لم تعد المبادرات الداعمة للمشاريع الصغيرة في السعودية مجرد أطر تمويلية، بل تحوّلت إلى استراتيجيات بنكية راسخة تصنع الفرق في بيئة الأعمال المحلية. وتعد دعم المشاريع الصغيرة في المملكة ركيزة أساسية لتعزيز النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.
وفي هذا السياق، شهد الربع الثاني من عام 2024 قفزة نوعية في إجمالي حجم التسهيلات الائتمانية الممنوحة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر؛ حيث بلغت 307.4 مليار ريال. بزيادة لافتة قدرها 17% مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق. ما يؤكد على فعالية برامج دعم المشاريع الصغيرة في المملكة.
المنشآت المتوسطة تتصدر
وتظهر الأرقام تفوقًا واضحًا للمنشآت المتوسطة في الاستفادة من هذه التسهيلات؛ حيث استحوذت على النصيب الأكبر بنحو 167.3 مليار ريال، تلتها المنشآت الصغيرة بـ 106.4 مليار ريال، ثم المنشآت متناهية الصغر بـ 33.7 مليار ريال. ويعكس هذا التوزيع الفهم العميق لاحتياجات كل شريحة. ويؤكد على أن دعم المشاريع الصغيرة في المملكة يتطلب نهجًا تفصيليًا يراعي خصائص كل حجم من أحجام الشركات. سعيًا لضمان استمرارية عجلة التنمية ورفد السوق بالقدرات الشابة والابتكارية.
وتصنف المنشآت المتوسطة في المملكة بناءً على إيرادات سنوية تتراوح بين 40 و200 مليون ريال أو عدد موظفين يتراوح بين 50 و249 موظفًا. أما المنشآت الصغيرة، فتتراوح إيراداتها السنوية بين 3 و40 مليون ريال أو يتراوح عدد موظفيها بين 6 و49 موظفًا. وفي المقابل، تمثل المنشآت متناهية الصغر تلك التي تقل إيراداتها السنوية عن 3 ملايين ريال، وتضم أقل من 5 موظفين. هذه التصنيفات الدقيقة تمكن المؤسسات المالية من توجيه برامج دعم المشاريع الصغيرة في المملكة بفعالية أكبر. وتقديم الحلول التمويلية التي تتناسب مع القدرة التشغيلية والتوسعية لكل فئة.
وفي تحليل البيانات الصادرة عن البنك المركزي السعودي “ساما”، يتضح أن القطاع المصرفي يضطلع بالدور الأكبر في تمويل هذه المشاريع؛ حيث بلغت تمويلاته 289.8 مليار ريال، ما يعادل حوالي 94% من إجمالي التسهيلات. وأما شركات التمويل، فقد قدمت 17.6 مليار ريال، أي ما يعادل 6%. وتبرهن هذه الأرقام على أن دعم المشاريع الصغيرة في المملكة بات مسؤولية مشتركة تتصدرها البنوك الوطنية. الأمر الذي يعزز من الثقة في الاقتصاد المحلي ويفتح آفاقًا أرحب لرواد الأعمال والمستثمرين الصغار.

شراكة استراتيجية لتعزيز الاقتصاد الوطني
تولي البنوك السعودية اهتمامًا بالغًا بتمكين أو دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، انطلاقًا من إدراكها العميق للدور الحيوي الذي تؤديه هذه الفئة في تعزيز النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل. وتتنوع أوجه الدعم التي تقدمها البنوك، لتشمل برامج تمويلية مبتكرة، وحلولًا مصرفية متخصصة. فضلًا عن شراكات فاعلة مع جهات حكومية مثل: “منشآت” وبرنامج “كفالة”، في إطار رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تمكين رواد الأعمال ورفع مساهمة المنشآت الصغيرة في الناتج المحلي.
-
بنك التنمية الاجتماعية:
يعد بنك التنمية الاجتماعية من أبرز الجهات الداعمة للمشاريع الصغيرة في المملكة؛ حيث يوفر تمويلًا مباشرًا وميسرًا لرواد الأعمال، عبر برامج تستجيب لطبيعة السوق. ومن أبرز هذه البرامج “تمويل التطبيقات الإلكترونية – جاهز”، الذي يستهدف المنشآت المعتمدة على تطبيقات التوصيل، بتمويل يصل إلى 10 ملايين ريال. كذلك، يتيح البنك برنامج “تمويل رواد الأعمال” بحد تمويلي يتراوح بين 50 ألف و500 ألف ريال، وفترة سداد تمتد حتى 9 سنوات. ما يعكس مرونة البنك في تمكين أصحاب المشاريع الناشئة.
