يقال إنَّ الأسواق عادةً ما تكون فوضوية، وإنَّ الناس غامضون بطبيعتهم، وإنَّ تحقيق النجاح ليس سهلًا؛ لذا يجب الأن يلجأ رواد الأعمال وأصحاب الشركات إلى “الابتكار”، الذي يمهد الطريق إلى الرواج السلعي؛ بهدف جذب اهتمام المستهلكين.
الرواج المطلوب
ليس هناك قاعدة واحدة يمكن وصفها لتحقيق الرواج لسلعة معينة، وإنما هي مجموعة علوم تعنى بتحقيق الرواج المطلوب، في مجالات علم النفس والاجتماع والصناعة والاقتصاد، كما لا توجد معادلة واحدة للنجاح.
ولولا ذلك لأنتج الصُنَّاع سلعًا متشابهة، لا يحقق أيٌّ منها التفرد المطلوب، أو لردد البعض قول الكاتب المسرحي إدوارد مور: “ثريا أبعد من أحلام الجشع”؛ فالناس يريدون الابتكار وفي نفس الوقت يبحثون عن الشعور بالألفة؛ أي يريدون الجمع بين التحدي والارتياح، فيما يبدو وكأنه سلوك فُطِروا عليه.
الاعتبار الزمني
كان الاعتبار الزمني في تاريخ إنتاج السلع الرائجة معيارًا لكل شيء تقريبًا؛ فعندما طرحت شركة “آبل” أول لوح رقمي لها باسم “آبل نيوتن” عام 1993 كانت أجهزة الكمبيوتر ذات الاستخدام الخاص شيئًا من الخيال العلمي؛ لذا لم يحقق هذا الجهاز نجاحًا يذكر، ولكن لمَّا طرحت الشركة جهاز “آبل i pad” عام 2010 حقق نجاحًا كبيرًا، بعدما ألِف الجمهور استخدام الكمبيوتر الثابت في مختلف الأغراض الشخصية والعملية.
إن العلاقة بين الرواج والمفاجأة المألوفة، علاقة قديمة اعتمدت عليها المشاريع الفنية سابقًا للترويج للأعمال الدرامية والمسرحية والمسلسلات العربية والفنون التشكيلية التي قدمت ماهو مألوف للمشاهدين؛ مثل الشخصيات التاريخية العسكرية، ولكنَّ الاختلاف كان مع عنصر جديد، تمثَّل في طبيعة الإطار الفني الحديث المُدعَم بوسائل الخدع والإبهار التكنولوجي.
الترويج الإعلاني
ومن الفنانين من حقق شهرة كبيرة في مجاله، ومنهم من لم يحقق شيئًا، بالرغم من جودة أعمالهم؛ كالرسام الفرنسي جوستاف كاييبوت الذي كان من أكبر هواة جمع القطع الفنية النادرة، وأوصى الحكومة الفرنسية مقابل إهدائها هذه القطع، أن تعرضها بعد موته في متحف لوكسمبورج بباريس.
حينها تركت هذه القطع انطباعًا رائعًا لدى زوار المتحف، أدى إلى انفتاح الناس على نوع جديد من الرسوم عُرِف باسم “المدرسة الانطباعية”؛ ما يشير إلى أهمية السعي في المنافسة على أهم سلعة؛ وهي اهتمام الناس الذي لا يمكن تحقيقه، إلا باعتماد أسلوب الترويج الإعلاني المناسب والصحيح.

المألوف والمبتكر
ومثلما تفوّق المألوف على المبتكر، يتفوق التوزيع على المحتوى؛ إذ من الخطأ الاعتقاد بأن الأشياء ذات النوعية الجيدة هي ما يتلقفه السوق تلقائيًا، فعالم اليوم حيث المنصات الإعلامية الضخمة ووسائل التوزيع الذكية والسريعة هي التي تتحكم في أذواق واختيارات المستهلكين، والتي تخضع لقوة الإعلان، الذي تدفع جودته المستهلكين إلى شراء سلع ليسوا في حاجة إليها.
التحكم في ميول المستهلك
وهناك جهود واسعة؛ للتأثير في تفكير المستهلك والتحكم في ميوله؛ إذ تم تسجيل نجاح مثير للإعجاب في تشكيل اتجاهات المستهلكين وتغيير عاداتهم وتعديل قرارات الشراء؛ بالاعتماد على وسائل إعلان مستترة تستخدم عدة أشكال يقوم عليها باحثون تحفيزيون مدربون على إجراء تحقيق عميق في خبايا النفس؛ من أجل تصميم حملات إعلانية تستغل تلك الخبايا لمعرفة طبيعة الدوافع والمحفزات التي تجعل المستهلك يصدق ويشتري ويقتنع بالسلع التي لاتمثل أولوية في حياته.
وكمثال حي على ذلك، قررت شركة “جنرال فودز” تبديل صورة أحد منتجاتها على غلاف العلبة؛ لأنها كانت متعددة الطبقات والألوان بشكل ولَّد إحساسًا بالعجز لدى السيدات في عملها؛ لصعوبة صنع ما يشبهها؛ فتم استبدالها بصورة لنفس المنتج، ولكن من طبقة واحدة ولون واحد؛ فزاد حجم المبيعات.
وكان بعض العاملين في مجال التسويق يتجاهلون علم النفس التحليلي، ويتجاوزون قواعده؛ فيعطون أوامر مبهمة للعقل الباطن من خلال بث ومضة إعلانية سريعة لنوع معين من الطعام في صالات العرض السينمائي مثلًا؛ ما حقق زيادة كبيرة في المبيعات.
أهمية التصميم
وسبق أن اشتكت مديرة شركة إنتاج صابون لمهندس شاب في مجال التصميم الصناعي أن منتجها جيد ولكنه لا يلقى رواجًا؛ فاكتشف أن تصميم غلاف الصابونة كان السبب وراء نفور المستهلكين منها، فاستبدله بتصميم أكسب الغلاف رونقًا مميزًا، وأضاف له تفاصيل جمالية وعبارات تبين مزايا الصابونة؛ ما أدى إلى تحقيق الرواج المطلوب.
استغلت الإعلانات التجارية الجديدة الحاجة البشرية للتباهي والتفاخر من أجل تغذية الميل إلى حب الظهور؛ بعرض منتجات تمثل إضافة شخصية إيجابية للصورة التي يريد المستهلك الظهور بها في المجتمع؛ مثل الهواتف الذكية التي أصبحت رمزًا للمكانة؛ إذ أصبح عدم امتلاك أحدثها يعطي شعورًا بالدونية؛ فالجميع يريد أرقى الموضات من الملابس، وأحدث طراز من السيارات وأجهزة الكمبيوتر، وأرقى العطور، وهو الدور الذي يؤديه الإعلان، والذي يدفع المستهلك إلى إنفاق ماله جهد على منتجات لي في حاجة إليها.
في عصرنا الرقمي، هناك اعتقاد بأن رواج السلع يعود في جزء كبير منه إلى شبكات التواصل الاجتماعي، ولكن ليس هذا هو السبب المباشر؛ فقبل اختراع الإنترنت والهواتف الذكية بزمن طويل عُرِضت سلع كثيرة في مناخ تنافسي شديد فراج العديد منها دون غيرها وحقق انتشارًا واسعًا؛ حتى صار جزءًا من حياتنا اليومية.


