اختلفت التفسيرات وتعددت حول شرح ما التفكير التصميمي، ولكن بالمثال يتضح الكلام. ومن خلال المثال التالي قد نضع شرح مبسط عن حقيقة هذا النوع من التفكير.
في منطقة تقع خارج حيدر أباد في الهند، بين الضواحي والريف، تجلب امرأة شابة -تسمى شانتي- المياه يوميًا من البئر المحلية المفتوحة دائمًا، التي تبعد نحو 300 قدم عن منزلها. وتستخدم حاوية بلاستيكية سعة 3 جالون يمكنها حملها بسهولة على رأسها.
تعتمد “شانتي” وزوجها على المياه المجانية للشرب والاغتسال، وعلى الرغم من أنهما سمعا أنها ليست آمنة مثل المياه التي تأتي من محطة المعالجة المجتمعية التي تديرها مؤسسة ناندي، فإنهما لا يزالان يستخدمانها. تشرب عائلة “شانتي” المياه المحلية منذ أجيال، وفي حين أنها تسبب لها ولعائلتها المرض دائمًا، فإنها لا تنوي التوقف عن استخدامها.
لدى “شانتي” أسباب كثيرة لعدم استخدام المياه من مركز ناندي للعلاج، ولكنها ليست الأسباب التي قد يظنها المرء. فالمركز يقع على مسافة قريبة من منزلها سيرًا على الأقدام، نحو ثلث ميل تقريبًا. كما أنه معروف جيدًا وبأسعار معقولة (نحو 10 روبية أو 20 سنتًا مقابل 5 جالونات). حتى أن القدرة على دفع الرسوم الصغيرة أصبحت رمزًا للمكانة الاجتماعية لبعض القرويين. وأن العادة ليست عاملًا مؤثرًا أيضًا. تتخلى “شانتي” عن المياه الآمنة بسبب سلسلة من العيوب في التصميم العام للنظام.
على الرغم من أن “شانتي” تستطيع الذهاب إلى المنشأة سيرًا على الأقدام، فإنها لا تستطيع حمل وعاء الجركن سعة 5 جالون الذي تطلبه المنشأة. عندما تمتلئ بالماء، فإن الحاوية البلاستيكية المستطيلة تكون ثقيلة للغاية. فالحاوية ليست مصممة لحملها على الورك أو الرأس؛ حيث تحب حمل الأشياء الثقيلة. ولا يستطيع زوج “شانتي” المساعدة في حملها أيضًا. فهو يعمل في المدينة ولا يعود إلى المنزل إلا بعد إغلاق مركز معالجة المياه.
كما أن مركز المعالجة يطلب منهم شراء بطاقة مثقبة شهرية مقابل 5 غالونات في اليوم، وهو أكثر بكثير مما يحتاجون إليه. وتتساءل “شانتي”: “لماذا أشتري أكثر مما أحتاج إليه وأهدر المال”، مضيفةً أنها ستشتري مياه الناندي إذا سمح لها المركز بشراء كمية أقل.
العلاقة بين التفكير التصميمي والريادة المجتمعية
صمم مركز المعالجة المجتمعي لإنتاج مياه نظيفة وصالحة للشرب، وقد نجح في فعل ذلك جدًا. في الواقع، إنه يعمل على نحو جيد بالنسبة للكثير من الأشخاص الذين يعيشون في المجتمع، لا سيما الأسر التي لديها أزواج أو أبناء كبار السن الذين يمتلكون دراجات هوائية، ويمكنهم زيارة محطة المعالجة خلال ساعات العمل. ومع ذلك، فقد أضاع مصممو المركز فرصة تصميم نظام أفضل؛ لأنهم فشلوا في مراعاة ثقافة واحتياجات جميع الأشخاص الذين يعيشون في المجتمع.

وفي كثير من الأحيان تتعثر المبادرات؛ لأنها لا تستند إلى احتياجات العميل، ولم يتم وضع نماذج أولية لها لالتماس ردود الفعل. وحتى عندما يذهب الناس إلى الميدان، قد يدخلون بمفاهيم سابقة عن الاحتياجات والحلول. ولا يزال هذا النهج المعيب القاعدة في كل من قطاع الأعمال والقطاع الاجتماعي.
أما في حالة “شانتي”، قد تتطلب التحديات الاجتماعية حلولًا منهجية ترتكز على احتياجات العميل أو الزبون. هذا هو المكان الذي تتأسس فيه الكثير من المقاربات، ولكن يبرز فيه التفكير التصميمي، وهو نهج جديد لإيجاد الحلول.
عادة ما يركز المصممون اهتمامهم على تحسين شكل ووظائف المنتجات. ومن الأمثلة الكلاسيكية على هذا النوع من أعمال التصميم جهاز آيبود من أبل، وكرسي إيرون من هيرمان ميلر. وفي السنوات الأخيرة، وسّع المصممون نهجهم؛ حيث أنشأوا أنظمة كاملة لتقديم المنتجات والخدمات.
يشتمل التفكير التصميمي على نماذج أولية سريعة لرؤي مكونة من آراء خبراء أو مستهلكين، وكل ذلك يهدف إلى تجاوز الافتراضات التي تعيق الحلول الفعالة. يعالج التفكير التصميمي -المتفائل والبناء والتجريبي بطبيعته- احتياجات الأشخاص الذين سيستهلكون المنتج أو الخدمة والبنية التحتية التي تتيح ذلك.
