جديدًا واستثنائيًا في مجال ريادة الأعمال على المستوى العالمي؛ حيث قفزت العاصمة الرياض 60 مركزًا خلال السنوات الثلاث الماضية. لتصبح ضمن أفضل 100 بيئة أعمال ناشئة صاعدة عالميًا. محتلةً المرتبة 23 في تقرير “منظومة الشركات الناشئة العالمية 2025” الصادر عن منظمة Startup Genome بالشراكة مع شبكة ريادة الأعمال العالمية.
أضف إلى ذلك، يعكس هذا التقدم اللافت النمو المتسارع الذي تشهده المملكة في بيئة ريادة الأعمال بشكل عام؛ حيث يتجلى هذا النمو بوضوح في مؤشرات رأس المال الجريء، الذي شهد ارتفاعًا ملحوظًا. إضافة إلى التطور الكبير في البنية التحتية للمنظومة الريادية. وبالإضافة إلى ذلك، ارتفعت مستويات الابتكار والاستثمار في التقنيات الناشئة. في ظل الدعم والتمكين المستمر الذي تقدمه الجهات الحكومية في المملكة للمستثمرين في هذا القطاع الحيوي.
وفي هذا الإطار، تلعب «منشآت» دورًا محوريًا في بناء منظومة ريادية متكاملة، من خلال مبادراتها وبرامجها الداعمة لنمو وتوسع الشركات الناشئة، وتعزيز البيئة التشريعية والتنظيمية لرواد الأعمال، بهدف رفع حصة تلك المنشآت في الناتج المحلي الإجمالي تحقيقًا لمستهدفات رؤية المملكة 2030 الطموحة.
أداء إقليمي متميز وتفوق في التمويل
على صعيد الأداء الإقليمي، سجلت المملكة ثاني أعلى أداء في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ما يعزز مكانتها كقوة دافعة للابتكار في المنطقة بأسرها، ويظهر هذا الأداء تفوقًا واضحًا في بناء بيئة جاذبة للشركات الناشئة. قادرة على المنافسة بقوة على الصعيدين الإقليمي والدولي. ويعكس هذا الإنجاز التزام المملكة بتحقيق أهداف رؤيتها الطموحة في تنويع الاقتصاد وتعزيز دور القطاع الخاص.
في المقابل، جاءت المملكة في المرتبة الثالثة من حيث حجم التمويل وقيمة الاستثمار مقابل الأثر؛ ما يبرز ليس فقط القدرة على جذب رؤوس الأموال الضخمة، بل أيضًا الكفاءة في توجيه هذه الاستثمارات نحو مشاريع ذات تأثير اقتصادي واجتماعي ملموس، وإلى جانب ذلك، حلت المملكة في المرتبة الرابعة عالميًا من حيث توفر المهارات والخبرات اللازمة لقطاع ريادة الأعمال.
قطاعات واعدة تدعم التحول الاقتصادي
في السياق ذاته، سلط التقرير الضوء على القطاعات الواعدة التي أسهمت بشكلٍ مباشر في تحقيق هذه النتائج الإيجابية للمملكة. وتعد هذه القطاعات ركائز أساسية في خطط التحول الاقتصادي للمملكة. في مقدمتها يأتي قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي يشهد استثمارات مكثفة وتطورات متسارعة. ما يعزز من قدرة الشركات الناشئة على تقديم حلول مبتكرة تعتمد على أحدث التقنيات في هذا المجال الحيوي.
علاوة على ذلك، برزت قطاعات أخرى ذات أهمية استراتيجية، مثل التقنيات المالية «FinTech». التي تشهد ثورة في تقديم الخدمات المصرفية والمالية الرقمية، والأمن السيبراني. الذي يعد ضروريًا لحماية البنية التحتية الرقمية المتنامية للمملكة. وبالإضافة إلى ذلك، تساهم المدن الذكية، التي تهدف إلى تحسين جودة الحياة وكفاءة الخدمات الحضرية. والبنية التحتية الرقمية والمادية، والصحة الرقمية، التي تقدم حلولًا مبتكرة للرعاية الصحية، في ترسيخ مكانة المملكة كلاعب رئيسي في الاقتصاد القائم على المعرفة والابتكار.
تحليل بيانات عالمي ورؤى استثمارية عميقة
استند التقرير إلى تحليلات بيانات دقيقة لأكثر من 5 ملايين شركة ناشئة موزعة ضمن أكثر من 350 منظومة عالمية لبيئات الأعمال. هذا النطاق الواسع من البيانات يضفي مصداقية وقوة على النتائج. ويمكن من استخلاص رؤى عميقة حول أداء المنظومات الريادية حول العالم.
من ناحية أخرى، استعرض التقرير أبرز الاتجاهات الاستثمارية العالمية التي تشكل مستقبل ريادة الأعمال. ما يوفر للمستثمرين وصناع القرار رؤى قيمة حول القطاعات الواعدة والفرص الجديدة. كما سلط الضوء على السياسات المحفزة لنجاح الابتكار وريادة الأعمال على المستوى الدولي. ما يمكن للمملكة الاستفادة منه في تعزيز بيئتها التشريعية والتنظيمية لمواصلة تحقيق التقدم.
