لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مستقبلية، بل أصبح ساحة استثمارية تعيد تشكيل مراكز القوى داخل الاقتصاد العالمي، وهو ما تجسده بوضوح نتائج مجموعة سوفت بنك اليابانية، التي نجحت في تحويل رهانها الجريء على شركة OpenAI إلى محرك رئيس للأرباح.
ووفقًا لما نقلته وكالة “رويترز سجّلت مجموعة سوفت بنك صافي ربح قدره 248.6 مليار ين (1.62 مليار دولار) خلال الربع الممتد من أكتوبر إلى ديسمبر الماضي. مدعومًا بارتفاع تقييم استثمارها في OpenAI، المطورة لنظام ChatGPT.
وذلك في وقت يزداد فيه الطلب العالمي على حلول الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة.
وتمثل هذه النتائج رابع ربع سنوي متتالٍ تحقق فيه الشركة أرباحًا، مقارنةً بخسارة صافية بلغت 369 مليار ين خلال الفترة نفسها من العام السابق. ما يعزز فرضية أن استثمار سوفت بنك في OpenAI لم يعد مجرد صفقة رأسمالية، بل ركيزة مالية تعيد بناء نموذج أعمال المجموعة بالكامل.
تحوّل إستراتيجي يقوده الذكاء الاصطناعي
اللافت أن تحسن الأداء المالي لم يأتِ من توسع تشغيلي تقليدي، بل من ارتفاع تقييم شركة واحدة. الأمر الذي أثار تساؤلات المستثمرين حول مخاطر الاعتماد المفرط على قطاع واحد شديد التقلب.
ومع ذلك ترى الإدارة أن العوائد المستقبلية تفوق المخاطر، خصوصًا مع توسع استخدامات الذكاء الاصطناعي في قطاعات الأعمال والخدمات.
وتوقع خمسة محللين، استطلعت آراءهم LSEG، أن يتراوح صافي الدخل الفصلي بين ربح قدره 1.1 تريليون ين (7.07 مليار دولار) وخسارة تبلغ 480 مليار ين. وهو نطاق توقعات واسع يعكس حالة عدم اليقين المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي. لكنه في الوقت نفسه يبرز حجم التأثير الذي يمكن أن يسببه استثمار سوفت بنك في OpenAI بنتائج الشركة.
وخلال الأشهر التسعة المنتهية في ديسمبر قدمت OpenAI لسوفت بنك مكاسب استثمارية بلغت 2.8 تريليون ين. وهو رقم ضخم يعكس مدى ارتفاع تقييم الشركة الأمريكية. ويؤكد أن قيمة البيانات والنماذج اللغوية باتت تنافس قيمة النفط في الاقتصاد الرقمي الجديد.

رهان شامل يتجاوز 30 مليار دولار
ضخ تكتل ماسايوشي سون أكثر من 30 مليار دولار في OpenAI؛ ما منحه حصة تقارب 11%، في خطوة وصفت بأنها “رهان شامل” على فوز الشركة في معركة تطوير نماذج اللغة الكبيرة. ويعني ذلك أن سوفت بنك لم تستثمر في شركة ناشئة فحسب، بل راهنت على البنية التحتية المستقبلية للإنترنت نفسه.
ورغم هذا الرهان تخلف سهم سوفت بنك عن شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى خلال الأشهر الأخيرة. نتيجة احتدام المنافسة في سباق الذكاء الاصطناعي. لا سيما مع دخول عمالقة، مثل ألفابت، بقوة إلى المجال. ما يضع استثمار مجموعة سوفت بنك في OpenAI تحت اختبار مستمر من قبل الأسواق.
وتسعى OpenAI حاليًا إلى جولة تمويل جديدة بقيمة 100 مليار دولار، بمشاركة محتملة من أمازون وإنفيديا، عند تقييم يصل إلى 830 مليار دولار. وهو رقم قد يرفع قيمة حصة سوفت بنك بشكلٍ هائل إذا اكتمل التمويل. لكنه في المقابل يضاعف حساسية نتائجها المالية لأي تغير في تقييم الشركة.
تمويل الرهان عبر بيع الأصول والاقتراض
من أجل دعم توسعها في قطاع الذكاء الاصطناعي لجأت مجموعة سوفت بنك إلى بيع أصول وإصدار سندات والحصول على قروض مدعومة بحيازاتها الأخرى، مثل شركة Arm لتصميم الرقائق. في إشارة واضحة إلى أن استثمار سوفت بنك في OpenAI يمثل أولوية إستراتيجية تتقدم على الاستثمارات التقليدية.
باعت المجموعة بالفعل حصتها البالغة 5.8 مليار دولار في إنفيديا. كما باعت بين يونيو وديسمبر من العام الماضي جزءًا من حصتها في T-Mobile مقابل 12.73 مليار دولار. ما يعكس إعادة توزيع واسعة لمحفظتها الاستثمارية نحو الذكاء الاصطناعي.
كذلك وسعت الشركة قرض الهامش المدعوم بأسهم Arm إلى 20 مليار دولار من 13.5 مليار دولار، واستخدمت السعة المتبقية بالكامل. إضافة إلى رفع حد الاقتراض مقابل أسهم وحدة الاتصالات SoftBank Corp إلى 1.2 تريليون ين من 800 مليار ين.
وهي خطوات تعكس اعتمادًا متزايدًا على التمويل لتعظيم مكاسب الاستثمار.
مخاطر الاعتماد على لاعب واحد
هذا الانكشاف الكبير جعل الأسواق تنظر إلى سوفت بنك بوصفها وكيلًا مدرجًا في البورصة لشركة OpenAI. ما يثير مخاوف المستثمرين من أن أي تراجع في تقييم الشركة الأمريكية قد ينعكس مباشرة على نتائج المجموعة اليابانية.
والأمر يزداد تعقيدًا مع ارتفاع تكاليف تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي لدى OpenAI نتيجة المنافسة الشرسة من شركات مثل ألفابت. ما يعني أن مستقبل استثمار سوفت بنك في OpenAI لا يرتبط بالنمو فقط، بل أيضًا بكفاءة الإنفاق التكنولوجي.
ورغم هذه المخاوف ارتفع سهم سوفت بنك بنسبة 2.4% في سوق مستقرة قبل إعلان النتائج. في إشارة إلى أن الأسواق لا تزال تراهن على أن الذكاء الاصطناعي سيبقى المحرك الأكبر للقيمة خلال العقد القادم. وأن رهان ماسايوشي سون قد يتحول إلى أحد أكثر القرارات الاستثمارية تأثيرًا في تاريخ التكنولوجيا الحديث.


