تتعرض المشاريع العملاقة لنزاعات أكثر تعقيدًا من تلك التي تظهر في المشاريع التقليدية، وذلك بسبب حجمها الهائل، وتعقيد عملياتها، وتشابك عناصرها المتعددة.
وفي حواره مع «رواد الأعمال»، يوضح سليمان العريض، مدير أكيوراسي ميدل إيست، أن هذه النزاعات غالبًا ما تجمع بين مسائل مالية، وتأخيرات، وجوانب فنية وتعويضات ضمن نزاع واحد. ما يستدعي الاستعانة بخبراء متعددي التخصصات لفهم الأسباب والأثر بدقة.
ويشير العريض إلى أن هياكل التعاقد المعقدة، وتعدد أطراف المشروع من مالك ومقاولين وموردين واستشاريين، تجعل جذور النزاع تمتد عبر علاقات متعددة، كما أن طول مدة المشاريع وتغير نطاقها يزيدان من صعوبة حل النزاعات وإعادة بناء الوقائع. ما يحولها من خلافات محدودة إلى تحديات متعددة الأطراف والتخصصات.
ومن خلال خبرته الطويلة، يؤكد العريض أن توثيق السجلات بشكل دقيق ومعاصر للوقائع يمثل أحد أهم الدروس المهنية في إدارة النزاعات بالمشاريع العملاقة. مشيرًا إلى أن الالتزام بالتوثيق لا يعد مجرد مسألة إدارية، بل أداة أساسية لإدارة المخاطر، وتجنب النزاعات قبل أن تتفاقم.
تعقيدات المشاريع
ما الذي يجعل النزاعات في المشاريع العملاقة مختلفة جوهريًا عن النزاعات في المشاريع التقليدية؟
تختلف النزاعات في المشاريع العملاقة اختلافًا جوهريًا عن تلك التي تنشأ في المشاريع التقليدية. وذلك بسبب حجمها وتعقيدها وتشابك عناصرها.
فغالبًا ما تجمع المشاريع العملاقة بين عدة أوجه للنزاع في آنٍ واحد، مثل مسائل الكمّ (القيمة المالية)، والتأخير، والجوانب الفنية، والتعويضات، ضمن نزاع واحد. ونادرًا ما تكون هذه المسائل مستقلة عن بعضها، بل تتداخل وتؤثر في بعضها البعض. ما يستلزم الاستعانة بخبراء من تخصصات مختلفة لفهم وتحليل السببية والاستحقاق وحجم الأثر بشكل دقيق.
سلاسل التوريد
كذلك من السمات المميزة الأخرى لنزاعات المشاريع العملاقة تعقيد وتجزؤ سلاسل التوريد وأنظمة التعاقد. فهياكل الشراء المعقدة، وتعدد حزم العقود. والمشاريع المشتركة، ومشاركة أطراف دولية، تعني أن جذور النزاع غالبًا ما تمتد عبر علاقات تعاقدية متعددة.
ونتيجة لذلك، قد يشمل النزاع الواحد عدة أطراف، مثل المالك، والمقاول الرئيسي، والمقاولين من الباطن، والمصممين، والموردين، والاستشاريين، ولكل منهم التزامات تعاقدية مختلفة، وتوزيع للمخاطر، وأطر قانونية متباينة.
أثر المدة الطويلة
أيضًا، تتأثر نزاعات المشاريع العملاقة بطول مدتها، وتغير نطاقها بمرور الوقت، وأهميتها الإستراتيجية. فالتغييرات تتراكم على مدى سنوات التنفيذ، وتكون السجلات ضخمة وأحيانًا غير مكتملة أو غير متناسقة.
كما تتخذ القرارات في كثير من الأحيان تحت ضغوط تجارية عالية. كل ذلك يجعل من الصعب إعادة بناء الوقائع وحل النزاعات، ويزيد من حجم التعرض المالي. ويرفع من مستوى المخاطر على جميع الأطراف. ما يحوّل النزاعات من خلافات تعاقدية محدودة إلى تحديات معقدة ومتعددة الأطراف والتخصصات.
