في خطوة مفاجئة هزّت أركان وول ستريت وأثارت جدلًا واسعًا بين المستثمرين تم تخفيض تصنيف أسهم شركة بيركشاير هاثاواي، المدرجة تحت الرمز (BRKa.N)، إلى “أداء دون السوق”.
هذا القرار الحاسم جاء على يد شركة “كيف برويت وودز” ليشير إلى تحول جذري في التوقعات المستقبلية لأداء عملاق الاستثمار الذي أسسه الملياردير الأمريكي وارن بافيت.
وبحسب التقرير الصادر عن الشركة، الذي أشارت إليه وكالة «رويترز»، أوضحت “كيف برويت وودز” أن هذا التخفيض غير المعتاد نابع من مجموعة معقدة من العوامل المتشابكة التي ستؤثر سلبًا في سعر سهم الشركة.
وتشمل هذه العوامل: تراجع هوامش التأمين على السيارات، وتأثير الرسوم الجمركية في قطاع النقل. وانخفاض أسعار الفائدة، وتقلص الإعفاءات الضريبية للطاقة النظيفة. بالإضافة إلى العامل الأهم وهو رحيل الأسطورة وارن بافيت.
تخفيض السعر المستهدف
لم يكتف المحلل ماير شيلدز في شركة KBW، الذي كان صَنّف سابقًا أسهم بيركشاير بتصنيف “أداء السوق” المحايد، بتخفيض التصنيف فحسب. بل خفّض أيضًا السعر المستهدف لأسهم الفئة (A) التابعة للمجموعة، ومقرها أوماها بولاية نبراسكا، من 740,000 دولار إلى 700,000 دولار. في إشارة واضحة إلى توقعاته بانكماش القيمة السوقية.
ويذكر أن تصنيفات “أداء دون السوق” و “بيع” (Sell) تعد نادرة نسبيًا في التغطية التحليلية لشركات عملاقة مثل: بيركشاير هاثاواي في وول ستريت. وجاء هذا التخفيض في وقت حساس؛ حيث أغلقت أسهم بيركشاواي عند 738,500 دولار يوم الجمعة الماضي، ثم تراجعت بنسبة تقارب 1% في تعاملات صباح أمس الاثنين. ما يعكس حساسية السوق للقرار.
التحول القيادي ومقارنة الأداء
يأتي هذا التحليل المتشائم قبيل تغيير قيادي مفصلي في تاريخ الشركة؛ حيث يخطط وارن بافيت في شهر يناير المقبل لتسليم منصب الرئيس التنفيذي، الذي يشغله بثبات منذ عام 1965، إلى نائبه غريغ آيبل.
ومع ذلك سيبقى المستثمر الأسطوري في منصبه كرئيس لمجلس الإدارة. ما يضمن استمرار إشرافه الإستراتيجي العام.
لكن المثير للقلق هو أن السوق بدأت بالفعل تستشعر هذا التغيير. فمنذ أن أعلن بافيت تغيير الإدارة في الثالث من مايو، تخلف أداء أسهم بيركشاير من الفئة (A) عن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 (S&P 500) بأكثر من 28 نقطة مئوية. ما يبرهن على أن غياب تأثير بافيت بدأ ينعكس في أداء السهم قبل رحيله الرسمي عن منصبه التنفيذي.

تحديات قطاع التأمين
أشار شيلدز في تحليله إلى أن شركة “جايكو”، التابعة لبيركشاير والمتخصصة في تأمين السيارات، ستواجه تحديات جمة. إذ يتوقع المحلل أن تشهد الشركة ارتفاعًا في نسبة الأقساط المخصصة لتعويضات الحوادث بعد عامين من الانخفاض النسبي.
ويعزى هذا التدهور المتوقع في الهوامش إلى عاملين رئيسين: أولهما خفض أسعار التأمين لاستعادة القدرة التنافسية. وثانيهما زيادة الإنفاق التسويقي لاستعادة الحصة السوقية التي فقدتها “جايكو” لصالح منافسين شرسين مثل: شركة “بروغريسيف”.
مخاطر التجارة والسكك الحديدية
وأضاف شيلدز تحذيرًا حول المخاطر التي تواجه قطاع السكك الحديدية التابع لبيركشاير، BNSF. إذ يرى أن التركيز الجغرافي لهذه الشركة في الولايات الغربية من الولايات المتحدة يجعل نموها عرضة بشكلٍ خاص للتأثيرات السلبية الناجمة عن الرسوم الجمركية المرتفعة.
كما أن تراجع التجارة مع الدول الآسيوية، وعلى رأسها الصين، يمثل عبئًا إضافيًا على إيرادات BNSF. وهذا يؤكد أن بيركشاير ليست بمنأى عن التحولات الجيوسياسية والتجارية العالمية التي تؤثر مباشرة في سلاسل الإمداد والنقل.
تأثير أسعار الفائدة والسيولة النقدية
وعلى الصعيد المالي أشار المحلل إلى عامل اقتصادي كلي آخر، وهو انخفاض أسعار الفائدة. حيث يؤدي هذا الانخفاض إلى تقليل العائدات الناتجة عن السيولة النقدية الضخمة التي تمتلكها بيركشاير. والتي بلغت رقمًا فلكيًا قدره 344.1 مليار دولار في 30 يونيو.
وإلى جانب ذلك هناك مخاوف من تسريع إلغاء الإعفاءات الضريبية للطاقة المتجددة بموجب قانون “مشروع ترامب الكبير الجميل” (One Big Beautiful Bill Act). وهو ما قد يحد بشكلٍ كبيرٍ من أرباح وحدة “بيركشاير هاثاواي إنرجي”، وبالتالي يؤثر سلبًا في الأداء الكلي للمجموعة.
عبء رحيل بافيت والشفافية
ومن الناحية القيادية والاستثمارية رأى شيلدز أن رحيل بافيت يمثل عبئًا حقيقيًا على الشركة، نظرًا إلى “سمعته الفريدة التي لا تضاهى”. وقدرته الأسطورية على اتخاذ قرارات استثمارية صائبة في أصعب الظروف.
كما لفت إلى ما وصفه بأنه “نقص مؤسف في الشفافية” في الهيكلية الإدارية والعملياتية. ويرى المحلل أن هذا النقص قد يثني المستثمرين عن الشراء عندما لن يعود بإمكانهم الاعتماد على وجود بافيت نفسه كضامن للجودة والثقة. ما يهدد تدفق رؤوس الأموال.
نتائج الربع الثالث
وتبقى الأنظار موجهة الآن نحو الإعلان المرتقب لنتائج بيركشاير هاثاواي للربع الثالث. والذي من المقرر أن يتم في الأول من نوفمبر. ستكون هذه النتائج بمثابة مؤشر حيوي لمدى تأثير العوامل المذكورة على الأداء المالي الفعلي للشركة.
في حين تحدد ما إذا كانت توقعات شركة KBW المتشائمة في محلها أم لا، وتشكل أول ملامح عصر “ما بعد بافيت” التنفيذي.


