ريادة الأعمال هي المعرفة والعقلية والقدرة على تحويل فكرة عمل أو عمل محتمل إلى واقع، وفي حواره مع “رواد الأعمال” أكد البروفيسور عمار كاكا؛ رئيس جامعة “هيريوت وات” بدبي، أن سوق العمل شهد العديد من التغيرات بسبب الثورة التكنولوجية الجديثة.
إليكم نص الحوار..
ما مدى أهمية صقل مهارات ومعرفة الطلبة في مجالات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء بالشرق الأوسط؟
لقد تغير سوق العمل ومتطلباته بشكل جذري بسبب الثورة التكنولوجية التي نشهدها حاليًا، فأصبح من الضروري توفير جيل جديد يمتلك المهارات المطلوبة لمواكبة هذا التطور.
وهناك فجوة تعاني منها الكثير من المؤسسات والشركات في الوقت الراهن بين المهارات التي يمتلكها الموظفون حاليًا والمهارات المطلوبة فعليًا التي تمكّن الموظف من أداء مهامه الوظيفية بكفاءة عالية وحرفية؛ لذا فإن 50% من الموظفين سيحتاجون الى إعادة تشكيل مهاراتهم بحلول 2025 والاعتماد على التقنيات بشكل كامل. وأصبح مهمًا أن تتولى الجامعات والمؤسسات التعليمية رصد هذه الفجوة وإمداد الطلبة والخريجين بمجموعة من المهارات المختلفة (المهارات التقنية والناعمة) التي سوف تساعدهم في التصدي لكل تحديات سوق العمل؛ بسبب هذا التحول في طبيعة الأعمال.
إن الذكاء الاصطناعي وتقنياته الحديثة تمثل الأدوات المستقبلية الرئيسية لتعزيز الاقتصاد المعرفي المستدام والتنمية الشاملة، والحكومات في الشرق الأوسط تتبنى وتشجع المؤسسات الأكاديمية لدعم طلابها وبناء قدراتهم المعرفية والعلمية والعملية؛ بهدف الارتقاء بمستوياتهم بما يتناسب مع التوجهات المستقبلية العالمية.
هل لمست إقبال الطلبة الجدد على البرامج والشهادات التعليمية المتخصصة في مجالات الذكاء الاصطناعي؟
نعم، بالطبع هناك زيادة ملموسة في إدراك الطالب الجامعي لأهمية هذه المجالات، خاصة خلال الفترة الأخيرة؛ حيث زاد الاعتماد على التكنولوجيا وتقنيات الذكاء الاصطناعي المختلفة في حياتنا اليومية بشكل كبير بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، خصوصًا بعد الجائحة، وبالتالي انعكس هذا على إعادة تحديد أولويات واتجاهات الطالب الجامعي في اختيار البرنامج التعليمي المتخصص والمسار الذي سيقدم له المعرفة والمهارات المطلوبة التي تساعده في تحقيق حلمه بمجاله المفضل.
في ظل الثورة التكنولوجية التي نشهدها حاليًا ما هي الوظائف الأكثر طلبًا مستقبلًا؟
- محللو البيانات وعلماء البيانات:
خبراء علوم البيانات مطلوبون في كل مجال تقريبًا؛ من الخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية إلى الرعاية الصحية والخدمات المصرفية. وتعتمد ملايين الشركات والجهات الحكومية على البيانات الضخمة للنجاح وخدمة عملائها بشكل أفضل، ويزداد الطلب بالفعل على وظائف علوم البيانات وسوف يواصل هذا الاتجاه النمو في المستقبل.
- متخصصو الذكاء الاصطناعي (AI) وتعلم الآلة (ML):
تم تصميم الذكاء الاصطناعي ليصنع بعضًا من أهم الابتكارات وأكثرها تعقيدًا في هذا القرن، فالسيارات المستقلة وروبوتات الدردشة والأجهزة المنزلية الذكية كلها تطبيقات وإبداعات لعصر الذكاء الاصطناعي المتطور الذي سيعيد تصميم الطريقة التي نعيش ونعمل بها. وفي المستقبل سيعتمد المزيد من الصناعات على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي؛ ما يؤدي إلى نمو مذهل في سوق العمل لمتخصصي الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة الموهوبين.
- متخصصو التسويق الرقمي:
أصبح المستهلكون اليوم معتمدين بشكل كبير على المنصات الرقمية لأغراض مختلفة مثل التسوق عبر الإنترنت والرعاية الصحية عن بُعد. ويزدهر مجال التسويق الرقمي في ظل زيادة أهمية وسائل الإعلام عبر الإنترنت.
