تحت وطأة التقلبات الحادة التي تشهدها الأسواق العالمية، تعود أسعار الذهب إلى صدارة المشهد الاقتصادي والمالي، مدفوعةً بتداخل معقد بين العوامل النقدية والجيوسياسية وتحولات سلوك المستثمرين حول العالم.
فبين موجات الهبوط السريع والارتدادات المحدودة، يفرض المعدن الأصفر نفسه بوصفه مرآة دقيقة لمستوى القلق في النظام المالي العالمي، ومؤشرًا حساسًا على توجهات البنوك المركزية الكبرى وإستراتيجيات التحوط لدى المستثمرين.
وتعكس التطورات الأخيرة في أسعار الذهب حالة من التذبذب اللافت؛ حيث تراجع المعدن النفيس إلى مستوى 4,677.17 دولار للأونصة بحلول الساعة 04:50 بتوقيت جرينتش. بعد أن كان قد فقد أكثر من 5% من قيمته خلال الجلسة نفسها. مسجلًا أدنى مستوى له في أكثر من أسبوعين.
هذه التحركات، التي جاءت بعد بلوغ الذهب مستوى قياسيًا عند 5,594.82 دولار للأونصة يوم الخميس الماضي، تعكس حساسية السوق لأي تغير في التوقعات النقدية أو تدفقات رؤوس الأموال، بحسب ما أوردته «رويترز».
وعلى الرغم من هذا التراجع قصير الأجل، فإن النظرة المستقبلية تجاه أسعار الذهب لا تزال إيجابية وفق تقديرات المؤسسات المالية الكبرى. وفي مقدمتها بنك جيه بي مورجان، الذي يرى أن الطلب القوي من البنوك المركزية والمستثمرين قد يدفع الأسعار إلى 6,300 دولار للأونصة بحلول نهاية العام. ويعكس هذا التوقع قناعة راسخة بأن الذهب ما زال يحتفظ بجاذبيته كأصل تحوطي في ظل بيئة اقتصادية غير مستقرة.
الذهب بين الضغوط الآنية والرؤية المتوسطة
ويؤكد جيه بي مورجان، في مذكرة تحليلية حديثة، تمسكه بنظرة تفاؤلية تجاه أسعار الذهب على المدى المتوسط. مستندًا إلى ما وصفه باتجاه هيكلي واضح ومستمر لتنويع الأصول بعيدًا عن الأصول الورقية. ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه المخاوف من تآكل القيم الحقيقية للأصول المالية التقليدية؛ ما يعزز مكانة الذهب كملاذ آمن طويل الأجل.
ومن هذا المنطلق، رفع البنك توقعاته لمشتريات البنوك المركزية من الذهب إلى 800 طن في 2026. في إشارة واضحة إلى أن مسار تنويع الاحتياطات النقدية العالمية لم يبلغ بعد مرحلة التشبع.
ويعني ذلك، وفق مراقبين، أن الطلب المؤسسي على الذهب لا يزال يمثل دعامة أساسية لاستقرار أسعار الذهب ودعمها على المدى البعيد. حتى في حال تعرضت السوق لموجات تصحيح مؤقتة.
كما تعكس هذه التوقعات إدراكًا متزايدًا لدى صناع السياسات النقدية لأهمية الذهب في موازنة المخاطر. لا سيما في ظل التحولات الجيوسياسية وتنامي النزاعات الاقتصادية.
وبالتالي، فإن أي تراجع في أسعار المعدن الأصفر قد يُنظر إليه من قبل البنوك المركزية كفرصة لتعزيز الاحتياطيات، وليس كإشارة ضعف في الاتجاه العام.

صعود قوي وحذر متزايد
وعلى الجانب الآخر، لا تقل تطورات سوق الفضة أهمية -وإن كانت أكثر تعقيدًا من حيث التفسير- فقد استقرت أسعار الفضة عند مستوى 80 دولارًا للأونصة منذ أواخر ديسمبر الماضي. إلا أن بنك جيه بي مورجان أبدى قدرًا أكبر من الحذر تجاه المعدن الأبيض. معتبرًا أن محركات الصعود باتت أصعب في التحديد والقياس مقارنة بالذهب.
وشهدت الفضة الفورية تراجعًا حادًا بأكثر من 6% لتصل إلى 78.90 دولار للأونصة. بعدما كانت قد سجلت مستوى قياسيًا عند 121.64 دولار يوم الخميس الماضي، قبل أن تهبط إلى مستوى قريب من أدنى أسعارها في نحو شهر يوم الجمعة الماضي.
هذه التحركات الحادة تعكس طبيعة الفضة الأكثر تقلبًا، واعتمادها بدرجة أكبر على المضاربات الصناعية والاستثمارية.
ويشير البنك إلى أن غياب البنوك المركزية كمشترين هيكليين للفضة، على عكس الذهب، يفتح الباب أمام احتمالية عودة الارتفاع في نسبة الذهب إلى الفضة خلال الأسابيع المقبلة.
ومع ذلك، يرى جيه بي مورجان أن الفضة قد حافظت على قاعدة سعرية أعلى نسبيًا. مقدرًا متوسط الحد الأدنى عند نطاق 75–80 دولارًا للأونصة، وهو ما يعكس متانة جزئية في مكاسبها الأخيرة.
السوق بين الفرص والمخاطر
في المحصلة، تبدو أسعار الذهب مرشحة لمواصلة لعب دور محوري في محافظ المستثمرين. مدعومةً بطلب مؤسسي قوي وتوجه عالمي متسارع نحو الأصول الحقيقية. ورغم التقلبات قصيرة الأجل، فإن الأساسيات الداعمة للذهب لا تزال قائمة. ما يعزز من احتمالات استعادة الزخم الصعودي خلال الفترات المقبلة.
وبينما تظل الفضة عرضة لتقلبات أشد، فإن المشهد العام يشير إلى مرحلة إعادة تموضع في أسواق المعادن الثمينة؛ حيث تتداخل اعتبارات التحوط، وتنويع الاحتياطيات، وتوقعات النمو العالمي. ومن ثم، فإن قراءة تحركات أسعار الذهب لا تنفصل عن فهم أعمق للتحولات البنيوية في الاقتصاد العالمي. وهي تحولات يرجح أن تواصل إعادة رسم خريطة الاستثمار خلال السنوات القادمة.


