تبدو معرفة ودراسة نظرية الاحتمالات أمرًا حتميًا، لا سيما ونحن نعيش في عالم يعج بالمتغيرات التي لا يمكن التنبؤ بها وتتغير تغيرًا عشوائيًا.
وفي خضم عالمٍ، هذه صفته، يحاول الإنسان التوصل إلى معرفة مخرجات تلك المتغيرات أو حتى الاكتفاء بقياس احتمالية حدوثها؛ أملًا في العثور على المعرفة التي تمكّنه من الاستعداد لتلك المتغيرات من مخاطر أو تأثير على حياته. ومن هنا تكمن أهمية دراسة نظرية الاحتمالات.
مفهوم الاحتمال
عند رمي قطعة نقود في الهواء أو محاولة معرفة أحوال الطقس خلال أسبوع أو عندما يحاول خبراء الاقتصاد معرفة توجهات ومنحنى سلوك اقتصادي معين، حتى في محاولة التنبؤ بنتائج الانتخابات، يتعامل الإنسان مباشرة مع مفهوم الاحتمال.
لا يمكن الجزم المباشر بنتائج كل الأمثلة السابقة، لكن يبقى الترجيح هو سيد الموقف. هذا الترجيح قائم على معرفة وفهم نظرية الاحتمالات التي تحاول تنميط وتقنين، إن صح التعبير، هذه العشوائية لشيء يمكن قياسه والتنبؤ به.
ما نظرية الاحتمالات؟
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن نظرية الاحتمالات هي نظرية علمية تدرس سلوك ظواهر عشوائية وتحاول قياس مدى إمكانية وقوعها.
إذ تتأرجح الاحتمالات ما بين الواحد والصفر. يمثل الواحد التأكد التام من حدوث الفعل كاحتمالية شروق الشمس غدًا أو احتمالية حلول الظلام بغروبها.
أما الصفر فيمثل استحالة حدوث الفعل، كأن يكون صندوق مملوء عن آخره بكرات حمراء، فإن احتمالية سحب كرة زرقاء من الصندوق تساوي الصفر. وبين هذا وذاك تتأرجح قيم الاحتمال في ممكنات الحدوث.
أقسام الاحتمالات
تنقسم الاحتمالات إلى قسمين أساسيين، هما: الاحتمالات النظرية والاحتمالات التجريبية.
والاحتمالات النظرية هـي الاحتمــالات الــتي يمكـن حســابها بدقة وتكون نتائجها ثابتة حتى لو تغيرت الظروف المصاحبة للاحتمال.
أما الاحتمالات التجريبية، فهي التي لا يمكن تقديرها بالطرق النظرية، لكن لا بد من قياسها وإجراء التجارب وقياس النتائج المتعلقة بالظاهرة محل الدراسة. ويمكن أيضًا تقسيم الاحتمالات إلى “ممكنة” و”مستحيلة”.
وتناقش نظرية الاحتمالات مصطلحين مهمين، هما: المتغير العشوائي والتوزيع الاحتمالي للمتغير العشوائي.
المفاهيم الأساسية لنظرية الاحتمالات
التجربة العشوائية: وهي كل ظاهرة ندرسها بمعرفة مكوناتها وتكون نتائجها مجهولة تمامًا مثل إلقاء قطعة من النقود في الهواء.
وتتميز هذه التجارب بعدم تحديد المخرجات أو النتائج إلا بعد إجراء التجربة.
فضاء العينة: وهي مجموعة الإمكانيات المتاحة كنتائج لهذه التجربة؛ ففي تجربة رمي العملة المعدنية يمثل فضاء التجربة هو الصورة أو الكتابة.
الحدث العشوائي: هو مجموعة جزئية من فضاء العينة واحتمال وقوعه يساوي نسبه بين عدد مرات وقوعه بالفعل إلى عدد الحالات الممكنة (فضاء العينة).
أنواع الحدث في نظرية الاحتمالات
وفيما يلي بيان الأنواع المختلفة للحدث في هذه النظرية:
حدث بسيط: يحدد بعنصر واحد من فضاء العينة نتيجة للقياس، كأن يظهر الرقم “5” عند إلقاء النرد أو صورة في تجربة رمي العملة.
حدث مركب: ويحتوي على أكثر من عنصر فضاء العينة. ومن أمثلته عند رمي حجري نرد، ويكون الناتج يساوي 10؛ حيث الحدث هنا له عناصر ثنائية (5،5)، (4،6) وهكذا.
حدث مستحيل: لا يحتوي على أي من العناصر المكونة لفضاء العينة. مثل الحصول على رقم 7 في تجربة النرد.