ويحتاج المسوق الرقمي المتميز إلى تفكير تحليلي قوي، وموهبة وإبداع، ونهج اتخاذ قرارات من خلال البيانات بمقاييس متساوية، هذا مهم لأن البيانات تتيح لنا الآن نشر حملات تسويقية تُزوّد مستخدمي الإنترنت بمنتجات واتصالات واقتراحات مخصصة.
- خبراء إنترنت الأشياء (IoT):
تتوقع شركة “آي دي سي” أنه بحلول عام 2025 سيكون هناك 55.7 مليار جهاز متصل في جميع أنحاء العالم، وسيتم توصيل 75% منها بمنصة إنترنت الأشياء، ويتطلب مثل هذا التحول المكثف لإنترنت الأشياء مواهب وامكانيات مطوري إنترنت الأشياء مع مجموعة المهارات ذات الصلة لتشغيل هذه الأجهزة ببرامج وظيفية؛ ما يعني شيئًا واحدًا فقط: زيادة الطلب والمزيد من الوظائف لمتخصصي إنترنت الأشياء.
- الأمن السيبراني:
عدد الوظائف الشاغرة في مجال الأمن السيبراني مرتفع، ويبدو أن الطلب على المتخصصين في مجال الأمن السيبراني سوف يستمر في الارتفاع؛ إذ تتزايد الهجمات الإلكترونية يومًا بعد يوم، وعلى الرغم من أننا نسمع بشكل أساسي عن مثل هذه الهجمات التي تشنها كيانات بارزة إلا أنه لا توجد منظمة أو فرد له وجود على الإنترنت محمٍ تمامًا من مثل هذه الهجمات.
ما أهمية مهارات ريادة الأعمال التي يجب أن يمتلكها الخريجون والشباب للنجاح بوظائفهم في المستقبل، خاصةً عند تأسيس مشاريعهم الخاصة؟
ريادة الأعمال هي المعرفة والعقلية والقدرة على تحويل فكرة عمل أو عمل محتمل إلى واقع، ولا تشمل فقط أولئك الذين يؤسسون مشروعًا جديدًا ولكن أيضًا أولئك الذين يوصفون بأنهم مبتدئون في بيئة عملهم. ومع نمو اقتصاد الوظائف المؤقتة سيأخذ المزيد من الشباب زمام المبادرة لإطلاق مشاريع جديدة ممكّنة بمهارات ريادة الأعمال، مثل: الابتكار والإبداع والاجتهاد وسعة الحيلة والمرونة والفضول والتفاؤل والرغبة في المخاطرة والشجاعة والفطنة التجارية.
هل يهدد التحول الرقمي بالشرق الأوسط والأتمتة فرص الوظائف للخريجين الجدد في حال لم تُتح لهم الفرص الكافية لصقل مهاراتهم؟
بلا شك سوف تنعكس الفجوة على فرص الطلبة الخريجين لإيجاد وظيفة مناسبة إن لم يتم صقل مهاراتهم بالشكل الكافي؛ لذا فإن من أولوياتنا إتاحة مناهج تعليمية مرنة ومتطورة وبرامج متخصصة للطلبة تضمن تأهيل جيل من الخريجيين؛ لمواكبة تحديات سوق العمل الذي يعتمد بشكل كبير على الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
وبالتالي لن يجد الطالب صعوبة في مواجهة متطلبات سوق العمل أو إنجاز مهامه الوظيفية بكفاءة عالية. وأكدت دراسات أنه سيتم الاستعاضة عن 75 مليون وظيفة في 20 اقتصادًا رئيسيًا بالتقنيات الناشئة بحلول عام 2022، فضلًا عن إنشاء 133 مليون وظيفة جديدة؛ من خلال تطورات التكنولوجيا المشهودة.