توثيق السجلات
ما أبرز درس مهني استخلصتموه من تجاربكم في مشاريع كبرى؟
كذلك أهم درس مهني اكتسبته من عملي في المشاريع واسعة النطاق هو الأهمية البالغة لتوثيق السجلات بشكل منتظم ومعاصر للوقائع. وكما أشار ماكس أبراهامسون في كتابه قانون الهندسة وعقد ICE المنشور عام 1965 بقوله:
“إن أي طرف في نزاع، ولا سيما إذا كان النزاع تحكيميًا، سيتعلم ثلاثة دروس (لكن غالبًا بعد فوات الأوان): أهمية السجلات، أهمية السجلات، أهمية السجلات”.
كذلك في المشاريع العملاقة، يكون عدد الأطراف المشاركة عادةً كبيرًا. كما تتسم العلاقات التعاقدية والتداخلات الفنية بدرجة عالية من التعقيد.
وتتخذ القرارات على مدى فترات زمنية طويلة، وغالبًا تحت ضغوط عملية، مع تغيّر فرق العمل بمرور الوقت.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح السجلات الدقيقة مثل المراسلات، والبرامج الزمنية، وبيانات التكاليف، والتعليمات، ووثائق الموقع المعاصرة ضرورية لإعادة بناء الوقائع بشكل دقيق وموضوعي.
التحكيم الحديث
إلى أي مدى أسهم تطور التحكيم ووسائل تسوية المنازعات البديلة في خفض كلفة وزمن النزاعات، وما دور التحليل الفني والاقتصادي القائم على الأدلة في تسريع التسويات؟
أسهمت التطورات في مجال التحكيم ووسائل تسوية النزاعات البديلة (ADR) في تقليص مدة النزاعات وتكاليفها بشكل ملحوظ، وذلك من خلال التركيز بشكل أكبر على التدخل المبكر، والكفاءة في الإجراءات، واتخاذ القرارات المبنية على أسس مدروسة.
كما أن القواعد الحديثة للتحكيم، وأطر الوساطة، وآليات مجالس فض النزاعات تشجع الأطراف على معالجة الخلافات قبل أن تتبلور إلى نزاعات كاملة. ما يقلل الحاجة إلى إجراءات مطولة وتمارين إثبات واسعة النطاق. كما تتيح هذه الآليات إدارة النزاعات بصورة متناسبة، مع تكييف الإجراءات وفقًا لتعقيد النزاع وقيمته.
أسبوع الرياض للنزاعات
كيف يسهم أسبوع الرياض الدولي لتسوية المنازعات في ترسيخ مكانة المملكة كمركز مؤثر في صياغة مستقبل هذا القطاع إقليميًا ودوليًا؟
أسبوع الرياض الدولي للنزاعات (RIDW)، الذي ينظمه المركز السعودي للتحكيم التجاري (SCCA)، يعزز موقع المملكة العربية السعودية كمركز إقليمي ودولي لحل النزاعات من خلال جمع مجتمع عالمي متنوع من أصحاب المصلحة.
كما يجذب الحدث آلاف المشاركين من عشرات الدول، بما في ذلك المحكمين والقضاة والممارسين القانونيين وصانعي السياسات والأكاديميين والخبراء وقادة الأعمال.
ومن خلال استضافة هذه الخبرات الدولية الواسعة في الرياض، يعزز أسبوع الرياض الدولي للنزاعات رؤية المملكة ومصداقيتها وجاذبيتها كمركز مفضل للتحكيم وأشكال أخرى من تسوية النزاعات البديلة.
مهارات الخبير
ما المهارة الأهم التي يجب أن يمتلكها خبير المنازعات في المشاريع الكبرى اليوم؟
أهم مهارة يحتاجها خبير النزاعات العامل في المشاريع الكبرى اليوم هي القدرة على التعامل مع تعقيدات المشروع. فالمشاريع الكبرى تنطوي عادةً على عقود متعددة. ونطاق واسع من أصحاب المصلحة، وتخصصات فنية متنوعة، وتمتد على فترات زمنية طويلة.
كما يجب على الخبير أن يكون قادرًا على رؤية الصورة الكاملة في مرحلة مبكرة لتكوين رأي عادل ومتوازن. وفي الوقت نفسه، تظل الدقة في التفاصيل أمرًا بالغ الأهمية، إذ قد يكون للتفاصيل الفنية أو التعاقدية الصغيرة أثر جوهري على السببية وحجم الأثر.