-
البنك الأهلي السعودي:
في حين يبرز البنك الأهلي السعودي كلاعب محوري في مجال تمويل المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة؛ حيث يتصدر قائمة البنوك من حيث قيمة الكفالات الممنوحة ضمن برنامج “كفالة”. ما يسهّل على العملاء الحصول على التمويل اللازم للنمو والتوسع. كما يتعاون البنك مع “منشآت” لتقديم برامج تمويلية تنافسية، مثل: تمويل الامتياز التجاري والنفقات الرأسمالية. علاوة على برامج تمويل تعتمد على متحصلات نقاط البيع. ما يعكس شمولية الحلول المصرفية التي يقدمها.
-
بنك الرياض:
كذلك، يقدم بنك الرياض مجموعة متكاملة من المنتجات التمويلية التي تخدم احتياجات المنشآت الصغيرة. منها برنامج “كفالة” لتمويل رأس المال العامل والمشاريع القائمة. وبرنامج “تمويل الرواتب” الذي يتيح تمويلًا يصل إلى 200 ألف ريال للمنشآت متناهية الصغر. كما يوفر البنك برنامج تمويل مقابل متحصلات نقاط البيع. الذي يعد حلًا مرنًا للشركات الراغبة في الحصول على تمويل قصير الأجل لمواجهة التزاماتها التشغيلية.
-
البنك السعودي للاستثمار:
من جهة أخرى، يواصل البنك السعودي للاستثمار دعم قطاع الأعمال عبر حزمة من الحلول التمويلية المصممة لتعزيز النمو. من أبرزها تمويل رأس المال العامل، الذي يمكّن المنشآت من تحسين سيولتها النقدية. وتمويل المشاريع والعقود، الذي يشمل خطابات الضمان وخصم الفواتير. ما يسهم في تسريع تنفيذ المشاريع وتقليل الضغوط المالية على المنشآت أثناء مراحل التنفيذ المختلفة.
-
بنك ساب:
كما يولي البنك السعودي البريطاني (ساب) اهتمامًا خاصًا بالمشاريع الصغيرة. ويعتبرها من القطاعات الاستراتيجية لنموه المستقبلي. ويقدم البنك كفالات تصل إلى 15 مليون ريال للمنشآت المتوسطة. ويخصص منتجات خاصة للمنشآت الناشئة التي لم تتجاوز ثلاث سنوات منذ تأسيسها. بينما يقدّم “ساب” أيضًا برامج تمويل مخصصة لقطاع التقنية. بالتعاون مع البرنامج الوطني لتنمية تقنية المعلومات وبرنامج “كفالة”. ما يؤكد التزامه بدعم التحول الرقمي وريادة الأعمال التقنية.

شراكات حكومية تعزز التمكين الاقتصادي
علاوة على ذلك، تمثل الشراكات بين البنوك السعودية والجهات الحكومية. مثل: “منشآت” و”كفالة” نموذجًا ناجحًا للتكامل بين القطاعين العام والخاص في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. إذ تسهم هذه الشراكات في تقليل مخاطر التمويل على البنوك. وتقديم ضمانات تشجعها على التوسع في تمويل المشاريع الصغيرة. ما يؤدي إلى نمو الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل جديدة.
وفي ضوء ما تقدمه البنوك السعودية من حلول مالية متطورة وشراكات داعمة. يتجلى بوضوح الدور المتنامي لهذا القطاع في دعم ريادة الأعمال. وتمكين المنشآت الصغيرة من تجاوز التحديات، وتوسيع نطاق أعمالها داخل السوق المحلي. ومن الضروري أن يستمر تطوير هذه البرامج بما يتماشى مع تطورات السوق واحتياجات رواد الأعمال. لضمان بيئة مصرفية محفزة تواكب طموحات المملكة في التحول إلى اقتصاد متنوع ومستدام.


