تخرج حديثًا من كليته، حالِمًا بتحويل مشروع تخرجه الذي برُع في فكرتِه وتخطيطِه في مزيج بين الإبداع والتكنولوجيا المتقدمة، إلى شركة ناشئة طموحة، بمجال الهندسة الطبية، سيستفيد منها ملايين المرضى، داخل وخارج حدود وطنه.
في حين تقدم بمشروعه كفكرة مبتكرة لإحدى حاضنات التكنولوجيا، والتي قبلته على الفور؛ ليبدأ رحلة تطوير وتحسين منتجه على مدى ثلاث سنوات، ثم تخرَّج من الحاضنة مخطِطًا للحصول على موقع مناسب لتشييد أول خط إنتاج بغرض تصنيع منتجات شركته، و نجح في الحصول على تمويل من إحدى الصناديق المتخصصة، لهذا الغرض.
وبعد الحصول على الموافقات اللازمة، وشهادات الجودة الدولية، بدأ بتسويق منتجاته محليًا وعالميًا، وحقق نجاحًا لافتًا ومستقبلًا واعدًا.
كما أثار هذا النجاح حفيظة أحد المستوردين لمنتجات مشابهة ذات جودة أقل، فشعر أنَّ الوافد الجديد بالسوق يمثل تهديدًا حقيقيًا لأعماله؛ فمارس الضغط عليه، وعرض منتجاته المستوردة بهوامش ربح أعلى للتجار، مقابل احتكار الأسواق لصالحه؛ ما أدى في النهاية إلى إغلاق الشركة الناشئة أبوابها، وبيع معداتها، ونقل نشاطها إلى دولة أخرى، تتميز ببيئة قانونية عادلة وبيئة تنافسية نزيهة. وهناك، حقق النجاح وصار يصدر منتجاته إلى سبع وثلاثين دولة.
أصحاب العقول النيرة
إنها قصة قصيرة تحمل بين طياتها الألم والأمل، الظلم والعدل، والجهل والحكمة، وتتكرر في كثير من البلدان، في وقت تتنافس دول أخرى لاستقطاب أصحاب العقول النيرة من رواد الأعمال، بخلاف الباحثين والعلماء، في عصر البقاء فيه للأقوى اقتصاديًا وعلميًا وتقنيًا.
معادلات ريادية
منذ أكثر من عشرين عامًا، أطلقت معادلاتي الريادية، على غرار الرياضية؛ وهي:
شباب + أحلام ريادية = ريادة أعمال
ريادة أعمال + إرادة دولة = ملايين الشركات الناشئة والمنشآت الصغيرة الناجحة
شركات ناشئة ومنشآت صغيرة + دعم مجتمعي = نماء اقتصادي واجتماعي
وعلى النقيض
شباب + وأد الأحلام= هجرة خير من أنجبهم الوطن
هجرة الشباب + بقاء المحتكرين = فشل وانهيار الدولة
الكعكة الاستثمارية
كذلك كتبت وكتب غيري، عن التأثير الاقتصادي والاجتماعي لريادة الأعمال، ولكننا لم نتطرق بشكل كافٍ إلى تأثيرها على الاستقرار السياسي وزيادة ولاء الشباب للوطن، عندما يشعرون أنَّ لهم نصيبًا عادلًا من الكعكة الاستثمارية الضخمة التي تتمتع بها بلدانهم.
التغيير الإيجابي
كما إنَّ رائد الأعمال، هو من يُعَمِّر الأرض، ويُحدث التغيير الإيجابي في أي مجتمع؛ فحلمه مثل البذرة الصغيرة، التي تضرب بجذورها في الأرض؛ لتعود شجرة وارفة مثمرة له ولمجتمعه ولوطنه. ولأنه لا يزال يافعًا، ولم يتلوث بعد؛ فإنه يفضل أن يستثمر بين جنبات مجتمعه، وأن يكون وطنه هو المستفيد الأكبر، ونقطة انطلاقه للعالمية.
تعزيز روح الانتماء
وليست ريادة الأعمال مجرد عملية اقتصادية بحتة، بل عملية متشابكة مع الاستقرار السياسي والاجتماعي، وركيزة بناء الأوطان وتعزيز روح الانتماء بين الشباب؛ فعندما يجد الشاب الدعم والتشجيع من وطنه، وعندما تتوافر له بيئة عادلة وفرص متساوية للتنافس، يتضاعف حماسه للعمل والاجتهاد، ويتحول ولاؤه لوطنه إلى قناعة راسخة بأنه جزء من مسيرة التنمية والتقدم.
في المقابل، عندما يدرك الشاب، أن بعض رجال الأعمال الكبار يسعون إلى إصدار تشريعات لحماية مصالحهم، وتكريس احتكارهم لقطاعات معينة، فإنه يرى نفسه مُحاصَرًا في وطنه، فاقدًا للأمل في تحقيق حلمه؛ فيبحث عن بيئة أكثر استقرارًا وعدالة في مكان آخر. وهنا تبدأ معادلة الهجرة التي تستنزف العقول. وتترك الوطن يئن تحت وطأة الجمود الاقتصادي والتراجع الاجتماعي.
الاستثمار في الشباب
في نهاية المطاف، يجب على الدول التي تطمح لتحقيق الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي أن تستثمر في شبابها عبر دعم ريادة الأعمال بكل السبل الممكنة؛ فالشباب هم العمود الفقري لأي مجتمع، وطموحاتهم وأحلامهم هي الوقود الذي يدفع عجلة التقدم؛ لذا يمثل الاستثمار فيهم استثمارًا في مستقبل الوطن، وفي استقراره الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.


