يحفظ التاريخ للعقيلات أنهم رجال اتصفوا بالشجاعة والإقدام والصبر والوفاء النادر، وقد سطر لهم التاريخ العديد من القصص المشرّفة في جانب الوفاء التي صورت هذه الصفات وحولتها إلى مواقف إنسانية.
ضاعت إبل أحد رجال عقيل فعلم بذلك العقيلي (عبد الله بن صالح المديفر) فأرسل ابنه محمد والرعيان بالإبل لترد الماء، وذهب هو لمساعدة رفيقه في البحث عن الإبل الضائعة، وبعد أن عثروا عليها لحق بولده والرعيان على مورد الماء وكان في البئر جيف حيوانات نتنة تنبعث منها رائحة كريهة لا يقاومها الإنسان، فاقترب (محمد) من البئر يتفحصها فغشيته الرائحة الكريهة واختل توازنه وسقط في البئر مغمياً عليه، وقتها كان والده قد أقبل عليهم وهم عند البئر فصاح به الرعيان (محمد) سقط في البئر! فهب مسرعاً للبئر لينقذ ابنه فنصحه المتواجدون من رجال عقيل بعدم النزول إلى البئر حتى لا يصيبه ما أصاب ابنه، فلم يأخذ بكلامهم ونزل إلى البئر فأغمي عليه هو الآخر فصاح عقيل: المديفر وابنه سقطا في البئر..! فسمع ذلك رفيق دربه العقيلي (يحيى بن صالح السيف) فأتى للبئر وقال سأخرجهم فقالوا له: لا تنزل يا (يحيى) فقدنا اثنين فلا نفقد الثالث! فقال (يحيى): لقد جئنا من بريدة ونحن ثلاثة فإما نرجع إلى أهلنا ثلاثة أو نموت ثلاثة، وطلب إحضار كمية من البصل وحبل متين (رشأ) فأكل من البصل ووضع منه على أنفه وأذنيه؛ لكي يقاوم رائحة البئر وربط نفسه بالحبل وقال: إذا صوّت لكم اسحبونا ونزل إلى البئر فوجدهما في غيبوبة بين الجيف المتعفنة فربطهما على ظهره، ومع مرور الوقت أخذ مفعول البصل يتلاشى وبدأت عليه بوادر الإغماء فأخذ يحرك الحبل ليسحبوه، لأنه لم يستطع رفع صوته فانتبهوا له فسحبوهم فعلق الحبل بأحد الحجارة البارزة في جال البئر، وأثناء محاولة الرجال فك الحبل الذي نشب بالجال وذلك برفعهم وإنزالهم أصبح وجه (يحيى) يصطدم بالحجارة البارزة ولما أخرجوهم وجدوا أن (يحيى) ملطخ بالدماء فقد تخلخلت أسنانه وتقطعت لثته وشج وجهه، وبعد قليل من إخراجهم أفاق (عبد الله) وولده وتأخرت إفاقة (يحيى)؛ بسبب النزيف وما أصابه من جروح فوضعوا مسحوق القهوة على مكان الإصابة حتى توقف النزيف وأفاق من غيبوبته فواصلوا سفرهم إلى القصيم، وبعد وصولهم إلى بريدة طلبت أم (عبد الله المديفر) مقابلة (يحيى السيف) وقالت له: أنا لا أملك إلا هذا البيت فخذ صكه جزاء موقفك مع أبنائي فرفض أخذ أي شيء وقال لها: أنا ما عملت ها الشيء إلا لوجه الله تعالى ولا أبغي منكِ إلا الدعاء فقط.


