تتصدر المملكة العربية السعودية المشهد الرقمي العالمي، محققةً قفزة استثنائية وغير مسبوقة في مؤشر تطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لعام 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات. ويأتي هذا الإنجاز ليعكس التزام المملكة الراسخ برؤيتها الطموحة، والتي تهدف إلى بناء مجتمع رقمي شامل ومستدام، مدعومًا ببنية تحتية قوية ومتقدمة. هذه المرتبة المرموقة التي احتلتها المملكة، تفوقت بها على دول عريقة وسبّاقة في المجال التقني؛ ما يؤكد صواب النهج التنموي الذي تتبعه.
ويشكّل هذا الإنجاز التاريخي شهادة على فعالية السياسات والاستراتيجيات التي تبنتها المملكة لتعزيز قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. والذي بات ركيزة أساسية لتحقيق التنمية الشاملة. لم يأتِ هذا النجاح من فراغ، بل هو نتاج عمل دؤوب وجهود مكثفة لتقديم خدمات الاتصال الشاملة والفاعلة. والتي تجاوزت مجرد توفير الإنترنت لتشمل إتاحتها بجودة عالية وأسعار معقولة؛ ما يضمن تحقيق فائدة حقيقية وعميقة للمجتمع.
مؤشر دولي لقياس التقدم الرقمي
يعد مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (IDI)، الذي أطلقه الاتحاد الدولي للاتصالات في عام 2009، الأداة المرجعية لقياس مستوى تطور قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في 164 دولة حول العالم. ويمثل هذا المؤشر مقياسًا دقيقًا يعتمد على مفهوم “الاتصال الشامل والهادف”، وهو ما يعني ضرورة تجاوز مجرد توفير الاتصال الشبكي إلى ضمان توفره بجودة ممتازة، وبتكلفة ميسورة. مع قدرته على تحقيق أثر إيجابي وملموس في حياة الأفراد.
تكمن أهمية هذا المؤشر في أنه لا يقتصر على قياس البنية التحتية فقط، بل يتسع ليشمل جوانب الاستخدام الفعلي للتقنية وتأثيرها الاجتماعي والاقتصادي. هذا المفهوم الشامل للاتصال هو ما يميز المؤشر، ويجعله مرآة تعكس مدى تقدم الدول في تحقيق الشمول الرقمي. وتظهر النتائج أن الدول التي تعتمد هذا المنهج الشمولي، مثل المملكة العربية السعودية، هي التي تحقق أعلى المراتب؛ ما يؤكد أن الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لا يقتصر على الجانب التقني بل يشمل الجانب الإنساني أيضًا.
مؤشرات فرعية لقياس الأداء
يتألف مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من عشرة مؤشرات فرعية، تشكل بمجموعها صورة متكاملة عن حالة القطاع الرقمي في أي دولة. وتشمل هذه المؤشرات قياس نسبة الأفراد الذين يستخدمون الإنترنت، ونسبة الأسر التي لديها اتصال بالإنترنت في المنزل. إضافة إلى اشتراكات النطاق العريض المتنقل لكل مائة نسمة.

علاوة على ذلك، يركز المؤشر على جودة التغطية الشبكية؛ حيث يقيس نسبة السكان المشمولين بتغطية شبكات الجيل الثالث (3G) على الأقل. ونسبة السكان المشمولين بتغطية شبكات الجيل الرابع (4G/LTE) على الأقل. وتوضح هذه الأرقام الحيوية مدى كفاءة البنية التحتية للاتصالات وقدرتها على توفير خدمات سريعة وموثوقة للمواطنين. فكلما زادت نسبة التغطية، دل ذلك على استثمار أكبر في البنية التحتية.
استهلاك البيانات وتكاليف الاتصال
كما تتضمن المؤشرات الفرعية أيضًا قياس حجم استهلاك البيانات؛ حيث يرصد المؤشر حركة الإنترنت. عبر النطاق العريض المتنقل لكل اشتراك، وحركة الإنترنت عبر النطاق العريض الثابت لكل اشتراك. وتعطي هذه البيانات مؤشرًا واضحًا على معدلات الاستخدام الفعلي للخدمات الرقمية. ما يعكس مدى اعتماد الأفراد على الإنترنت في حياتهم اليومية، سواء للعمل، أو التعليم، أو الترفيه، أو التواصل الاجتماعي.
كما يعالج المؤشر جانب التكلفة، وهو عامل حاسم في تحقيق الشمول الرقمي. ويتم قياس تكلفة سلة الاستهلاك المرتفع للبيانات والمكالمات عبر الهاتف المحمول. بالإضافة إلى تكلفة الإنترنت الثابت، كنسبة من نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي. ويحدد هذا المعيار مدى إمكانية وصول الأفراد للخدمات الرقمية دون تحمل أعباء مالية كبيرة. فكلما انخفضت هذه النسبة، كان ذلك دليلًا على وجود بيئة رقمية أكثر شمولًا وإنصافًا.
نتائج رائدة ومقارنة إقليمية
كما حقق مؤشر تطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات نتائج لافتة للنظر. حيث تصدرت المملكة العربية السعودية القائمة العالمية بتسجيلها 99.2 نقطة. متفوقة على دول متقدمة مثل: فنلندا (98.7)، وإستونيا (98.5)، والدنمارك (97.9)، والولايات المتحدة الأمريكية (97.4). بينما يعكس هذا التفوق جدية المملكة في تبني أحدث التقنيات ووضعها في خدمة المجتمع. ما يضعها في موقع الريادة التقنية على الصعيد الدولي.
وفي سياق المقارنة الإقليمية، أظهرت دول عربية أخرى نتائج متميزة؛ حيث احتلت الكويت المرتبة الرابعة (98.4)، وقطر المرتبة الخامسة (98.4)، والإمارات المرتبة السادسة (98.3)، والبحرين المرتبة التاسعة (97.5). كما تؤكد هذه النتائج أن المنطقة العربية تشهد تحولًا رقميًا متسارعًا وفعالًا، وتستثمر بشكل كبير في البنية التحتية للاتصالات. ما يجعلها من بين المناطق الواعدة في المجال التقني.
تحديات قائمة وجهود مستمرة
بينما على الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزته دول المنطقة، إلا أن التحديات ما زالت قائمة. ففي مصر، على سبيل المثال. سجل المؤشر 77.9 نقطة. ما يشير إلى وجود فجوة ينبغي العمل على سدها. تتطلب هذه الفجوة جهودًا إضافية من أجل تطوير البنية التحتية للاتصالات وتوسيع نطاق الخدمات الرقمية لتشمل شرائح أوسع من المجتمع.
كما يشير هذا التفاوت في النتائج إلى أن الرحلة نحو تحقيق الشمول الرقمي الكامل ما زالت مستمرة وتتطلب التزامًا متواصلًا. فبينما تواصل دول مثل السعودية مسيرتها نحو التميز، يجب على الدول الأخرى. تكثيف جهودها لضمان أن تكون خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في متناول جميع الأفراد. ما يساهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة. وهذا هو السبيل الوحيد لتحقيق مجتمع رقمي عادل ومستدام.


