تحتل تقنيات الذكاء الاصطناعي – شركة Intella ضمن هذا المضمار – موقعًا متقدمًا في سباق التحول الرقمي الذي تشهده المملكة العربية السعودية. حيث تسعى مختلف القطاعات؛ من البنوك وشركات الاتصالات إلى المؤسسات الحكومية، للاستفادة من إمكاناتها في تحسين تجربة العملاء وتعزيز كفاءة الخدمات.
وفي هذا السياق تبرز شركة Intella كأحد النماذج الريادية التي نجحت في بناء حلول قائمة على الذكاء الاصطناعي مخصصة للمنطقة العربية. معززة بقدرتها الفائقة على فهم اللهجات العربية المتعددة بنسبة دقة عالية بلغت 95.07%. وهو ما يمنحها ميزة تنافسية واضحة في السوق.
في حوار “رواد الأعمال” مع نور الطاهر؛ المديرة التنفيذية والشريكة المؤسسة لـ شركة Intella. نتعرف على كيفية توظيف هذه التقنية في خدمة القطاعات الحيوية داخل المملكة.
بينما نوضح كيف استطاعت الشركة أن تبني نموذجًا يحول المكالمات الصوتية إلى بيانات ثرية قابلة للتحليل. ما يفتح آفاقًا جديدة أمام المؤسسات لفهم عملائها، وتحسين الأداء الداخلي. وصناعة قرارات أكثر دقة وفاعلية.
معالجة الكلام باللهجات العربية المتعددة
ما الدافع الأساسي وراء إطلاق شركة تركز على معالجة الكلام باللهجات العربية المتعددة؟ وكيف تطورت هذه الرؤية؟
الدافع كان شعورًا عميقًا بالمسؤولية تجاه منطقتنا. ولاحظنا أن ثورة الذكاء الاصطناعي العالمية كانت تتحدث معطم لغات العالم، إلا أنها كانت تقف عاجزة أمام فهم لهجاتنا العربية.
فيما كانت الشركات في منطقتنا تستثمر الملايين في تقنيات لم تبنى لفهم لغة وأسواق عملائها. رؤيتنا في شركة Intella كانت بسيطة لكنها جذرية: بدلًا من “تعريب” التكنولوجيا العالمية نبني تكنولوجيا “عربية المولد”. تنشأ من بيئتنا وتفهم ثقافتنا وتتحدث بلساننا.
في حين بدأنا بالتركيز على حل المشكلة الأصعب. وبنينا محركًا هو الأدق عالميًا في فهم اللهجات العربية. واليوم تطورت هذه الرؤية من مجرد “الفهم” إلى “التفاعل”. ولم نعد فقط نحلل المحادثات، بل أصبحنا نبني الجيل القادم من تجارب العملاء عبر شخصيتنا الرقمية “Ziila”.

ذكرت شركة Intella قدرة النماذج الخاصة بها على تغطية أكثر من 25 لهجة عربية بدقة تصل إلى 95.73%. كيف تمكّنت إنتيلا من جمع البيانات وتطوير نماذج بهذه الدقة؟ وما أبرز التحديات التقنية التي واجهتكم؟
هذه الدقة هي حجر الزاوية في كل ما نفعله، وهي نتاج استثمار إستراتيجي عميق. فالتحدي الأكبر، والنقطة التي فشلت فيها الشركات العالمية هو عدم وجود قواعد بيانات صوتية مُصنّفة للهجات العربية المحكية.
بينما لحل هذه المشكلة اتخذنا الطريق الأصعب. فاستثمرنا 18 شهرًا وفريقًا كاملًا من مهندسينا وخبرائنا اللغويين الناطقين بالعربية في بناء واحدة من أضخم قواعد البيانات الخاصة باللهجات العربية من الصفر.
هذا هو “الخندق الدفاعي” التكنولوجي الذي بنيناه. ويصعب على أي منافس تقليده.
جولة Series A بقيمة 12.5 مليون دولار
تم إعلان إغلاق جولة Series A بقيمة 12.5 مليون دولار. كيف تستخدم هذه الأموال لدفع النمو؟
هذا التمويل هو شهادة ثقة في رؤيتنا. كما أنه الوقود الذي يسرّع من تحقيقها. سنوجهه نحو ثلاثة محاور إستراتيجية:
- تعميق ريادتنا التكنولوجية: عبر مضاعفة استثماراتنا في البحث والتطوير.
- تسريع التوسع الإقليمي: بتعزيز فرق عملنا في مصر والسعودية. والتمهيد لدخول أسواق جديدة.
- تطوير منظومة منتجات متكاملة: تجمع بين التحليل الذكي والتفاعل الآلي. لتلبية الطلب المتزايد من كبرى المؤسسات.

