يُشكّل القطاع الصحي في المملكة العربية السعودية إحدى أبرز الركائز الأساسية التي تعتمد عليها رؤية 2030 لتحقيق التحول الوطني الشامل؛ حيث لم يعد دوره مقتصرًا على تقديم الخدمات العلاجية فقط، بل امتد ليصبح بيئة جاذبة للاستثمارات ومركزًا حيويًا لنمو ريادة الأعمال.
وتأتي هذه التوجهات في سياق يهدف إلى بناء قطاع صحي يتميز بالكفاءة والاستدامة، بما يواكب الطموحات الوطنية نحو تعزيز جودة الحياة وتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين.
وفي مقابلة صحفية حصرية يلتقي “رواد الأعمال” الدكتور عبد الرحمن البليهشي؛ الرئيس التنفيذي لشركة “ريادة الصحة”، ليوضح كيف يمكن لرواد الأعمال الأفراد أن يصبحوا جزءًا فاعلًا من هذه المنظومة المتطورة.
كما يسلط الضوء على الفرص الاستثمارية التي توفرها التغييرات المتسارعة في القطاع، بالإضافة إلى أهمية الشراكات والحلول المبتكرة التي لا تتطلب رأس مال ضخم.
وإلى نص الحوار:
- بدايةً، كيف ترى تكامل ريادة الأعمال الصحية مع مستهدفات رؤية 2030؟
وضعت رؤية 2030 القطاع الصحي كأحد الأعمدة الرئيسية للتحول الوطني، ليس فقط بهدف تطوير الخدمات العلاجية، بل ليتحول إلى قطاع اقتصادي جاذب للاستثمار وريادة الأعمال.
الرؤية والإستراتيجية في القطاع الصحي
- هل يمكن بالفعل اعتبار القطاع الصحي بوابة ريادة الأعمال المقبلة في المملكة؟
نعم، أنا أرى بالفعل أن الصحة ستكون البوابة القادمة لريادة الأعمال في المملكة، خاصةً أننا نشهد تحولًا كبيرًا للصحة من مجرد “خدمة تقليدية” إلى “صناعة متنامية”.
وهذا يفتح الأبواب على مصراعيها أمام رواد الأعمال لتقديم حلول مبتكرة في مجالات حيوية. مثل: الرعاية الأولية، الصحة الرقمية، والطب الوقائي.
- في ظل إعلان خصخصة مئات المستشفيات والمراكز يتبادر إلى الذهن أن الاستثمار سيكون حكرًا على الشركات الكبرى. فما الفرص الفعلية المتاحة لرواد الأعمال الأفراد؟
الخصخصة ليست حكرًا على الكيانات الكبيرة، بل على العكس تمامًا. هي التي تفتح المجال أمام الشركات الناشئة والممارسين الأفراد.
وهناك فرص استثمارية متعددة في مجالات مثل: تشغيل العيادات المتخصصة، وإنشاء المساحات الصحية المشتركة، وتأسيس مراكز الرعاية المنزلية.
- وماذا عن المجالات المبتكرة الأخرى التي يمكن لرواد الأعمال الأفراد التركيز عليها؟
في حين أن هناك أيضًا فرص في الخدمات المساندة. كالتشخيص عن بُعد، وإدارة الملفات الطبية الإلكترونية، وكذلك التدريب الصحي.
بينما هذه المجالات تحديدًا تحتاج إلى مرونة وسرعة في الابتكار. وهي ميزات لا تستطيع الكيانات الضخمة تحقيقها بنفس الكفاءة التي يستطيعها رواد الأعمال الأفراد.

