في خطوة تاريخية تعزز مكانة المملكة على الخارطة العالمية، أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، الأربعاء الموافق 11 ديسمبر 2024، فوز المملكة بحق استضافة كأس العالم 2034. يأتي هذا الإعلان ليشكل محطة فارقة في مسيرة التحول الوطني الشامل الذي تشهده المملكة، وليؤكد نجاح الرؤية الطموحة 2030 في تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية.
ومن المنتظر أن يكون لاستضافة السعودية لكأس العالم 2034 أثر بالغ الأهمية على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية. فمن ناحية، تشهد المملكة طفرة غير مسبوقة في قطاع السياحة؛ حيث تستقطب البطولة ملايين الزوار من مختلف أنحاء العالم. ما يساهم في تنشيط الحركة السياحية وزيادة الإيرادات السياحية بشكلٍ كبيرٍ. كما تعمل البطولة على تسليط الضوء على المقومات السياحية والثقافية التي تتمتع بها المملكة. وهو ما يعزز مكانتها كوجهة سياحية عالمية.
استضافة كأس العالم 2034
أضف إلى ذلك، تدفع استضافة كأس العالم 2034، قطاع الرياضة إلى آفاق جديدة؛ حيث تشهد المملكة بناء العديد من الملاعب والمرافق الرياضية الحديثة. ما يؤدي إلى تطوير البنية التحتية الرياضية ورفع مستوى الأداء الرياضي. كما تساهم البطولة في نشر ثقافة الرياضة بين أفراد المجتمع، وتعزيز الوعي بأهمية ممارسة الرياضة والحياة الصحية.
ومن المتوقع أن يشهد قطاع البناء والتشييد نموًا ملحوظًا خلال الفترة المقبلة؛ حيث تتطلب استضافة البطولة تنفيذ العديد من المشاريع الضخمة والبنية التحتية المتطورة. ما يوفر فرص عمل جديدة ويساهم في تنمية الاقتصاد الوطني. كما تساهم البطولة في تطوير القطاعات الأخرى المرتبطة بها، مثل: قطاع النقل والمواصلات والاتصالات. وهو ما يعزز كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين.
محرك جديد للنمو الاقتصادي
يشكل القطاع الرياضي في المملكة العربية السعودية ركيزة أساسية في رؤية الأمير محمد بن سلمان 2030؛ حيث بات هذا القطاع محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي ووسيلة لتعزيز مكانة المملكة على الخارطة العالمية.
وشهدت السنوات الخمس الأخيرة تحولات جذرية في هذا المجال؛ حيث تم استثمار مليارات الدولارات في تطوير البنية التحتية الرياضية واستقطاب أبرز النجوم العالميين من الدوريات الأوروبية الكُبرى. مثل: ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو، ليكونوا سفراء غير رسميين لملف استضافة كأس العالم 2034.
وفي تصريح سابق لولي العهد، أكد سموه على أهمية الاستثمار في الرياضة كمحرك للنمو الاقتصادي. مشيرًا إلى أن الرياضة ساهمت بـ1% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن هناك طموح لزيادة هذه النسبة إلى 1.5%. ويعكس هذا الطموح الرؤية الاستراتيجية التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاقتصاد الوطني.

المملكة تستهدف تنظيم أفضل نسخة
من جانبه، أكد حماد البلوي؛ المسؤول عن ملف استضافة كأس العالم 2034، أن المملكة تستهدف تنظيم أفضل نسخة من كأس العالم في التاريخ؛ حيث يتم تحويل البطولة إلى مهرجان عالمي يجمع بين كرة القدم والترفيه والثقافة. وتشير هذه التصريحات إلى الطموحات الكبيرة للمملكة في استضافة الأحداث الرياضية العالمية الكبرى وتحويلها إلى منصة لعرض إنجازاتها وتطلعاتها المستقبلية.
وبالإضافة إلى ذلك، حققت المملكة نجاحات كبيرة في مجال الرياضة خلال السنوات الأخيرة؛ حيث استضافت أكثر من 50 حدثًا رياضيًا دوليًا في عام 2023 وحده، ما ساهم في جذب أكثر من 2.5 مليون زائر و خلق أكثر من 70 ألف فرصة عمل. وتشمل هذه الأحداث بطولات عالمية في مختلف الرياضات، مثل: المصارعة الحرة و الفنون القتالية المختلطة. ما يعكس تنوع الأنشطة الرياضية التي تشهدها المملكة.
ولا يقتصر دور الرياضة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يساهم أيضًا في تعزيز الهوية الوطنية وبناء مجتمع صحي وحيوي. وقد ساهمت الاستثمارات الضخمة في تطوير البنية التحتية الرياضية، مثل: بناء 11 ملعبًا جديدًا وتجديد أربعة ملاعب موجودة بالفعل، في توفير بيئة مثالية لممارسة الرياضة وتشجيع الشباب على ممارسة الأنشطة البدنية.
وبالتالي، فإن القطاع الرياضي في السعودية يشهد نموًا متسارعًا و يلعب دورًا محوريًا في تحقيق رؤية المملكة 2030. وأثبتت المملكة قدرتها على تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى واستقطاب الاستثمارات العالمية. وهو ما يجعلها وجهة جاذبة للرياضيين والمشجعين من جميع أنحاء العالم.
