تدخل بطاقة آبل الائتمانية مرحلة جديدة من تاريخها، مع تحوّل جذري بالجهة المصدِرة لها، في خطوة تعكس إعادة رسم خريطة الشراكات بين عمالقة التكنولوجيا والمؤسسات المصرفية الكبرى. وذلك بعد إعلان بنك “جيه بي مورجان تشيس” توصّله إلى اتفاق رسمي لتولّي إصدار بطاقة آبل الائتمانية بدلًا من مصدرها الأصلي “جولدمان ساكس”، في صفقة تحمل أبعادًا مالية وإستراتيجية عميقة لكل الأطراف المعنية.
وفي هذا الإطار أعلن البنكان، أمس الأربعاء في بيانين منفصلين، التوصل إلى هذا الترتيب بعد نحو عام كامل من المفاوضات المكثفة. وهو ما يعكس تعقيد الصفقة وحساسيتها، لا سيما في ظل تشابك المصالح بين القطاعين المصرفي والتكنولوجي، وفق ما أفادت به CNBC في تقرير موسّع تناول كواليس الاتفاق وتداعياته المحتملة.
ويعني هذا التحوّل أن أحد أكبر البنوك الأمريكية في مجال بطاقات الائتمان والخدمات المصرفية للأفراد سيواصل توسيع نفوذه بشكل أكبر. في وقتٍ يعيد فيه جولدمان ساكس ترتيب أولوياته الإستراتيجية والخروج تدريجيًا من قطاع التمويل الاستهلاكي الذي لم يحقق له العوائد المرجوّة.
تفاصيل الصفقة وأبعادها المالية
وبموجب الاتفاق الجديد يتولى بنك جيه بي مورجان أكثر من 20 مليار دولار من قروض بطاقات الائتمان التابعة لجولدمان ساكس. وهو البنك الذي بدأ منذ عام 2022 تقليص انكشافه على التمويل الاستهلاكي. في محاولة للتركيز مجددًا على أنشطته الأساسية ذات الربحية الأعلى.
وفي هذا السياق أوضح جيه بي مورجان أن إتمام الصفقة يستغرق نحو 24 شهرًا. وهي فترة انتقالية تهدف إلى ضمان سلاسة نقل المحفظة والحفاظ على تجربة العملاء دون أي اضطرابات تشغيلية. وهو عنصر بالغ الأهمية في شراكة تحمل اسم آبل.
وعلاوة على ذلك أشار البنك إلى أنه سوف يسجّل مخصصات لخسائر الائتمان بقيمة 2.2 مليار دولار عند إعلان نتائجه المالية للربع الأخير من عام 2025. والمقرر الإفصاح عنها الأسبوع المقبل، في خطوة تعكس استعداده لتحمّل المخاطر المرتبطة بالمحفظة الجديدة.
ماذا يعني الاتفاق لعملاء بطاقة «آبل» الائتمانية؟
طمأن جيه بي مورجان العملاء بأنهم سيواصلون الاستفادة من جميع المزايا الحالية لـ «بطاقة آبل الائتمانية» دون تغيير. كما تظل البطاقة تعمل عبر شبكة ماستركارد، وهو ما يبدّد المخاوف المتعلقة بإمكانية تعديل الشروط أو تعطّل الخدمات.
ومن جانبها أكدت جينيفر بيلي؛ المسؤولة التنفيذية في آبل عن المدفوعات، في بيان رسمي، أن «تشيس يشاركنا التزامنا بالابتكار وتقديم منتجات وخدمات تعزز حياة المستهلكين». مضيفة أن الشركة تتطلع إلى العمل المشترك لمواصلة تقديم تجربة تعد الأفضل في فئتها.
ويعكس هذا التصريح اهتمام آبل بالحفاظ على صورتها كشركة تضع تجربة المستخدم في صدارة أولوياتها، حتى مع تغيّر الشريك المصرفي. وهو ما يمنح الاتفاق بعدًا تسويقيًا وتقنيًا يتجاوز الجوانب المالية البحتة.

