تمتد جذور المخاطرة، وهي مرتكز أساسي في مفهوم ريادة الأعمال، لدى جميع الشركات الناجحة لتصل إلى عمق المقامرات الكبيرة التي خاضتها في وقت مبكر كشركات ناشئة لتتصدر المشهد من بين الحشود، وعادةً ما ترغب هذه الشركات -بمجرد تأسيسها- في التمسك بروح تلك المبادرة مع الاستفادة من نطاقها الجديد.
ومع ذلك تكمن المشكلة في أنه مع نمو تلك الشركات غالبًا ما تنتابها حالة نفور من المخاطرة مجددًا، في حين يتجمل البعض الآخر منها ويؤكد أنه يميل إلى إعطاء الأولوية لريادة الأعمال فحسب، رغم أن معظمها يكافح من أجل المتابعة.
وعلى الرغم من أن الإدارات التنفيذية بهذه الشركات قد توفر لموظفيها الإمكانات اللازمة لتنفيذ واجباتهم الحالية فإنها لا تمنحهم الوقت الكافي أو الدعم للانخراط في التفكير الإبداعي الحر الذي جعل البعض منها يتربع على قمة النجاح لمواصلة النمو في سوق اليوم سريع التطور؛ الأمر الذي يحتم عليها إعادة حساباتها مجددًا لتعزيز ريادة الأعمال بشكل فعال.
وبهذا الصدد يقول “جيفري أ. تيمونز”؛ أستاذ ريادة الأعمال في كلية “بابسون”، الذي قضى نحو 23 عامًا في هذا المجال، وعلّم أكثر من 10000 شخص كيف يصبحون أكثر ريادة في الأعمال، إنه يجب على الشركات القائمة تعزيز مفهوم ريادة الأعمال بشكل فعال داخل مؤسساتها؛ من خلال إطلاق العنان للإبداع الحالي لموظفيها وتوجيههم.
مفهوم ريادة الأعمال
وأضاف أن هناك ثلاث استراتيجيات لمساعدة موظفيك في إطلاق إمكاناتهم الريادية حتى تتمكن شركتك من الاستمرار في الابتكار وعدم التخلف عن الركب، وهي على النحو التالي:
1- منح الوقت والموارد
تجمع ريادة الأعمال بين القدرة على إيجاد الفرص والشجاعة للعمل بناءً عليها، ومع ذلك تقتصر بعض منظمات ريادة الأعمال على أولئك الذين يطورون منتجات جديدة فحسب، لكن الشركات المبتكرة حقًا تدرك أن مهارات وسلوك ريادة الأعمال تكمن في المواهب الدفينة الموجودة في القوى العاملة بأقسام الشركة المتنوعة وليس في قسم واحد.
بالطبع يمكن لكل موظف المساهمة في ثقافة ريادة الأعمال؛ بدءًا من قسم الموارد البشرية حتى قسم التسويق؛ لجعل العمليات الداخلية أكثر كفاءة، وتحسين المنتجات الحالية، وإطلاق مشاريع جديدة، وحتى تجني شركتك كل هذه الفوائد يحتاج موظفوك إلى الوقت والموارد لاستكشاف الأفكار الجديدة.
كل ما عليك فعله هو تخصيص وقت في جداول الموظفين للتفكير الإبداعي، على سبيل المثال: استقطاع ساعة واحدة من العمل الزائد عن الحاجة لفريق مكون من 10 أشخاص يمكن أن يؤدي إلى 10 ساعات من وقت الاستكشاف الفردي للموظفين؛ لذا امنح الأشخاص المساحة والوقت وخصص أموال للتجربة وجمع واستنباط الأدلة، وعادةً ما تفتقر المنتجات الجديدة والإبداعية إلى بيانات السوق لدعم الابتكار.
وعن هذا أصبح تخصيص وقت لـ “أيام الابتكار” بمثابة استراتيجية شائعة تحت مظلة الشركات الرائدة، على سبيل المثال: تخصص شركة البرمجيات Atlassian فترة زمنية مدتها 24 ساعة كل ثلاثة أشهر للموظفين لتنحية المسؤوليات المعتادة جانبًا والتعامل مع شيء جديد تمامًا، وتتفاوت الابتكارات الناتجة عن تلك المدة ما بين تركيب مصابيح جديدة موفرة للطاقة في المكتب وتسريع البرامج.
ومن المؤكد أن أيام الابتكار هي بداية رائعة، ولكن يجب أن تكون ريادة الأعمال ممارسة ثابتة يتبناها موظفوك كل يوم، وتذكر أن تنمية التفكير الريادي على مستوى الشركة لن تتحقق بين عشية وضحاها ولكنها تستغرق وقتًا طويلًا؛ لذلك ابدأ بعدد قليل من الأقسام، ثم دع الممارسة تنمو وتتوسع معها ثقافة الابتكار.
