علمتني الحياة أن أصنع من الفشل النجاح ومن اليأس الأمل
يعدّ نايف بن ثلاب القحطاني مثالًا رائعًا للشاب العصامي، فقد استطاع أن يقاوم ريح وأعاصير الظروف التي قطعت دراسته بأمريكا وحرمته نيل لقب الدكتور أو المهندس أو الخبير، وإلى ما ذلك من ألقاب تضج بها ساحة التنافس على ريادة العلم والعمل والحياة، ليصنع من الفشل نجاحًا ومن اليأس والقنوط آمالًا عريضة.
ونايف الذي رضي بأن يبدأ حياته العملية، بمجرد سائق رافعة شوكية في قسم العمليات بشركة الـ”دي إتش إل”، بالمنطقة الشرقية، لم يمت فيه الأمل يومًا بأن يكون رائدًا في مجال ما ويصنع (نايف) الذي يريد، دون الحاجة إلى مساعدة وغوث الآخرين.
ولكن نايف الذي ترك العلم من أجل ممارضة والده برًّا به، تعلم من الدرس الذي تلقاه من الحياة والتجارب المريرة، استطاع أن يولد فكرة رائدة ويجتهد في رعايتها ويسوّق لها حتى رأت النور فكانت ميلاد شركة حلول للخدمات اللوجستية التي يتولى رئاستها.. فيما يلي حوار مع نايف القحطاني.. فإلى التفاصيل:
أولًا حدثنا عن بداياتك الأولى ونشأتك ومراحلك التعليمية؟
فور تخرجي في المرحلة الثانوية، وكغيري من الشباب، كنت أطمح أن أسعى جاهدًا لأنال أفضل مستوى تعليمي وتحصيل جامعي، ولذلك سافرت في منتصف التسعينيات إلى أمريكا؛ إذ خضعت هناك لدراسة اللغة الإنجليزية، وبعدها التحقت بجامعة جنوب فلوريدا قسم تسويق، فحصلت على دبلوم في التسويق.
ولكن بعد فترة وجيزة، وصلني خبر عن مرض والدي- رحمه الله تعالى-، وكان لهذا الخبر وقع صعب في نفسي؛ إذ أصبحت حائرًا بين إكمال دراستي الجامعية والعودة إلى أرض الوطن، فاتخذت قراري أخيرًا بأن أقطع دراستي مضطرًا ومن ثم العودة سريعًا للوطن لأن أقف بجانب والدي، حتى أقوم بواجبي تجاهه وأبره في مرضه.
ولذلك عند عودتي لم تكن معي شهادة جامعية تعينني على العمل في مهنة تناسبني، فاضطررت إلى البحث عن أي عمل أسد به حاجتي وحاجة أسرتي، وكنت مهتمًا بألا أكون عبئًا على أحد، وذلك بأن يكون لي دخل مستقل، وأعتمد على نفسي في مثل هذه الظروف الصعبة.
ومن وقتها، بحثت في الكثير من الشركات المتواجدة في المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية، وجاءني قبول في شركة دي إتش إل بوظيفة سائق رافعة شوكية في قسم العمليات.
هل تقبلت أن تنخرط في هذا العمل دون أي تردد؟
الحقيقة ترددت كثيرًا في بداية الأمر، ولكنني قررت قبول هذه الوظيفة في نهاية المطاف وقبلت التحدي، على الرغم من أنني لم أكن متقبلًا هذه الوظيفة، غير أنه بإصراري وقوة عزيمتي واصلت العمل ولم أتقاعس، بل بالعكس زادني قوة.
وما ساعدني في تجاوز هذه المرحلة الصعبة من حياتي العملية، أنني أيضًا كنت متعطشًا للعمل فتعلمت بسرعة وساعدني إتقاني للغة الإنجليزية في أن أتعلم أساسيات آلية العمليات، والتحقت بكثير من الدورات التدريبية التي من بينها دورة في مجال العمليات وكذلك في مجال القيادة والتحكم بالوقت.
إذًا كيف استطعت أن تؤسس نفسك وتهيئها لإنشاء مشروع جديد تتولى أمره وتقوده إلى النجاح؟
كما أسلفت فقد بدأت حياتي العملية، في شركة الـ “دي إتش إل” “DHL”؛ إذ كنت موظفًا سابقًا فيها، وتدرجت في العمل بالشركة, من سائق إلى رافعة شوكية, حتى أصبحت مدير المخازن في الشركة, اكتسبت خلالها تجربة مكنتني فيما بعد من أن أقوم بتأسيس مشروعي الحالي.
ففي السنة الأولى من انضباطي وإتقاني العمل والتزامي بالوقت، نلت إعجاب رئيسي وحصلت على ترقية من سائق رافعة شوكية إلى موظف عمليات، وبعد سنتين تمت ترقيتي إلى قائد مجموعة، وبعد سنتين ونصف السنة حصلت على ترقية أخرى إلى مشرف عام، وبعد ثلاث سنوات تمت ترقيتي إلى مدير العمليات اللوجستية.