تعزيز مكانة «جيه بي مورجان»
يسهم هذا العقد في تعميق ارتباط جيه بي مورجان بإحدى كبرى شركات التكنولوجيا في العالم. وهو ما يعزّز سمعته بوصفه رائدًا في القطاع المالي الأمريكي، لا سيما أن البنك كان، حتى قبل إبرام هذه الصفقة، أكبر مصدر لبطاقات الائتمان في الولايات المتحدة من حيث حجم المشتريات.
ومن ثمّ فإن الاستحواذ على بطاقة آبل الائتمانية لا يمثّل مجرد إضافة رقمية إلى محفظة البنك. بل يشكّل توسّعًا نوعيًا يمنحه وصولًا مباشرًا إلى قاعدة مستخدمين ضخمة من عملاء آبل، المعروفين بولائهم العالي للعلامة التجارية.
كما يفتح هذا التعاون الباب أمام مزيد من التكامل بين الخدمات المصرفية التقليدية والأنظمة الرقمية المتقدمة التي تطوّرها آبل. في وقت يشهد به القطاع المالي تحولات متسارعة نحو الابتكار الرقمي.
«جولدمان ساكس» يطوي صفحة صعبة
في المقابل يمثّل تخلي جولدمان ساكس عن نشاط بطاقة آبل الائتمانية خطوة مفصلية في مسار البنك، الذي واجه تحديات كبيرة في قطاع التمويل الاستهلاكي. وهو ما شكّل عبئًا على إدارة الرئيس التنفيذي ديفيد سولومون.
وكان جولدمان دخل سوق بطاقات الائتمان في عام 2019 وسط ضجة كبيرة، بعد تفوقه على جهات إصدار أخرى للفوز بإصدار بطاقة آبل. إلا أن التجربة لم تحقق النتائج المتوقعة؛ ما دفع البنك إلى إعادة تقييم إستراتيجيته.
وقال سولومون؛ في بيان رسمي، إن الصفقة تنجز إلى حد كبير عملية تضييق نطاق تركيز البنك في الأعمال الموجّهة للمستهلكين. مؤكدًا التزامه بدعم العملاء خلال مرحلة الانتقال إلى مصدر جديد. مع التركيز على دفع الإستراتيجية الخاصة بالأعمال الأساسية.
مكاسب مالية وانسحابات منافسة
أضاف جولدمان ساكس أن الصفقة تعزز أرباحه بمقدار 46 سنتًا للسهم الواحد عند إعلان نتائجه المالية الأسبوع المقبل. وهو ما يمنح المستثمرين إشارة إيجابية بشأن أثر الاتفاق على الأداء المالي للبنك.
وفي سياق متصل كانت شبكة CNBC أفادت في يوليو الماضي بأن المحادثات بين جيه بي مورجان وآبل قطعت شوطًا متقدمًا. مع بقاء جيه بي مورجان البنك الوحيد في السباق، بعد انسحاب جهات إصدار أخرى مهتمة، من بينها أمريكان إكسبريس وسينكروني وباركليز.
وفي ذلك الوقت قال أشخاص مطلعون على الملف إن جيه بي مورجان لم يكن مستعدًا لتولي محفظة بطاقة آبل إلا بشرط موافقة كل من جولدمان وآبل على تقديم تنازلات جوهرية.
آفاق مستقبلية وتوسّع في الخدمات
وفي خطوة تعكس طموحات أوسع يخطط جيه بي مورجان لتقديم حساب توفير من آبل ضمن حزمة من الخدمات المالية التي تطرحها الشركة التقنية العملاقة. وهو ما يشير إلى أن الصفقة لا تقتصر على بطاقة ائتمان فحسب، بل تمثّل بوابة لتعاون مالي أعمق.
وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” أول من كشف عن تفاصيل الصفقة. قبل أن تتوالى التقارير التي أكدت أن بطاقة آبل الائتمانية باتت اليوم في قلب تحوّل إستراتيجي يعكس تلاقي المصالح بين المال والتكنولوجيا في مرحلة جديدة من الاقتصاد الرقمي.