2- إفساح المجال للفشل
يعد الفشل جزءًا أساسيًا من ريادة الأعمال، وتدعي شركات عديدة أنها تقدره، ومع ذلك عندما يتعلق الأمر بالتقدير فمن المرجح أن تلك الشركات تكافئ النجاح في عملياتها الحالية أكثر من تقديرها لفكرة جديدة لم تلق نجاحًا.
وهو ما أطلقت عليه ” إيمي إدموندسون”؛ من كلية “هارفارد” للأعمال، وصف “السلامة النفسية”، وأشارت إلى أن الموظفين يفتقرون في هذه الشركات إلى هذا النوع من السلامة، وهو إدراك أنه من الآمن خوض المخاطر البالغة الأهمية للتعلم، مثل: طلب التعليقات ومناقشة الأخطاء، وأن مساعدة الموظفين في فهم أنها ليست مشكلة كبيرة إذا لم ينجح الاستكشاف منخفض المخاطر هو جزء من تنمية “السلامة النفسية”.
في حين صرح أحد أعضاء الفريق المشارك مع ” إدموندسون” بأن إحدى فوائد كونك شركة راسخة هو قدرتك على استيعاب حالات الفشل الصغيرة، وواقع الأمر أنه إذا كان الموظفون يؤدون عملهم بشكل صحيح فيجب أن تتوقع منهم ذلك، ولا شك أن عدم خوض المخاطر يلقي في نهاية المطاف بتداعياته السلبية المتمثلة في “الركود”.
ومع ذلك يتردد بعض الموظفون أيضًا في المخاطرة عندما يشعرون بأن الفشل سوف يكسبهم ردود أفعال سلبية، أو يعتقدون أن اللعب بطريقة آمنة من المرجح أنه هو الذي سيؤدي إلى الترقية، وعلى خلاف ذلك يشعر الموظفون في الشركات الريادية بالثقة في أن المخاطرة ضمن حدود معينة سيتم قبولها وحتى مكافأتها.
على سبيل المثال: تمنح مجموعة “تاتا” الهندية جائزة “الجرأة على المحاولة” للمحاولات الشجاعة للإبداعات غير الناجحة، وهي الفكرة التي نحاول بلورتها عبر تلك السطور؛ لذا يمكنك أيضًا تشجيع المخاطرة مهما كانت النتيجة؛ من خلال الاحتفاء بالتفكير الريادي في مراجعات الأداء.
3- الابتكار بالنية
لا تعني ريادة الأعمال الاستكشاف بلا هدف حتى تتعثر في الصخرة الكبيرة التالية، ولكن يجب أن تستخدم الموارد الحالية للشركة في بذل جهود جديدة تتماشى مع أهداف الصورة الكبيرة، على سبيل المثال: تخيل أنك شركة تعمل بالطاقة الشمسية وتتمثل مهمتها في الترويج للطاقة الخضراء.
إن الابتكار بنية يعني التساؤل عن الكيفية التي يمكن بها لمهاراتك وتقنياتك الحالية أن تساعد في دعم الأهداف البيئية خارج منتجاتك الحالية، فأنت لا تزال تسعى إلى المهمة نفسها وتعتمد على أساسيات ما تعرفه، ولكن بطرق مختلفة.
لذا شجع الموظفين على التفكير في الابتكارات التي يتبعونها، وأين قد تكون مواهبهم المحددة أكثر فائدة، فربما تكون هناك فرصة لتطبيق الخبرة الموجودة على مشكلة طويلة الأمد، أو جلب رؤى مسبقة إلى مجال جديد مع اتصال غير متوقع.
على سبيل المثال: اعتمدت شركة السيارات والدراجات النارية “سوزوكي” على خبرتها الأصلية في إنتاج أنوال النسيج لإنشاء دراجة تعمل بمحرك، ثم في وقت لاحق مركبات أكبر حجمًا؛ لذلك تأكد من أن الموظفين يعرفون الوقت والموارد المالية وغيرها من الموارد المتاحة للتجربة، وامنحهم وعودًا الحقيقية بأن المشاريع التي تنمو وتظهر سوف تتلقى الدعم.
وأخيرًا عليك إدراك أنك على عكس الشركات الناشئة، لأنك وببساطة لا تبدأ من الصفر، وعندما يتعلق الأمر بريادة الأعمال تتمتع الشركات القائمة بمزايا كبيرة، في حين يعد الاستقرار المالي، والعلاقات المجتمعية، والعملاء المخلصون، والقوى العاملة الكبيرة والموهوبة، موارد قيّمة يمكن أن تعزز أنواعًا جديدة من النمو والابتكار.
ورغم ذلك تحتاج لإطلاق العنان لهذه الإمكانات ومنح القوى العاملة لديك الوقت والموارد اللازمة للإبداع، ومنحهم مساحة للفشل وتشجيعهم على التفكير بشكل كبير في حدود الوسائل المتاحة.
بقلم/ هايدي نك
المقال الأصلي: هنا