صفقات الاستثمار الجريء بالمملكة
سجلت المملكة رقمًا قياسيًا في صفقات الاستثمار الجريء خلال النصف الأول من العام الجاري، حيث بلغت 3.2 مليار ريال، ويمثل هذا الرقم ارتفاعًا ملحوظًا بنسبة 116 % على أساس سنوي، متجاوزًا بذلك إجمالي الاستثمارات المحققة طوال العام الماضي بأكمله، وفقًا لتقرير صادر عن منصة البيانات “ماجنيت”.
من ناحية أخرى، تؤكد الأرقام القياسية المحققة جاذبية السوق السعودية المتزايدة. وتسهم في تعزيز بيئتها التنافسية. وبالإضافة إلى ذلك، ترسخ هذه الإنجازات قوة الاقتصاد السعودي كأكبر اقتصاد في المنطقة. وفي السياق ذاته، شهد النصف الأول من العام تنفيذ 114 صفقة استثمارية. مسجلة نموًا بنسبة 31 % مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.

قطاعات واعدة وصفقات عملاقة
على صعيد القطاعات، تصدر قطاع التجارة الإلكترونية من حيث قيمة الاستثمار. مستحوذًا على حصة بلغت 36 % من إجمالي الاستثمار الجريء. ما يعكس الأهمية المتزايدة لهذا القطاع الحيوي. في المقابل، تصدر قطاع التقنية المالية من حيث عدد الصفقات بواقع 30 صفقة؛ حيث استحوذ على 26 % من إجمالي عدد الصفقات.
وإلى جانب ذلك، صنفت صفقة الاستثمار في شركة «نينجا» للتوصيل السريع كأكبر صفقة استثمار جريء في السعودية خلال النصف الأول. بعد أن استقطبت الشركة الناشئة تمويلاً ضخمًا بقيمة 250 مليون دولار. وبهذه الصفقة، أصبحت «نينجا» أحدث شركات «اليونيكورن» في المملكة، تليها في المرتبة الثانية شركة “تابي” للدفع الآجل بصفقة بلغت 160 مليون دولار. وثالثًا شركة “بتروآب” بتمويل قدره 50 مليون دولار.
دعم منظومة ريادة الأعمال
في هذا الجانب، لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي تلعبه الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت» في تحقيق هذه الإنجازات الكبير؛ حيث تعمل «منشآت» بجهد حثيث على بناء منظومة ريادية متكاملة ومتماسكة. من خلال إطلاق مبادرات وبرامج نوعية تهدف إلى دعم نمو وتوسع الشركات الناشئة في مختلف مراحلها. بدءًا من الفكرة وحتى التوسع العالمي.
وعلى صعيد آخر، تركز «منشآت» أيضًا على تعزيز البيئة التشريعية والتنظيمية لرواد الأعمال. بما في ذلك تبسيط الإجراءات، وتوفير التراخيص اللازمة، وتقديم الاستشارات القانونية والمالية. وتسهم هذه الخطوات في خلق بيئة أعمال أكثر شفافية ومرونة، تشجع على الاستثمار وتقلل من المعوقات التي قد تواجه الشركات الناشئة.
هدف طموح يعزز الناتج المحلي
يعد رفع حصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي أحد المستهدفات الاستراتيجية لرؤية المملكة 2030. هذا التقدم الكبير في تصنيف بيئة الأعمال الناشئة يُمثل خطوة هامة نحو تحقيق هذا الهدف. إذ تساهم الشركات الناشئة في تنويع مصادر الدخل، وخلق فرص عمل جديدة، ونقل المعرفة والتقنية.
في السياق ذاته، تسهم هذه الإنجازات في تعزيز جاذبية المملكة كوجهة استثمارية عالمية للشركات الناشئة والمستثمرين على حد سواء. فالاستقرار الاقتصادي، والدعم الحكومي المتواصل، وتوفر المواهب. كلها عوامل تساهم في بناء بيئة أعمال مزدهرة تشجع على الابتكار وتمكن الشركات الناشئة من تحقيق أقصى إمكاناتها.
آفاق مستقبلية واعدة لبيئة ريادة الأعمال
تشكل هذه القفزة النوعية في الاستثمار الجريء، وتصدر المملكة العربية السعودية للمشهد. إلى جانب التطور الملحوظ في بيئة ريادة الأعمال بشكلٍ عام، دليلًا قاطعًا على الرؤية الاستشرافية والجهود الدؤوبة التي تبذلها القيادة الرشيدة في دعم الابتكار والشركات الناشئة.
يأتي هذا الإنجاز انعكاسًا لبيئة عمل ديناميكية تتسم بالمرونة، وتوفر الدعم اللازم لرأس المال الجريء. وتسهم بفعالية في جذب وتنمية المواهب، وتركز بشكلٍ استراتيجي على القطاعات الواعدة التي تشكل مستقبل الاقتصاد العالمي. فالمملكة تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030 الطموحة، لترسخ مكانتها كمركز إقليمي ودولي للابتكار وريادة الأعمال. ما يبشر بمستقبل مشرق لجيل جديد من الشركات الناشئة التي تسهم بفعالية في بناء اقتصاد متنوع ومستدام. ويعزز من مكانة المنطقة على الساحة الاقتصادية العالمية.