الاستثمار والتمويل في القطاع الصحي
- هناك استثمارات ضخمة بمليارات الريالات في القطاع الصحي. لكن يرى البعض أن ذلك يمثل حاجزًا، فكيف يمكن لرواد الأعمال الناشئين دخول هذا السوق دون الحاجة لرأس مال ضخم؟
في الواقع.القطاع الصحي لا يتطلب دائمًا استثمارات بمليارات، بل على العكس. هناك نماذج عمل جديدة تعتمد على “الخدمات المرنة” التي لا تحتاج إلى إنفاق رأسمالي ضخم. مثل: العيادات المشتركة، والممارسات المستقلة، والمنصات الرقمية.
علاوة على ذلك يمكن لرواد الأعمال الدخول إلى السوق من خلال الشراكات التشغيلية مع كيانات قائمة. حيث يقدم رائد الأعمال الحل المبتكر مقابل حصوله على حصة من العائد دون أن يتحمل عبء رأس المال الضخم.
- بناءً على خبرتك. ما النماذج التمويلية أو الشراكات التي تراها الأكثر نجاحًا لرواد الأعمال في هذا المجال الحيوي؟
أرى أن النموذج الهجين هو الأكثر نجاحًا؛ فهو يجمع بين شراكات القطاعين العام والخاص (PPP) من جهة. ودور حاضنات ومسرعات الأعمال المتخصصة من جهة أخرى.
إضافة إلى ذلك بدأ التمويل الجماعي (Crowdfunding) يأخذ حيزًا متزايدًا في مشاريع الصحة الرقمية. إذ يجد المستثمرون الأفراد فرصة في دعم حلول صحية تخدم المجتمع وفي الوقت نفسه تحقق عائدًا جيدًا.
الابتكار والتحول الرقمي
- مع إطلاق منصات وطنية مثل: “صحتي” و”المستشفى الافتراضي”. كيف يمكن لرواد الأعمال تطوير حلول رقمية مبتكرة تكمل هذه المبادرات ولا تتعارض معها؟
بدلًا من النظر إلى هذه المنصات كمنافس، يمكن اعتبارها بنية تحتية وطنية متطورة يمكن البناء عليها.
في حين يستطيع رائد الأعمال أن يطور حلولًا متخصصة ومرتبطة بها بشكلٍ مباشر. مثل: أدوات الذكاء الاصطناعي لمتابعة الأمراض المزمنة، أو تطبيقات متكاملة للصحة النفسية. أو حتى خدمات للياقة والعافية تتصل بالمنصة الرئيسية. والقيمة الحقيقية تأتي من “التكامل” مع هذه المبادرات، لا من “المنافسة” معها.
- في ظل التطور المتسارع هل ترى أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات في التشخيص والعلاج يشكلان تهديدًا. أم فرصة لرواد الأعمال الصحيين؟
هما فرصة ذهبية لا يمكن تفويتها. صحيح أنهما يغيران بعض الأدوار التقليدية في القطاع، ولكنهما في المقابل يفتحان عشرات المساحات الجديدة لرواد الأعمال، بدءًا من روبوتات الدعم الجراحي، مرورًا بحلول التشخيص المبكر والمتابعة عن بُعد.
ووصولًا إلى تحسين تجربة المريض بشكلٍ عام. وفي رأيي التهديد الوحيد الذي يواجه رائد الأعمال هو أن يتأخر عن اللحاق بهذا الركب السريع والمُبتَكِر.
الفرص والتحديات في القطاع الصحي
- باتت السياحة العلاجية ملفًا مهمًا في المملكة، فما الثغرات التي يمكن لرواد الأعمال استغلالها لابتكار حلول تخدم المرضى الدوليين؟
الثغرة الكبرى اليوم لا تكمن في الخدمات الطبية الأساسية، بل في الخدمات المساندة. هذه الخدمات تشمل: تنقل المرضى، والترجمة الطبية المتخصصة، وإدارة تجربة المريض الدولي. وأيضًا حزم العلاج المتكاملة التي تربط المستشفى بالفنادق ومراكز النقاهة. هذه المجالات تحديدًا تحتاج إلى ابتكار وريادة أكثر ما تحتاج إلى رأس مال ضخم.
- في رأيك هل التحدي الأكبر يكمن في البنية التحتية أم الكفاءات البشرية. وكيف يمكن لرائد أعمال أن يحوّل هذه التحديات إلى مشروعات ناجحة؟
كلاهما تحدٍ بالفعل، لكنني أرى أن الكفاءات البشرية هي المفتاح. لدينا نقص في بعض التخصصات الدقيقة، وهنا يمكن لرائد الأعمال أن يقدم حلولًا مبتكرة لسد هذه الفجوة.
على سبيل المثال: يمكنه توفير خدمات التدريب، أو التعليم الرقمي المتخصص، أو حتى استقدام الخبرات العالمية بطريقة مرنة. فتحويل التحدي إلى مشروع يبدأ دائمًا من فهم هذه الفجوة وتحويلها إلى منتج أو خدمة ذات قيمة.

قصص ملهمة وتجارب واقعية
- هل لديك أمثلة لرواد أعمال سعوديين في القطاع الصحي استطاعوا توليد نموذج تجاري ناجح ليصبح مصدر إلهام؟
نعم بكل تأكيد لدينا نماذج مشرّفة في هذا المجال. على سبيل المثال: هناك شركات سعودية ناشئة في مجالي الطب الاتصالي والرعاية المنزلية، استطاعت خلال سنوات قليلة أن تتحول إلى لاعب أساسي في السوق وتستقطب استثمارات محلية وخارجية. هذه التجارب تثبت أن الابتكار السعودي قادر على المنافسة وتحقيق الأثر.
- بمناسبة اليوم العالمي لريادة الأعمال، لو عاد بك الزمن للوراء. ما النصيحة الذهبية التي تمنيت أن تسمعها في بداياتك وتود أن تقدمها اليوم لرواد الأعمال الصحيين؟
النصيحة الذهبية التي أقدمها لهم هي: “لا تبدأ بفكرة تحبها فقط، بل بفجوة سوقية تحتاجها المنظومة الصحية فعلًا”. فالسوق الصحية معقد، والنجاح فيها لا يعتمد على الشغف وحده، بل على بناء نموذج يحقق أثرًا مجتمعيًا وعائدًا ماليًا في آنٍ واحد.
ريادة الأعمال الصحية
- ما المشروع الصحي الريادي الذي تتمنى أن تراه على أرض المملكة خلال السنوات الخمس القادمة؟
أتمنى أن نرى مدينة متكاملة لريادة الأعمال الصحية، تضم كل ما يحتاجه المبتكرون؛ من حاضنات ومسرعات أعمال، إلى مصانع صغيرة ومراكز أبحاث. ويجب أن تكون هذه المدينة بيئة متكاملة تحوّل الأفكار إلى منتجات صحية قابلة للتصدير.

وبالإضافة إلى ذلك أتمنى أن يتم تأسيس صندوق استثماري وطني متخصص في القطاع الصحي، يعمل على تمويل الشركات الناشئة ويسهم في تحويل الأفكار المبتكرة إلى كيانات اقتصادية مؤثرة.
- كيف ترى مستقبل الاستثمار في التكنولوجيا الحيوية وصناعة الأدوية؟ وهل يمكن أن تصبح السعودية مركزًا إقليميًا في هذا المجال؟
هذا المجال سيكون العمود الفقري للسيادة الصحية في المملكة. فمع توجهات رؤية 2030 لجعل السعودية مركزًا إقليميًا، أعتقد أن السنوات القادمة ستشهد تأسيس مصانع دواء متقدمة. وكذلك مراكز أبحاث بيولوجية متطورة تجذب الاستثمارات العالمية. وهذا التحول يعزز عملية نقل التقنية من مجرد استيراد إلى تصنيع وابتكار محلي أصيل.
حوار/ إسلام النجار


