يشهد العالم تحولًا لافتًا في أنماط العمل، مع بروز فئة جديدة من الشباب الأمريكيين الذين يجمعون بين العمل عن بُعد والسفر حول العالم في وقت واحد، معتمدين على نمط حياة يوازن بين الإنتاجية المهنية والبحث عن التجارب الإنسانية والثقافية.
وتعد لياه ديرينونكورت، الشابة الأمريكية البالغة من العمر 24 عامًا، نموذجًا بارزًا لهذا التحول.
اختارت لياه ديرينونكورت أن تعمل من خارج الولايات المتحدة الأمريكية. متنقلةً بين مدن أمريكا الجنوبية، مع حفاظها على وظيفة أمريكية كاملة عن بعد.
ويعكس هذا الاتجاه صعودًا متناميًا لأسلوب الحياة المعروف باسم “البدوي الرقمي”. والذي بات يجذب عشرات الآلاف من الباحثين عن نمط أكثر تحررًا ومرونة.
الرحلة المبكرة
نشأت لياه ديرينونكورت داخل أسرة تعمل في مجال الصحة العامة الدولية. وهو ما جعلها تعيش طفولتها متنقلة بين دول مختلفة مثل: هايتي وتنزانيا وزامبيا والفلبين.
وأسهمت هذه البدايات في تعميق حبها للمغامرة والانفتاح على الثقافات. وعندما بلغت العاشرة عادت أسرتها للاستقرار في ولاية ماريلاند الأمريكية، لكن الشغف بالسفر ظل راسخًا بداخلها.

وبعد حصولها على درجة البكالوريوس في العلاقات العامة من كلية إيمرسون عام 2022 لم تمكث طويلًا في موطنها. إذ اتجهت مباشرة نحو حياة الترحال، باحثة عن تجارب جديدة وفرص مهنية مرنة. بدأت رحلتها بزيارة كولومبيا لمدة شهر؛ حيث وجدت أن تكاليف المعيشة الأقل والثقافة الحيوية يقدمان أرضية مثالية لبداية حياة “العيش في الخارج”.
وفي حديثها لمجلة “فورتشن” تؤكد لياه أن كولومبيا كانت أول محطة في سلسلة من التحركات التي قادتها إلى تبنّي أسلوب “البدوي الرقمي”. وهو أسلوب يتناغم مع طموحات جيل الشباب الباحث عن حرية أكبر في اختيار مكان العيش والعمل.
من العمل الحر إلى الشركات العالمية
بدأت لياه مسيرتها المهنية بالعمل الحر كخبيرة علاقات عامة لشركة أمريكية تستهدف جيل زد. ثم التحقت بشركة SafetyWing المتخصصة في تقديم التأمين الصحي للعاملين عن بعد.
ورغم انتقالاتها المتعددة حافظت على إقامتها داخل الولايات المتحدة. ما مكّنها من العمل لصالح شركات أمريكية أثناء إقامتها في الخارج.
وخلال إقامتها في ميديلين الكولومبية لمدة عام كامل بتأشيرة “البدو الرقميين”، حصلت على وظيفة في شركة اتصالات أمريكية تعتمد نموذج العمل عن بعد بشكلٍ كامل. غير أن طموحاتها قادتها إلى محطة جديدة؛ إذ انتقلت إلى تشيلي واستقرت في شقة استوديو صغيرة مع شريكها. مستفيدةً من انخفاض تكاليف المعيشة في البلاد.
وترى لياه ديرينونكورت أن العمل عن بعد يمنحها مرونة غير مسبوقة. كما يتيح لها بناء علاقات مجتمعية في كل مدينة تعيش فيها. وهو ما تعتبره أحد أهم مكاسب هذا النمط من الحياة.
ثقافة “اعمل لتعيش”
يعد الفارق الثقافي بين أسلوب العمل في الولايات المتحدة ونظيره في أمريكا الجنوبية عنصرًا محوريًا في قرار لياه بالاستقرار خارج بلدها.
وفي هذا الجانب تقول: “إن المجتمعات في تشيلي وكولومبيا تضع حدودًا أكثر صحة بين الحياة المهنية والشخصية. إذ يسود مبدأ (اعمل لتعيش) بدلًا من ثقافة العمل المتواصل التي تميز الولايات المتحدة”.
وتوضح أن الأنشطة الاجتماعية هناك أكثر حيوية وارتباطًا بالمجتمع المحلي. فالأصدقاء يلتقون في الحدائق ويتشاركون الوقت بعيدًا عن ضغط العمل. وعلى عكس العديد من البدو الرقميين الذين يتنقلون بسرعة بين الدول، تفضل لياه ديرينونكورت البقاء لفترات طويلة لإنشاء روابط حقيقية في كل مكان تستقر فيه.
وتقرّ بأنها تشعر أحيانًا بالذنب لكسبها راتبًا يفوق ما يحصل عليه المواطن المحلي. لكنها تؤكد أن انخراطها في المجتمع المحلي، إلى جانب تواضع دخلها الأمريكي نسبيًا، يخفف من هذا الشعور.
المدن الأرخص تعني فرصًا أكبر للادخار
تمثل تكاليف المعيشة عاملًا حاسمًا في قرار آلاف البدو الرقميين مغادرة الولايات المتحدة. وهو ما تؤكده لياه من خلال تجربتها. ففي كولومبيا لم يتجاوز إيجار شقتها 650 دولارًا -وهي تعترف بأن ذلك كان أعلى من السعر الحقيقي- مقارنة بـ 1,836 دولارًا للشقة ذاتها في واشنطن العاصمة.
وتشير إلى أنه لو بقيت في الولايات المتحدة لاضطرت إلى السكن مع عدة شركاء. بينما الإقامة في تشيلي، رغم كونها أغلى من كولومبيا، لا تزال تمكنها من الادخار أكثر من ألف دولار شهريًا. وهذا الفارق السعري يمنحها فرصة لتحقيق هدف مهم: “الادخار للدراسات العليا”.
كما توضح أن انخفاض تكاليف الطعام، والتنقل، والخدمات في أمريكا الجنوبية يمنحها هامشًا ماديًا أكبر مقارنة بمدن أمريكية عديدة. وهو ما يجعلها أكثر قدرة على التخطيط للمستقبل.

هدف مستقبلي واضح
وعلى الرغم من رضاها عن وظيفتها الحالية في مجال الاتصالات، تطمح لياه ديرينونكورت إلى العودة يومًا ما إلى مقاعد الدراسة للحصول على درجة الماجستير في إدارة الفنون والثقافة.
لكنها لا تفكر في العودة إلى الولايات المتحدة، نظرًا لتكاليف التعليم الباهظة. بل تخطط للدراسة في جامعة أوروبية؛ حيث التعليم أقل تكلفة ونوعية الحياة أكثر اتزانًا.
وبدأت بالفعل في الادخار لهذا الهدف؛ إذ توفر شهريًا نحو 1,200 دولار تمثل حجر الأساس لمستقبلها الأكاديمي والمهني. وترى أن أسلوب “البدوي الرقمي” لا يمنحها الحرية فقط. بل يوفر لها قدرة مالية على تحقيق أهداف لم تكن ممكنة داخل الولايات المتحدة.