وفي هذه الأثناء كان يراودني تحد جديد، وهو أن أنشئ شركة متخصصة في الخدمات اللوجستية، وفي إدارة التخزين وتوزيع المخزون، وذلك بسبب أنه لا توجد في السعودية شركات وطنية متخصصة في المجال نفسه، إلا شركات عالمية.
وبعد دراسة جدوى للسوق المحلية، وجدت أنه يوجد إقبال كبير من معظم الشركات للشركة وتخصصها في إدارة المخزون وتوزيعه، فبدأت بدراسة جدوى متكاملة فنيًا وماليًا.
وبعد الاستخارة والاستشارة، قمت باتخاذ قرار بتأسيس شركة حلول للخدمات اللوجستية.
ولله الحمد والمنة، نحن الآن نقوم بتخزين لشركات عالمية ومحلية وننافس الشركات العالمية في مجال إدارة المخزون وتوزيع الخدمات اللوجستية.
هل كان لأحد من أسرتك أو معارفك أي أثر في زراعة رغبة معينة جعلتها هدفًا ترمي الوصول إليه، أم كانت مسألة ذاتية، وكيف تولدت لديك وما أبرز التحديات التي واجهتك؟
نعم.. كان لشريكي سامي أحمد الفلاتة، الفضل الأول بعد الله، في أن أزرع الثقة والرغبة في رعاية الفكرة والوصول بها إلى ما أنا عليه الآن، فقد كان يمثل لي أكثر من شريك وأكثر من داعم مالي، فكان ناصحًا وموجهًا لي بحكم أنه كان قد خاض هذه التجربة وأسس خمس شركات ناجحة جدًا واستثماراتها بمئات الملايين الآن.
ذلك لأن هناك الكثير من التحديات التي واجهتني، وكان أكثرها بسبب الأمور المالية والتمويل ومن ثم الإجراءات الحكومية، فكان سامي الموجه الناصح في جميع الأمور، فقد كان يقوي من نقاط الضعف، التي عندي لأقوم بتطوير ذاتي من خلال دورات مالية. وقد فعلت ذلك، وواجهتني بعدها تحدٍ آخر في كيف لي أن أقوم بتنفيذ بناء شركة متكاملة الأقسام وقد ساعدني في ذلك بحكم خبرته في ذلك.
دعنا الآن نتعرف على فكرة شركتك ومن أين تولدت لديك ومن ساعدك على تنفيذها وكيف نفذتها؟
بحكم عملي بالشركة، كنت أقابل الكثير من العملاء وأصبحت أعرف تمامًا سعر التكلفة وسعر البيع للعميل، وكم تحقق هذه الشركات الأجنبية من أرباح خيالية.
فبدأت في التفكير، بإنشاء شركة محلية بمواصفات عاليه، وبأسعار أقل من 50% من أسعار الشركات الأجنبية، وشجعني على ذلك خلو السوق من منافسين كثر، فقمت بعرض هذه الفكرة على عدد من رجال الأعمال وكل واحد منهم يطلب مني عمل دراسة جدوى.
وكان ذلك يكلفني بين أربعين وخمسين ألف ريال، فكان إجراء مثل هذه التكلفة مغامرة خصوصًا مع عدم الحصول على موافقة رجل الأعمال بالدخول شريكًا بتمويل المشروع، لذلك قمت بعمل دراسة ذاتية للمشروع وقدمتها لأحد رجال الأعمال وقام بتسليمها لمستشاريه الذين أشاروا عليه إما بجلب شركة أجنبية فيكون وكيلًا لها أو الاستحواذ على شركة موجوده فعليًا أو إنشاء شركة جديدة.
وكان ذلك بسبب اقتناعهم بالفكرة في الوقت الذي يفتقدون فيه الثقة في قدرتي على إدارة المشروع، ولهذا كان قرارهم
بجلب شركة أجنبية والعجيب أنهم حتى هذه اللحظة لم يقوموا بعمل شيء.
إلام تعزي هذا العزوف عن الأخذ برواد الأعمال نحو النور؟
هناك- يا للأسف- حاجة ماسة لإشاعة ثقافة العمل الحر في مجتمعنا، وذلك بسبب غياب مفهوم وثقافة العمل الحر عن مناهجنا التعليمية في مختلف المراحل الدراسية، فضلًا عن عامة الناس.
إذًا كيف استطعت أن تستجمع قواك وتفعل ما تريد؟
كان شريكي الحالي صديقًا لي قبل أن يكون شريكًا, وكان يعرف تحركاتي في البحث عن ممول للمشروع، لكنه لم يكن ملمًا بالمشروع من كل جوانبه، غير أنه كان لديه وكالة شركة أمريكية تقوم بتوريد المنتجات لأرامكو التي طلبت من إدارة لتخزين بضائعه، فقام بالبحث في السوق عن شركات فلم يجد.
