يبدو أن مسألة بناء الثروة والاستدامة المالية لم تعد تقتصر على المسار الوظيفي التقليدي فحسب. بل أصبحت ترتبط ارتباطًا وثيقًا بذكاء استغلال المهارات الجانبية. إذ كشفت الموظفة القيادية في قطاع التكنولوجيا سندس خالد عن أنها ربحت 600 ألف دولار العام الماضي. في حين جاء نصف هذا المبلغ من عملها الأساسي في شركة جوجل. فيما جاءت الـ 300 ألف دولار الأخرى من مشروعها أو العمل الجانبي الذي لا تستغرق فيه سوى خمس ساعات أسبوعيًا.
ووفقًا لما كشفته «Business Insider» في تقريرٍ لها فإن هذه الأرقام تعكس تحولًا جذريًا في الرؤية المالية والمهنية. فبين عامي 2015 و2024 تضاعف راتبها في شركات التكنولوجيا الكبرى أكثر من ثلاث مرات، من أقل من 80 ألف دولار إلى 292 ألف دولار. بينما بدا هذا النمو غير واقعي في البداية، ولكنه يوضح القيمة السوقية المتصاعدة للخبرات التقنية.
من الطبقة المتوسطة إلى الثروة المستدامة
فيما تشير سندس إلى أن ذاتها الشابة، التي تنتمي إلى الطبقة المتوسطة ولم تكن تتمتع بوعي مالي كبير. كانت ستشعر بفخر عظيم لو علمت أنها جنت 302 ألف دولار إضافية في عام 2024 من خلال مشروعها في صناعة المحتوى.
كذلك يبرهن هذا على المدى الطويل الذي قطعته في بناء ثروة مستدامة لها ولأحبائها.

ويعد العمل الجانبي هنا بمثابة قفزة نوعية؛ فهو لم يكن مجرد دخل إضافي، بل تحول إلى مورد يضاهي راتبها الأساسي.
وتؤكد هذه المعادلة الجديدة أن التخصص والخبرة في مجال معين يمكن أن يتحولا إلى أصول ذات قيمة مالية هائلة عند استغلالها عبر منصات التواصل الاجتماعي بطريقة منظمة وفعّالة.
الترقيات الإستراتيجية في «أمازون»
بدأت سندس خالد المسيرة المهنية عام 2013 بتدريب في شركة أمازون. وحصلت على عرض دائم كمهندسة بيانات في منتصف عام 2014. هذا المسار الأكاديمي والعملي السريع كان هو الأساس الذي بنيت عليه ثروتها المهنية لاحقًا.
وفي عام 2015، وهو أول عام عمل بدوام كامل لها في أمازون، بلغ راتبها نحو 77 ألف دولار، وارتفع إلى 127 ألف دولار عام 2016 بعد ترقيتها إلى مهندسة بيانات من المستوى الثاني.
واعتمدت إستراتيجيتها للحصول على الترقيات على تقييم نوعية عملها الحالية وما تحتاجه من مهارات لإثبات استحقاقها للمستوى الوظيفي الأعلى في كل مرة.
التحول إلى عالمة بيانات
وبحلول عام 2018 أثبتت كفاءتها لتصبح عالمة بيانات براتب سنوي قدره 232 ألف دولار. ويوضح هذا التحول المهني القيمة العالية التي توليها شركات التكنولوجيا الكبرى لخبراء تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي.
وفي مطلع الربع الثاني من عام 2019 تلقت الشابة ذاتها عروض عمل مغرية من كل من جوجل ومايكروسوفت. ونظرًا لحبها لعملها في أمازون كانت انتقائية جدًا بشأن دورها التالي. ما وضعها في موقع قوة تفاوضية نادر.
الانضمام إلى جوجل
استخدمت سندس خالد عرض مايكروسوفت الذي كان يبلغ 255 ألف دولار كورقة تفاوض فعالة لرفع راتبها المبدئي في جوجل. تلك الخطوة تؤكد أهمية امتلاك عروض وظيفية متعددة كرافعة أساسية للتفاوض على قيمة السوق الحقيقية.
وتنصح بالتفاوض دائمًا بناءً على قيمة السوق، لكنها تشير إلى أن امتلاك عروض متعددة يمنح قوة تفاوضية لا تُضاهى. وأفضل إستراتيجية هي تنسيق مواعيد المقابلات؛ بحيث يتم الحصول على العروض الوظيفية في نفس الفترة الزمنية القصيرة.