طفرة بناء ضخمة
في الوقت الذي لم تكشف فيه المملكة عن الميزانية المخصصة لتطوير البنية التحتية استعدادًا لاستضافة مونديال 2034، إلا أن الإعلانات عن مشاريع ضخمة تكشف عن نية المملكة الاستثمار بكثافة في هذا القطاع. فبالإضافة إلى خطط بناء 11 ملعبًا جديدًا وتجديد 4 ملاعب قائمة، تسعى المملكة لزيادة عدد الغرف الفندقية بـ 185 ألف غرفة. وهو ما يشير إلى حجم الاستثمارات الهائلة التي ستوجه لهذا الحدث العالمي.
ومن المتوقع أن يؤدي استضافة مونديال العالم 2034 إلى تسريع وتيرة التنمية والبناء في المملكة. فمشاريع ضخمة تشمل الملاعب الحديثة وأنظمة المترو المطورة وتوسعة المطارات تشهد المملكة تنفيذها خلال السنوات المقبلة. ما يعكس حرصها على تجهيز بنية تحتية عالمية المستوى لاستقبال هذا الحدث الرياضي الكبير.
قاطرة النمو الاقتصادي
من ناحية أخرى، يشهد قطاع البناء والتشييد، وهو بالفعل ثاني أكبر قطاع غير نفطي في المملكة، نموًا متسارعًا. فمع وجود أكثر من 5200 مشروع قيد التنفيذ بقيمة إجمالية تتجاوز 819 مليار دولار. أي ما يعادل 35% من إجمالي المشاريع النشطة في دول مجلس التعاون الخليجي. يتوقع أن يشهد هذا القطاع مزيدًا من الازدهار. وتأتي هذه المشاريع مدعومة بتعهدات حكومية تتجاوز التريليون ريال سعودي. بالإضافة إلى الاستثمارات المرتبطة باستضافة المونديال.
وتحرص الرياض على تعزيز مكانتها كمركز عالمي من خلال تطوير مطار الملك سلمان الدولي. الذي من المتوقع أن يستوعب 120 مليون مسافر سنويًا بحلول عام 2030. وهذا التوسع الهائل، الذي يمثل زيادة بنسبة 380% في سعة المطار. يعكس استعداد المملكة لاستقبال أعداد كبيرة من الزوار، خاصة خلال بطولة كأس العالم. ومن المتوقع أن يساهم هذا المطار الجديد، الذي يعد من أكبر المطارات في العالم. في زيادة الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للمملكة بمبلغ إضافي قدره 7.18 مليار دولار سنويًا.

المملكة تستعد لقفزة سياحية هائلة
من ناحية أخرى، تتطلع المملكة العربية السعودية، من خلال رؤيتها الطموحة 2030. إلى تحقيق تحول جذري في قطاع السياحة. وتحويل المملكة إلى مركز سياحي عالمي يجذب ملايين الزوار سنويًا. ولتحقيق هذا الهدف، تحرص المملكة على استقطاب 80 مليون سائح محلي و70 مليون سائح دولي بحلول نهاية العقد.
علاوة على ذلك، فإن قطاع السياحة السعودي يشهد نموًا متسارعًا؛ حيث سجلت أعداد السياح الدوليين زيادة هائلة بنسبة 378% في عام 2022، ليصل العدد الإجمالي إلى 16.6 مليون زائر. وهذه الزيادة الكبيرة تعكس الجهود المبذولة لتطوير البنية التحتية السياحية وتنويع المنتجات السياحية. وتسليط الضوء على المقومات السياحية التي تتمتع بها المملكة.
دفعة قوية لقطاع السياحة
ومن المتوقع أن يشكل استضافة كأس العالم 2034 في السعودية دفعة قوية لقطاع السياحة؛ حيث ستؤدي إلى زيادة كبيرة في أعداد الزوار الدوليين. فمع الأخذ في الاعتبار أن كأس العالم 2022 في قطر استقطبت حوالي 3.4 مليون زائر. يمكن توقع أعداد أكبر بكثير في السعودية، خاصة مع تصاعد حماس كرة القدم العالمية.
كما لن يقتصر أثر استضافة كأس العالم على قطاع السياحة فقط، بل يمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية. فالتسليط الضوء العالمي على المملكة خلال هذا الحدث الرياضي الكبير يجذب الشركات الدولية والإقليمية للاستثمار في المملكة. بما يتماشى مع أهداف رؤية 2030 لزيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 65% وزيادة مساهمة الاستثمار الأجنبي المباشر في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5.7%.
كذلك، يمثل مونديال العالم 2034 فرصة حقيقية للمملكة لعرض حضارتها وتاريخها الغني للعالم أجمع. فمن خلال استضافة هذا الحدث العالمي، تفتح المملكة أبوابها أمام ملايين الزوار من مختلف أنحاء العالم. ما يساهم في تعزيز صورتها كوجهة سياحية وثقافية عالمية. كما يوفر هذا الحدث منصة مثالية للشراكات والتعاون الاقتصادي بين المملكة وبقية دول العالم.
في النهاية، يتضح لنا أن استضافة المملكة العربية السعودية لكأس العالم 2034 تمثل نقطة تحول تاريخية في مسيرتها نحو تحقيق رؤية 2030. فبجانب كونها حدثًا رياضيًا عالميًا، فإن هذا الاستضافة تمثل استثمارًا استراتيجيًا في المستقبل؛ حيث تساهم في تحفيز النمو الاقتصادي. وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز مكانة المملكة على الخارطة العالمية.