يُعد اكتساب معظم المهارات المطلوبة لوظائف الثورة الصناعية الرابعة مهمة صعبة للشباب والطلبة في الشرق الأوسط.. فما هي طرق تحقيق ذلك؟
لقد أصبح اكتساب المهارات المختلفة تحديًا للطلبة والخريجين لمواكبة متطلبات سوق العمل المتغيرة، ولمواجهة ذلك أخذت المؤسسات التعليمية والجامعات على عاتقها مهمة إعادة صقل مهارات الموظف الحالي والطالب حديث التخرج لتمكينه من مواجهة تحديات سوق العمل؛ وهذا عن طريق إتاحة برامج وشهادات تعليمية متخصصة وتقديم أحدث الأساليب التكنولوجية في البحث العلمي؛ ومن خلال هذه البرامج التعليمية تُتاح للطالب أو الخريج الفرصة للعمل على مشاريع وأبحاث علمية خاصة بمجال دراسته تساهم في تنمية مهاراته الناعمة، مثل: التفكير النقدي ومهارات التواصل وحل المشكلات، بالإضافة إلى صقل معرفته في المجال الذي يدرسه ومنحه الفرصة لتنفيذ أفكاره وابتكاراته على أرض الواقع في بيئة مناسبة، إلى جانب تقديم الحلول والمناهج المرنة للطلبة لتناسب أسلوب حياتهم.
على سبيل المثال لا الحصر: أطلقت جامعة هيريوت وات مبادرة “هيريوت وات أونلاين” تختلف عن مناهج التعليم الأخرى؛ حيث يتم تقديم دورات مخصصة تسلط الضوء على القضايا الرئيسية وفجوة المهارات التي ترصدها الشركات والمؤسسات.
وتشمل المبادرة: دورات الماجستير في موضوعات متخصصة مثل التحول الرقمي وتحليلات البيانات وإدارة سلسلة التوريد والخدمات اللوجستية، جنبًا إلى جنب درجات البكالوريوس والتدريب المهني، وهي تعمل مع الشركات على تنظيم دورات تدريبية مصممة خصيصًا لتلبية احتياجات المهارات الحالية والمستقبلية والمشاركة فيها.
وستطلق “هيريوت وات أونلاين” 20 دورة ماجستير إضافية على مدار السنوات القليلة المقبلة، والتي تستهدف الصناعات الناشئة، مثل: المستقبل المستدام وانتقال الطاقة وعلم نفس إدارة الأعمال.
وسوف تتمكن الجامعة من دعم المؤسسات لاحتياجات القوى العاملة في التنمية؛ من خلال النهج الجديد والتعليم التطبيقي القائم على الأعمال. وتعكس الدورات الجديدة، مثل ماجستير الاستدامة وانتقال الطاقة، تركيز العديد من الشركات على أهمية صافي الانبعاثات الصفري، أما الشركات فيجب عليها أن ترصد المشكلات والتحديات للتدخل في الوقت المناسب والحفاظ على الكفاءات الحالية، والقدرة على جلب الكفاءات المناسبة؛ للعمل على تحقيق رؤية الشركة وزيادة الإنتاجية.
هل تلبي المؤسسات الأكاديمية متطلبات سوق العمل؟ وما هي السبل؟
بالطبع أصبحت المؤسسات الأكاديمية والجامعية على دراية كاملة بمتطلبات سوق العمل وصارت تعمل جنبًا إلى جنب بصفة مستمرة مع الشركات؛ لرصد أي تحدٍ، كما أصبحت القدرة على إدراك أي فجوة في المهارات المطلوبة بسوق العمل والعمل على التصدي لها أمرًا أساسيًا لإتاحة أساليب حديثة ومتطورة للطلبة الحاليين وحديثي التخرج وسد هذه الفجوة، بالإضافة إلى تقديم الدعم للمؤسسات والشركات وتوفير الكفاءات اللازمة والقادرة على إتمام المهام الوظيفية على أكمل وجه في جميع المجالات المتخصصة.
فالتعاون المستمر بين المؤسسات التعليمية ورواد الصناعات المختلفة أصبح غايةً في الأهمية؛ لحل جميع المشكلات الطارئة. وتوفر المؤسسات الأكاديمية والجامعات الفرص للطلبة والخريجين لتنمية مهاراتهم الناعمة ومهاراتهم التقنية؛ من خلال مشاريع عملية يستطيعون من خلالها تطبيق دراستهم على أرض الواقع، إلى جانب المجالات البحثية الأخرى، مع توفير الموارد الضرورية لتجربة علمية فريدة ومتطورة ومبتكرة.
اقرأ أيضًا:
التحول الرقمي في المملكة.. ملامح عصر جديد
خصائص الشخصية المبتكرة.. الملامح والمحددات
3 ممارسات أمنية يتبناها رواد الأعمال في عام 2022
إنجازات الابتكار في المملكة.. ملامح حقبة جديدة
رواد التطبيقات الإلكترونية.. عقليات متطورة