ما أولويات اهتماماتكم بعد هذه الجولة؟
أولوياتنا في شركة Intella تعمل كمنظومة متكاملة. أولًا: البحث والتطوير لأنه أساس تفوقنا. ثانيًا: المنتجات، وعلى رأسها تقديم حل يدمج قوة تحليل IntellaCX مع القدرة التفاعلية لـZiila.
ثالثًا: المواهب، فاستقطاب أفضل العقول في مكاتبنا في مصر والسعودية هو ما يحول هذه الخطط إلى واقع.
ما الذي جذب Prosus وغيرها كقادة ومستثمرين لهذه الجولة؟ وماذا تقول مشاركة مثل HearstLab عن توجهات السوق وتقييمهم لتقنياتكم؟
أعتقد أن ما جذب مستثمرين من العيار الثقيل مثل “Prosus” هو رؤيتهم لفرصة سوقية ضخمة لم يخدمها أحد بشكل صحيح. ووجود فريق بنى حلًا تكنولوجيًا متفوقًا ومحميًا.
علاوة على ذلك هم لم يروا فينا مجرد شركة ذكاء اصطناعي. بل رأوا الشركة التي تمتلك التكنولوجيا والتوقيت المناسبين لقيادة هذا القطاع في المنطقة.
أما مشاركة “HearstLab”، الذراع الاستثمارية لمؤسسة “Hearst” الإعلامية العالمية. فهي شهادة قوية على القيمة التجارية لتقنيتنا في قطاع الإعلام، وهو ما نخدمه عبر منتجنا IntellaMX.
مشروع “Ziila”
من أبرز إنجازاتكم مشروع “Ziila”. هل يمكن أن تحدثينا عن مراحل تطويره؟ وكيف تعامل مع تنوع اللهجات؟
“Ziila” هي التطور الطبيعي لقصتنا. بعد أن أتقنا “فن الاستماع” بدقة.كان لا بد أن ننتقل إلى “فن الحوار”.
كذلك مراحل تطويرها كانت مبنية على الاستفادة من كنز البيانات اللهجية الذي نمتلكه. وشراكتنا مع “جوميا” كانت الاختبار الحقيقي في بيئة تجارية واقعية. وأثبتت “‘Ziila” قدرتها على فهم تعقيدات اللهجة المصرية بطلاقة.
ما أبرز القطاعات التي نجحت إنتيلا في اختراقها حتى الآن؟ وأي القطاعات الجديدة تأملون التوسع فيها مستقبلًا؟
نجاحنا الأكبر في شركة Intella كان في القطاعات التي تضع الدقة والأمان على رأس أولوياتها، مثل: القطاع المالي والمصرفي، والاتصالات، والجهات الحكومية.
في حين مستقبلًا نرى فرص نمو هائلة في قطاعات تعتمد بشكل حيوي على تجربة العميل. مثل: التجارة الإلكترونية، والتأمين، وتكنولوجيا الأغذية، والرعاية الصحية.
في ظل أن اللغة العربية هي الخامسة عالميًا من حيث الانتشار، ما أكثر العقبات التي واجهتموها، وكيف تغلبتم عليها؟
العقبة الأكبر كانت هي نفسها الفرصة الأعظم، وعدم وجود بيانات صوتية موثوقة للهجاتنا. تغلبنا عليها بأننا لم نبحث عن حلول جاهزة، بل قررنا أن نبنيها بأنفسنا.
هذا التحدي الذي واجهناه في البداية هو اليوم أكبر حصن تكنولوجي لدينا.

التوسع خارج السعودية
هل لديكم خطة لدخول أسواق جديدة خارج السعودية ومصر؟
إستراتيجيتنا للتوسع تعتمد على مراحل مدروسة. بدأنا بترسيخ ريادتنا في أسواقنا الرئيسة: مصر والمملكة العربية السعودية. حيث أثبتنا قوة نموذج عملنا مع كبرى المؤسسات.
وبناءً على هذا النجاح بدأنا بالفعل مرحلة توسعنا الإقليمي. إذ نجحنا في بناء شراكات إستراتيجية هامة في أسواق واعدة مثل: الأردن وسلطنة عمان.
بينما التمويل الأخير يمكّننا من تسريع هذه الإستراتيجية وتعميق وجودنا في باقي دول الخليج وشمال إفريقيا فريقيا، تمهيدًا للانطلاق عالميًا لخدمة ملايين العرب في الخارج.
كيف تصفين تأثير تقنياتكم في تحويل “المحادثة إلى بيانات إستراتيجية”؟ وكيف ترون مستقبل الذكاء الاصطناعي المحكي بالمقارنة مع النصي في العالم العربي؟
كل محادثة بين شركة وعميل هي “بئر من البيانات” غير المستغلة. تقنيتنا تستخرج هذه البيانات وتحولها إلى رؤى إستراتيجية واضحة.
