تفرض تكاليف المعيشة المرتفعة في وادي السيليكون على كثير من العاملين في قطاع التكنولوجيا إعادة التفكير في مفهوم الإنفاق والثروة، لكن مهندس البرمجيات ريموند زينغ، البالغ من العمر 24 عامًا، اختار طريقًا مختلفًا تمامًا.
ورغم دخله السنوي الذي يتجاوز 300 ألف دولار من عمله في شركة «ميتا»، يعيش بأسلوب شديد البساطة دون سيارة أو أريكة أو حتى جهاز تلفاز. مفضلًا توجيه الجزء الأكبر من أمواله نحو الاستثمار والادخار والتقاعد المبكر.
وبحسب مقابلة نشرتها منصة «بيزنس إنسايدر»، أوضح ريموند زينغ. المقيم في منطقة خليج سان فرانسيسكو، أن كثيرًا من أصدقائه يعتبرون أسلوب حياته «تقشفيًا للغاية». لكنه يؤكد أن الأمر خيار شخصي مدروس؛ إذ يرى أن الإنفاق لا يجب أن يكون تلقائيًا لمجرد ارتفاع الدخل، بل ينبغي أن يرتبط بالأشياء التي تضيف قيمة حقيقية للحياة.
ويعمل زينغ مهندس برمجيات في شركة «ميتا» مقابل دخل سنوي يبلغ 306,500 دولار. بعدما انتقل إلى منطقة خليج سان فرانسيسكو قبل نحو ثمانية أشهر عقب قضائه عامين في مدينة دالاس.
ويقول إن فلسفته المالية تقوم على تحديد الأولويات بدقة، مع التركيز على بناء الثروة طويلة الأجل بدلًا من التوسع المستمر في نمط الحياة الاستهلاكي.
فلسفة التقشف والإنفاق الذكي
يرى زينغ أن الإدارة المالية الشخصية لا تتعلق بحرمان النفس، بل بحسن توزيع الموارد على ما يستحق الإنفاق فعلًا. ولذلك يفضل تخصيص أمواله للسفر والهوايات والاستثمار، بدلًا من شراء أثاث فاخر أو الإنفاق على الكماليات اليومية التي يعتبرها غير ضرورية.
ويشير إلى أنه يحقق شهريًا ما بين 7 و8 آلاف دولار، باستثناء المكافآت وخيارات الأسهم التي تمثل نحو 60% من إجمالي تعويضاته المالية. أما صافي دخله الشهري بعد الضرائب ومساهمات التقاعد، فيصل عادة إلى نحو 4 آلاف دولار. بينما تتراوح مدخراته الشهرية بين 5 آلاف و20 ألف دولار وفقًا للمكافآت واستحقاقات الأسهم.
ويطمح المهندس الشاب إلى التقاعد بحلول سن الثلاثين تقريبًا، رغم تأكيده أن خطط التقاعد والاستثمار تظل مرتبطة بمتغيرات عديدة، تشمل أداء الأسواق والعوائد الاستثمارية ومستويات الإنفاق المستقبلية.
حياة بسيطة بأقل التكاليف
يستأجر زينغ شقة مكونة من غرفة نوم واحدة مقابل 2600 دولار شهريًا. ويعتبر هذا المبلغ فرصة جيدة مقارنة بمتوسط الإيجارات المرتفعة في المنطقة؛ حيث تتراوح أسعار الشقق المماثلة القريبة من مقر عمله بين 3500 و3700 دولار شهريًا.
كما اختار موقع الشقة بعناية لقربه من محطة قطارات النقل السريع. إضافة إلى وجود المقاهي ومتاجر البقالة ومحال المشروبات على مسافة يمكن الوصول إليها سيرًا على الأقدام. ويساعده هذا الأمر على الاستغناء الكامل تقريبًا عن السيارة؛ ما يقلل نفقاته الشهرية بصورة كبيرة.
ويعيش زينغ بأسلوب شديد البساطة داخل منزله؛ إذ يستخدم غرفة المعيشة كمكتب للعمل ومساحة للهوايات في الوقت نفسه. بينما لا يمتلك جهاز تلفاز لأنه يعتمد بالكامل على جهاز الكمبيوتر. كما لا يستضيف ضيوفًا بشكل متكرر؛ لذلك لم يشعر بالحاجة إلى شراء أثاث إضافي يتجاوز الأساسيات.