حينئذ تذكرني فاتصل بي وسألني عن أخبار المشروع، فأخبرته بعدم وجود شركات لتخزين البضائع بالمواصفات المطلوبة، مثل ما هو متوافر في شركتنا التي تقوم بتقديم خدمات التخزين وإدارة التخزين والتخزين المؤقت، سواء كان أسبوعيًا أو شهريًا أو سنويًا، إضافة إلى التخزين الجاف والتخزين المبرد وتخزين المواد الكيماوية، وفقًا للمواصفات العالمية على أحدث نظام عالمي لإدارة التخزين والأرفف، وآلية استقبال البضائع، وخروج البضائع، وتزويد العملاء بالتقارير اللازمة عن المخزون ونظام الإجراء الأمني.
وكان نتيجة ذلك، أن اقترح عليّ افتتاح الشركة لإيمانه بفكرتها وبجدواها وبتميزها، فتوكلنا على الله وبدأنا المشروع.
ما المصاعب التي واجهتك في صناعة آمالك في هذه الشركة وكيف قاومتها؟
من الصعوبات التي واجهتها، كيفية استخراج التراخيص من الدوائر الحكومية، التي استغرقت وقتًا طويلًا، بالإضافة إلى إنهاء بعض الإجراءات لدى الدفاع المدني وشركة الكهرباء، ما أدى إلى تأخير سير العمل عن الخطط المعدة مسبقًا.
وعلى الرغم من التحديات، إلا أن الشركة حصلت على عدة عقود مع شركات عالمية في عام 2009، وتوالت العقود من عدة جهات، وحصلنا أيضًا على المركز الأول خلال جائزة الأمير محمد بن فهد في المنطقة الشرقية لعام 2010 كأفضل منشأة واعدة،وايضا من افضل 100 شركة سعودية نموا في 2011 وايضا من افضل 100 شركة خليجية نموا 2012 وايضا من افضل 500 شركة عربية 2012 وقد تم ترشيحنا لجائزة (الأمير سلمان) لشباب الأعمال هذا العام، وحصلنا ايضا على تصنيف الجودة العالمي (ISO 9001-2008).
الجدير بالذكر أن الشركة تعدّ أول شركة في المنطقة الشرقية تعتمد برنامج (رواد) لدعم رواد الأعمال في شركة أرامكو، وهو برنامج تمويلي من دون أرباح، يهدف إلى دعم الشباب الطموح وصناعة ورعاية الأفكار الخلاقة.
ما الدرس الذي تعلمته من هذه المسيرة العصامية وما أهم النصائح والأمثال والحكم التي كنت ترى أنها نبراس لطريقك في حياتك ولماذا؟
علمتني الحياة والتجربة خير معلم، ومن الدروس التي استخلصتها من ذلك، أنه من الفشل يمكن أن نتعلم كيف نصنع النجاح، كما أن الفرصة لا تأتي بالجلوس في البيت.
وهناك كلام جميل منسوب إلى المهندس مطلق المريشد: لا تيأس ولا تقف، بل كرر المحاولة مرة ومرتين وبادر فنحن بحاجة إلى المبادرة، وهذه من النصائح التي أطبقها دائمًا، وأتمنى من الشباب أن يطبقوها أيضًا.
ما مشاريعك المستقبلية وما خطتك لتنفيذها؟
مشاريعي هي ان تكون شركتي في مقدمة الشركات اللوجستية في المملكة خلال 3 سنوات وذلك من خلال التوسع داخل المملكة ,وايضا أن أقوم بصناعة أكثر من نايف القحطاني، وذلك من خلال التعلم من الخطأ وتحويل الفشل إلى نجاح وعدم الركون وانتظار المستقبل. وذلك من خلال برنامج يحول الفرصة الي فكرة والي مشروع ناجح
ما نصيحتك للشباب؟
أدعو كل الشباب بألا يقف مكتوف الأيدي وينتظر الحلول السحرية، وألا ييأس حتى لو وقفت أي معاملة في أي دائرة حكومية، بل عليه أن يكرر المحاولة مرة ومرتين وثلاثًا، وألا يشعر بالهزيمة وينسحب من مساحة التحدي، بل عليه أن يحارب ويكافح.
وأقول لأي شاب طموح: “كلما تحاول تزداد قوة، وثق تمامًا بأنك لو ظللت جالسًا في بيتك، لن يأتي لك أحدهم ويطرق عليك الباب ويقول لك تفضل خذ هذا المشروع.. لا عليك أن تبادر وتجتهد في أن ترى مبادرتك النور”.
ما رؤيتك وفلسفتك لصناعة الفكرة الرائدة وكيف للإنسان أن يكون رائدًا وناجحًا في عمله؟
أعتقد أن أهم شيء في هذه الدنيا أن تنال رضا الله ثم رضا الوالدين، وأرى أن بلوغ هذه المرحلة هو سر نجاح كل رائد أعمال.
كما أنني أؤمن دائمًا بأهمية الإيجابية، وذلك بأن يكون الشخص إيجابيًا وألا يصغي للأشخاص السالبين، وأقول كذلك: “في بداية حياتك هناك من يتجاهلونك ثم يسخرون منك ثم يحاربونك، ولكنك حتمًا بالإرادة وقوة العزيمة ستنتصر عليهم”.