حدث أكيد: وهو حدث يضم كل عناصر فضاء العينة. ومثاله ظهور رقم أقل من 7 في فضاء العينة.
حدث منتظم: وهو حدث يتساوى احتمال حدوثة مع كل الاحتمالات الأخرى.
حدث مكمل: هو حدث يكون حدوثة مكمل لحدث آخر. أي أن اجتماع الحدثين يساوي فضاء العينة، كظهور الصورة في تجربة العملة هو حدث مكمل لظهور الكتابة في التجربة نفسها.
فضاءات النظرية
ويعد الشرح السابق للنظرية هو تبسيط لغير المختصين. ويمكن القول إن النظرية طُورت في الأساس لمحاولة التنبؤ بألعاب الحظ أو القمار، لكنها امتدت إلى الفيزياء والاقتصاد وعلوم الظواهر الجوية وغيرها من التطبيقات التي لا يمكن معرفة مخرجاتها على وجه الدقة وتحمل طابعًا عشوائيًا للنتائج.

النظرية والتمويل والاستثمار
يمكن أن تكون العواطف بمنزلة دعوة قوية للعمل في الاستثمار، وأن تجعل الناس يتخذون قرارات دون التفكير فيها.
مثال بسيط على ذلك، عقلية القطيع التي غالبًا ما تبدأ عندما ترتفع مخاوف السوق بشأن مستثمر أو قطاع معين.
عندما يسيطر الذعر، يمكن أن يؤدي ذلك إلى عمليات بيع واسعة النطاق. تحاول نظرية الاحتمالات تفسير هذه الأنواع من القرارات.
وهنا مثال آخر: لنفترض أنك اشتريت 100 سهم من الأسهم، لكن السهم كان في انخفاض مستمر.
قد يؤدي بيع السهم إلى تقليل الخسائر إذا استمر السعر في الانخفاض. ولكن بدلًا من القيام بذلك، قررت الاستمرار في الاستثمار على أمل أن يتغير اتجاه السهم في النهاية.
وبدلًا من ذلك، ينخفض سعر السهم أكثر. عندما تقرر أخيرًا البيع، ينتهي بك الأمر إلى خسارة 75%.
تشرح نظرية الاحتمال هذا القرار من خلال تأطيره كمحاولة لتجنب الخسارة لأطول مدة ممكنة؛ خلال الاحتفاظ بالسهم. لكن النتيجة النهائية كانت خسارة أكبر.
يمكن لنظرية التوقع أيضًا أن تفسر سبب صرف بعض المستثمرين أموالهم من استثماراتهم مبكرًا، حتى عندما يكون أداؤهم جيدًا.
إذا كان هناك خطر محسوس من أن السهم المرتفع باستمرار سوف ينخفض فجأة، فقد يبيع المستثمر أسهمه لتجنب الخسائر المحتملة.
وفي غضون ذلك، فإنهم يفوتون مكاسب إضافية مع استمرار سعر السهم في الارتفاع.
وعلى أي حال، فإن نظرية الاحتمالات ليست فكرة جديدة، ولا تحتاج إلى أن تكون خبيرًا في الاقتصاد السلوكي حتى تفهم كيف تعمل.
يمكن أن تتسلل التحيزات مثل النفور من الخسارة أو عقلية القطيع، وإذا تركت دون رادع، فقد تؤدي إلى خروج محفظتك عن المسار الصحيح.
ومع ذلك، فإن تعلم كيفية ترويض العواطف يمكن أن يساعدك على الاقتراب من أهدافك الاستثمارية. البديل الآخر هو تعيين مستشار محترف يمكنه اتخاذ جميع قراراتك الاستثمارية نيابةً عنك.
القرارات المالية
نميل عادة إلى تشويه الاحتمالات؛ الاحتمالات الصغيرة مبالغ فيها، أما الكبيرة فهي أقل من اللازم. 30% هو الحد الأقصى في معظم الأحيان.
نحن أيضًا متفائلون أو واثقون إلى حد ما بقراراتنا المالية. إذا كنت تقود سيارة لأول مرة وقيل لك أن أكثر من مليون شخص يموتون كل عام، على الطريق، فقد تكون خائفًا جدًا وتبالغ في تقدير احتمالية الاصطدام.
إذا كنت سائقًا متمرسًا، فقد تكون على العكس من ذلك مفرطًا في الثقة وتقلل من حجم المخاطر.
وعلى ذلك، فإن نظرية الاحتمال هي نموذج لاتخاذ القرار تحت المخاطر، الذي يأخذ في الاعتبار جميع هذه العوامل النفسية.