أما عن مستقبل الذكاء الاصطناعي المحكي فأنا أؤمن أنه سيكون الواجهة الأساسية للتفاعل في منطقتنا. لأن ثقافتنا شفهية بطبيعتها، والحوار الصوتي أكثر طبيعية وسرعة، وتقنياتنا مبنية لتقود هذا المستقبل.
الفلسفة القيادية في بناء فريق شركة Intella
بصفتك مؤسسة للشركة ورئيسة تنفيذية ما فلسفتك القيادية في بناء فريق إنتيلا؟ وما حجم الفريق حاليًا؟
فلسفتي هي استقطاب أفضل العقول الشغوفة بحل المشكلة التي نعمل عليها. ثم تمكينهم.
وأنا أؤمن ببناء ثقافة “الملكية”؛ حيث يشعر كل فرد في الفريق بأنه شريك في النجاح. حاليًا يضم فريقنا أكثر من 80 متخصصًا ومبتكرًا، ونحن في مرحلة نمو متسارعة.
كيف ترين دور المرأة في صناعة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في المنطقة؟ وما النصيحة التي توجهينها لسيدات أخريات يرغبن في دخول المجال؟
دور المرأة في قطاع التكنولوجيا اليوم هو دور قيادي ومحوري. نصيحتي لكل سيدة: ثقي بقدراتك، وابني شبكة علاقات قوية. ولا تخافي من تحدي الوضع الراهن.
والأهم: ابحثي عن مشكلة حقيقية تؤمنين بحلها. واجعلي هذا الشغف هو وقودك للنجاح.
رؤية 2030
كيف ترون البيئة الاستثمارية في السعودية، خاصة مع رؤية 2030؟
البيئة الاستثمارية في السعودية اليوم هي واحدة من أكثر البيئات حيوية في العالم.
ورؤية 2030 لم تكن مجرد خطة بل كانت شرارة أشعلت منظومة كاملة من الابتكار والتحول الرقمي؛ ما وفر طلبًا هائلًا على التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي.
هل تفكرون في إنشاء مركز أبحاث أو مقر إقليمي في السعودية؟
يوجد مقر لنا في المملكة العربية السعودية بالفعل. ومكتبنا في الرياض هو مركزنا التجاري لمنطقة الخليج بأكملها.
كما ندرس باستمرار تعميق وجودنا في المملكة بما يخدم المواهب المحلية. ويساهم في تحقيق أهداف الرؤية.
من وجهة نظرك كرائدة أعمال ما الذي يميز السوق السعودية عن باقي أسواق المنطقة؟
ما يميز السوق السعودية هو ثلاثة أشياء: حجم الطموح، وسرعة التنفيذ، والدعم الحكومي الإستراتيجي.
في حين أن الشركات والحكومة في المملكة لا تتبنى التقنية لمجرد المواكبة، بل لقيادة التغيير.
هل هناك جولات تمويلية أخرى تعتزم الشركة إغلاقها؟ وما هو حجمها؟
بعد إغلاق جولة (Series A) بنجاح تركيزنا منصب بالكامل على تنفيذ خطة النمو التي وضعناها. والحديث عن جولات مستقبلية سابق لأوانه.
ماذا عن هيكل ملكية الشركة؟ وهل تسعى للاكتتاب في البورصة؟
شركة Intella هي شركة خاصة، والمساهمون فيها هم المؤسسون ونخبة من أبرز المستثمرين.
وفكرة الاكتتاب في البورصة قد تكون خيارًا مستقبليًا. لكن تركيزنا حاليًا هو بناء شركة قوية ومستدامة.
خطط Intella المستقبلية
ماذا عن الخطط الإستراتيجية للشركة؟ وهل تعتزم التوسع في أسواق أخرى؟
خطتنا الإستراتيجية واضحة: ترسيخ ريادتنا في سوق الذكاء الاصطناعي باللهجات العربية.
إضافة إلى تعميق منظومة منتجاتنا المتكاملة، والتوسع المدروس في أسواق جديدة.
كيف ترون الفرص الريادية في مجال الذكاء الاصطناعي؟
الفرص هائلة، ولكن نصيحتي لرواد الأعمال هي التركيز على “الطبقة التطبيقية” (Application Layer).
لا تحاولوا منافسة الشركات العالمية في بناء النماذج اللغوية الضخمة. بل ابحثوا عن مشكلة حقيقية في سوقكم يمكن حلها باستخدام هذه التقنيات.
ما حصتكم السوقية في القطاع الذي تعملون فيه؟
في القطاع الذي نعتبره ملعبنا الأساسي، وهو “ذكاء المحادثات باللهجات العربية للمؤسسات”. نحن نرى أنفسنا كقائد للسوق بفارق كبير.
والمنافسة الحقيقية ليست من شركات عربية أخرى. بل من اللاعبين العالميين الذين ما زالوا يحاولون تكييف تقنياتهم لتناسب منطقتنا.
حوار: منار بحيري