الريادة في «جوجل» وبداية مشروع الهواية
انضمت سندس خالد إلى جوجل في ديسمبر 2019، وتشغل حاليًا منصب قائدة تحليلات رئيسة يتركز عملها على مجالي البحث والإعلانات. وبلغ راتبها في عام 2024 نحو 292 ألف دولار؛ ما يضعها ضمن قائمة القيادات التقنية الأعلى أجرًا في السوق.
وبدأت مشروعها الجانبي في إنشاء المحتوى كهواية خالصة في عام 2016، بينما كانت لا تزال تعمل في أمازون. كما انطلقت بنشر محتوى على إنستجرام حول إنجازاتها المهنية؛ بهدف التواصل مع النساء العاملات في مجال التقنية وبناء شبكة دعم مهنية.
التحول إلى المحتوى التعليمي
وبعد إطلاق إنستجرام لميزة Reels في عام 2020، بدأت تقديم محتوى تعليمي حول كيفية دخول مجال التقنية وبناء مسيرة مهنية ناجحة فيه. كما أنشأت أيضًا محتوى أطول وأكثر عمقًا على يوتيوب في المجال ذاته، ووجد الناس إلهامًا حقيقيًا في قصتها المهنية والمالية.
في البداية لم تكن تدرك أن صناعة المحتوى يمكن أن تدر دخلًا كبيرًا. ورغم أن عائداتها من إعلانات يوتيوب لم تكن تقارن بدخلها من التكنولوجيا، إلا أنه ومع نمو قناتها، بدأت العلامات التجارية تتواصل معها لعقد شراكات مدفوعة. وهي تُقدّر أن 90% من دخلها من صناعة المحتوى يأتي من هذه الشراكات.
تأكيد العلامة الشخصية وتفويض المهام
تؤكد الموظفة أن مفتاح النجاح هو نشر محتوى ذي صلة في مجال هي شغوفة به. وعندئذٍ تسعى العلامات التجارية للارتباط بالعلامة الشخصية القوية التي تم بناؤها. هذه هي إستراتيجية التسويق التي تدر العوائد الأكبر.
وفي نهاية المطاف أدركت أنه لكي تستمر في إنشاء المحتوى أثناء عملها بدوام كامل، كان عليها بناء نظام متكامل للدعم. ففي عام 2023 وظفت مساعدة افتراضية لإدارة بريدها الإلكتروني والتفاوض بشأن الشراكات. بالإضافة إلى محرري فيديو يعملون بدوام جزئي لدعم القناة.
العمل الممتع والحصيلة النهائية
يتيح تفويض هذه المهام الروتينية لها التركيز على ابتكار الأفكار وكتابة النصوص للمحتوى التعليمي والملهم. ويضمن ذلك النظام استدامة العمل الجانبي دون التأثير في عملها الأساسي.

ووفقًا لما صرّحت به لمنصة «Business Insider» تقضي سندس خالد ما بين أربع وخمس ساعات أسبوعيًا فقط في صناعة المحتوى خارج ساعات عملها البالغة 40 ساعة أسبوعيًا.
ورغم ذلك هي تستمتع حقًا بالعمل عليها بعد الدوام وخلال عطلات نهاية الأسبوع. ما يؤكد أنها هواية تدر دخلًا ضخمًا.
استدامة الدخل
ولديها الآن أكثر من 878 ألف متابع عبر جميع منصات التواصل الاجتماعي. وفي عام 2024 حققت 302 ألف دولار من إيرادات صناعة المحتوى؛ أي أكثر مما جنته من عملها بدوامٍ كامل خلال العام ذاته. ما يثير تساؤل الجمهور حول سبب عدم تركها لعملها الأساسي.
وتكمن الإجابة في أن دخل صانع المحتوى غير ثابت، وهناك نفقات ثابتة يجب تغطيتها. لكن مع تزايد عمليات التسريح في قطاع التكنولوجيا خلال السنوات الأخيرة فإن وجود مورد بديل يمكنها الاعتماد عليه يمنحها راحة البال. ويضمن لها القدرة على إعالة طفليها الاثنين حتى لو فقدت عملها يومًا ما.