تعتمد الشركات على التفكير التصميمي؛ لأنه يساعدها على أن تكون أكثر ابتكارًا وتمييزًا لعلاماتها التجارية على نحو أفضل، وتوصيل أسرع لمنتجاتها وخدماتها إلى السوق. وبدأت المنظمات غير الربحية في استخدام التفكير التصميمي أيضًا لتطوير حلول أفضل للمشكلات الاجتماعية. ويتجاوز التفكير التصميمي الحدود التقليدية بين القطاعات العامة والربحية وغير الربحية. ومن خلال العمل الوثيق مع العملاء والمستهلكين، يسمح التفكير التصميمي للحلول عالية التأثير بالظهور من الأسفل بدلًا من فرضها من الأعلى.
أصول التفكير التصميمي
تأسست شركة IDEO في عام 1991، كعمل اندماج بين شركة ديفيد كيلي ديزاين، التي صممت أول فأرة كمبيوتر من شركة أبل عام 1982. وشركة ID Two التي صممت أول كمبيوتر محمول عام 1982 أيضًا.
في البداية، ركّزت IDEO على أعمال التصميم التقليدية للأعمال التجارية، وتصميم منتجات، مثل: المساعد الرقمي الشخصي Palm V، وفرشاة أسنان Oral-B. وكراسي Steelcase.
هذه هي الأشياء التي تعرض في مجلات نمط الحياة أو على قواعد في متاحف الفن الحديث.
وبحلول عام 2001، طلب من IDEO على نحو متزايد معالجة المشكلات التي بدت بعيدة كل البعد عن التصميم التقليدي. ولتمييز هذا النوع الجديد من أعمال التصميم، بدأنا نشير إليه باسم ”التصميم بحرف الدال الصغيرة“.
لكن هذه العبارة لم تبدو مرضية تمامًا. فقد لاحظ ديفيد كيلي، وهو أيضًا مؤسس معهد هاسو بلاتنر للتصميم في جامعة ستانفورد (المعروف باسم ”مدرسة التصميم“)، أنه في كل مرة يسأله أحدهم عن التصميم، يجد نفسه يضيف كلمة ”التفكير“ لشرح ما يفعله المصممون. حتى توصلوا في النهاية إلى إلى مفهوم التفكير التصميمي.
إن عملية التفكير التصميمي ما هي إلا نظام من عناصر التفكير المتداخلة بدلًا من سلسلة خطوات منظمة. هناك ثلاث عناصر يجب وضعها في الاعتبار: الإلهام، والتفكير، والتنفيذ.
بالنسبة للإلهام فهو المشكلة أو الفرصة التي تحفز البحث عن الحلول، أما التفكير. فهي عملية توليد الأفكار وتطويرها واختبارها. وعنصر التنفيذ هو مسار من مرحلة المشروع إلى حياة الناس.
والسبب في تسمية هذه العناصر، بدلًا من الخطوات، هو أنها لا تتم دائمًا بالتتابع. فقد تتكرر المشاريع من خلال الإلهام والتفكير والتنفيذ أكثر من مرة، في حين يصقل الفريق أفكاره، ويستكشف اتجاهات جديدة.
بالتالي ليس من الغريب أن التفكير التصميمي قد يبدو فوضويًا لمن يطبقه للمرة الأولى. ولكن على المدى الطويل يرى المشاركون أن العملية منطقية وتحقق نتائج. على الرغم من اختلاف شكلها عن العمليات الخطية القائمة على المعالم التي تطبقها المؤسسات عادةً.
المشكلات المنهجية تحتاج إلى حلول منهجية
تستخدم الكثير من المؤسسات الاجتماعية بالفعل بعض جوانب التفكير التصميمي. ولكن معظمها لا يتبنى هذا النهج كوسيلة لتجاوز حل المشكلات التقليدية الحالية.
ومن المؤكد أن هناك عوائق تحول دون تبني التفكير التصميمي في المؤسسة. فأحيانًا لا تتبنى المنظمة بأكملها هذا النهج. أو قد تقاوم المؤسسة اتباع نهج يركز على الإنسان، وتفشل في تحقيق التوازن بين وجهات نظر المستخدمين والتكنولوجيا والمؤسسات.
وكما قالت ياسمينة زيدمان؛ مديرة المعرفة والاتصالات في صندوق أكيومن: “تتطلب الأعمال التي نستثمر فيها إبداعًا مستمرًا وحل المشكلات. لذا فإن التفكير التصميمي عامل نجاح حقيقي لخدمة قاعدة الهرم الاقتصادي”.
كما يمكن للتفكير التصميمي أن يؤدي إلى مئات الأفكار. وحلول واقعية توفر نتائج أفضل للمؤسسات والأشخاص الذين تخدمهم.
تحديات التفكير التصميمي
إن أحد أكبر العوائق التي تحول دون تبني التفكير التصميمي هو ببساطة الخوف من الفشل. قد يكون من الصعب قبول فكرة أنه لا حرج في التجريب أو الفشل. طالما أنه يحدث في وقت مبكر ويكون مصدر للتعلم. إلا أن ثقافة التفكير التصميمي النابضة بالحياة ستشجع على وضع النماذج الأولية -السريعة والرخيصة وغير المكلفة – كجزء من العملية الإبداعية، وليس فقط كوسيلة للتحقق من صحة الأفكار النهائية.
المقال الأصلي: (من هنـا)