تفاصيل الإنفاق اليومي
تضم غرفة نومه سريرًا وبطانية ووسادة وخزانة ملفات صغيرة يستخدمها كمنضدة جانبية، لكنه في المقابل أنفق 400 دولار على مرحاض ذكي. معتبرًا أن هذا النوع من الإنفاق يرتبط بتحسين جودة الحياة اليومية بشكل مباشر.
أما على مستوى التنقل فلا ينفق تقريبًا شيئًا في معظم الأشهر، باستثناء نحو 30 دولارًا أحيانًا على خدمات النقل التشاركي أو وسائل النقل العامة. بينما يعتمد غالبًا على المشي أو حافلات الشركة.
ويحافظ كذلك على نفقات منخفضة للطعام. إذ ينفق نحو 300 دولار شهريًا على البقالة و75 دولارًا فقط على تناول الطعام خارج المنزل. خاصة أن شركته توفر وجبتي الإفطار والغداء؛ ما يقلل احتياجاته اليومية للإنفاق الغذائي.
السفر والهوايات أولوية رئيسة
رغم أسلوبه المقتصد في السكن والمعيشة يخصص زينغ ما بين 400 و500 دولار شهريًا للسفر والهوايات. إضافة إلى نحو ألف دولار سنويًا كرسوم لبطاقات الائتمان التي تمنحه مزايا ونقاط سفر تساعده على خفض تكاليف الرحلات الجوية.
ويؤكد أن هذه الإستراتيجية حققت له فوائد كبيرة بالفعل؛ إذ استخدم نقاط السفر العام الماضي لحجز تذاكر درجة رجال الأعمال له ولوالده من لوس أنجلوس إلى سنغافورة. متجنبًا دفع أكثر من 5 آلاف دولار كانت ستُصرف على أسعار التذاكر.
كما يخصص جزءًا من إنفاقه الاختياري لما يعرف بمجتمع الشخصيات الحيوانية المجسمة؛ حيث يشارك في تصميم شخصيات خيالية وطلب أعمال فنية وحضور فعاليات متخصصة مع أصدقائه الذين يقضي معهم الوقت عبر تقنيات الواقع الافتراضي.
خطة استثمارية للتقاعد المبكر
بحسب زينغ، تتراوح مدخراته الشهرية بين 5 آلاف و20 ألف دولار تبعًا لتوقيت المكافآت واستحقاقات الأسهم. بينما يحرص سنويًا على استغلال الحد الأقصى المسموح به لحسابات التقاعد والاستثمار.
وتتركز استثماراته الحالية بنسبة 80% في سوق الأسهم الأمريكية و20% في الأسواق الدولية. إلى جانب ضخ أموال إضافية داخل حسابات الوساطة المالية بهدف تسريع نمو أصوله الاستثمارية.
كما يتابع كل تفاصيله المالية بصورة دقيقة للغاية. حيث ينشئ شهريًا نسخة جديدة من جدول ميزانية صممه بنفسه. فضلًا عن جداول أخرى متخصصة في متابعة الضرائب وتوقعات الرواتب ونمو الاستثمارات المستقبلية وفق سيناريوهات مختلفة.
ويقدّر زينغ أنه قد يمتلك أكثر من مليوني دولار مستثمرة بحلول سن الثلاثين إذا استمرت خطته الحالية كما هي. بينما قد تتجاوز ثروته المستثمرة 7 ملايين دولار عند بلوغه الأربعين، مع إقراره بأن الأسواق المالية وخطط التقاعد تظل خاضعة لمتغيرات لا يمكن التنبؤ بها بشكل كامل.
ويحرص كذلك على مشاركة أفكاره وخططه المالية بصورة علنية عبر مجتمعات متخصصة على الإنترنت، إلى جانب قناته الخاصة. معتبرًا أن النقاش المفتوح حول الادخار والاستثمار يساعد كثيرًا من الشباب على بناء وعي مالي أكثر توازنًا بعيدًا عن ضغوط الاستهلاك المرتفع.


