يبدو أن قصة الشاب الأمريكي إيميل بار -البالغ من العمر 22 عامًا- أصبحت مثالًا لافتًا على ما يمكن أن يحققه الإصرار حين يقترن بالعمل المكثف والرغبة العميقة في النجاح المبكر. فقد تمكن هذا الشاب من بناء ثروة تتجاوز 25 مليون دولار قبل انتهاء عقده الثاني، وهو إنجاز لم يأتِ بسهولة، بل كان حصيلة سنوات قصيرة من التضحيات الكبيرة التي طالت صحته وعلاقاته الاجتماعية ونمط حياته الجامعي.
وفي هذا السياق، يشير إيميل بار في حديثه لموقع «Business Insider» إلى أن طريقه لم يكن مفروشًا بالورود. بل كان مليئًا بالتحديات والضغوط النفسية والمهنية. ويؤكد أن المقال الذي كتبه في صحيفة “وول ستريت جورنال” خلال أغسطس الماضي، والذي أشار فيه إلى أن الحفاظ على توازن صارم بين العمل والحياة قد يبقي الإنسان «عاديًا»، كان الشرارة التي أشعلت موجة من الجدل. ومع ذلك، لم يكن يتوقع أن تلقى وجهة نظره ذلك القدر من الانتقاد أو الاهتمام الواسع.
كما يوضح بار أنه أسّس شركته الأولى «Step Up Social» خلال عامي 2021 و2022 وهو لا يزال طالبًا في عامه الجامعي الثاني والثالث؛ حيث بدأ المشروع من غرفة سكنه الجامعي دون أي خبرة عملية سابقة. ومع مرور الوقت، بدأ يتلقى سيلًا ضخمًا من التعليقات حول أسلوب حياته القاسي، بما في ذلك نومه ثلاث ساعات ونصف فقط يوميًا. وتغيبّه المتكرر عن المحاضرات، وخسارته لعدد كبير من أصدقائه. إضافة إلى اعتماده شبه الكامل على طلب الطعام الجاهز ما أدى إلى زيادة وزنه بشكل ملحوظ.
التضحية من أجل الشركة
وعلى الرغم من الانتقادات الواسعة، يؤكد إيميل بار أن كل خطوة قام بها كانت مدروسة وتهدف إلى هدف واحد فقط: النجاح السريع والوصول إلى لقب «ملياردير» قبل بلوغ الثلاثين. ويضيف أن شركته الأولى بلغت قيمتها 15 مليون دولار عند خروجِه منها العام الماضي. بينما وصلت قيمة شركته الثانية «Flashpass» -المتخصصة في تطوير مهارات الموظفين- إلى نحو 50 مليون دولار، وهو ما شكّل محطة تحول محورية في حياته المهنية.
من ناحية أخرى، يشير بار إلى أنه صُدم من حجم السلبية التي تلقاها عقب نشر مقاله في وول ستريت جورنال؛ حيث وصفه البعض بأنه «مجنون». بينما اعتقد آخرون أنه «متعجرف» عندما ألمح إلى أن كثيرين لا يحققون النجاح لأنهم لا يعملون بما فيه الكفاية. وبرغم ذلك، يقول بار إنه يتقبل هذه الانتقادات بصدر رحب، معتبرًا أن الجنون جزء من معادلة النجاح. وأن شخصيته الفريدة لطالما كانت عاملًا مساعدًا في تميّزه.
علاوة على ذلك، يوضح بار أن فكرة توازن الحياة والعمل أصبحت -حسب رأيه- وصفة للوسطية في وقت يتطلب المنافسة فيه بذل جهد مضاعف لتحقيق بصمة واضحة. فهو يرى أن الجيل الحالي لا يمكن أن يكون جيل الامتيازات السهلة؛ حيث يطالب البعض بتدريب مدفوع الأجر. والعمل من المنزل بالبيجاما، والحصول على راتب مكوّن من ستة أرقام. إلى جانب العمل أربعة أيام فقط في الأسبوع.
أثر نمط الحياة القاسي
ومن جهة أخرى، يعترف إيميل بار بأن نظام حياته خلال تلك الفترة لم يكن صحيًا على الإطلاق. إذ كان يعمل حتى الثالثة فجرًا ليعوض الوقت؛ ما دفعه إلى الاعتماد على وجبات سريعة من البرجر والكوكيز، باعتبارها الخيارات القليلة المتاحة في مدينته الجامعية بعد منتصف الليل. وبمرور الوقت، تسبب ذلك بزيادة وزنه حوالي 80 رطلًا، الأمر الذي أدرك لاحقًا أنه كان يؤثر على صحته وقدرته على اتخاذ القرارات.
ومع ذلك، يشير إلى أنه نجح في خسارة نحو 30 رطلًا مؤخرًا بعد تعديل نمط حياته الغذائي، لكنه يطمح لفقدان 30 رطلًا إضافية خلال العام المقبل. ورغم محاولاته لتوظيف مدربين متخصصين، فإن جدول عمله المزدحم يبقى العائق الأكبر الذي يمنعه من الالتزام بنظام رياضي متكامل. وعلى الرغم من ذلك، فإنه يؤكد أن مظهره الخارجي لا يُعد أولوية له، بل تهمه صحة عقله ووضوح قراراته المهنية أكثر من أي شيء آخر.
وعلاوة على ما فات، يوضح بار أن معظم علاقاته الاجتماعية لم تصمد أمام هذا النسق الحياتي المكثف. معتبرًا أن العلاقات الجامعية في معظم الأحيان سطحية ولا تعود بالنفع الكبير سواء على المستوى الشخصي أو المهني. ويضيف أن فكرة الجلوس للشرب أو التدخين لساعات طويلة مع أشخاص بالكاد يعرفهم لم تكن جذابة أو ذات قيمة بالنسبة له.

تحديات العلاقات الشخصية
وفي السياق نفسه، يكشف بار عن تجارب محبطة مرّ بها؛ إذ تواصل معه بعض أصدقاء الطفولة مطالبين إياه بوظائف برواتب تتجاوز 100 ألف دولار. مهددين بقطع العلاقة إن لم يفعل. ويرى أن هذا النوع من السلوك يعكس شعورًا بالاستحقاق غير المبرر لدى البعض تجاه ثروة الآخرين. وهو ما يصنّفه بار على أنه «طفيليّة اجتماعية».
وبالمقابل، وجد رائد الأعمال الشاب شبكات من العلاقات العميقة مع أشخاص يشاركونه الشغف نفسه. سواء من رواد أعمال في طور بناء شركاتهم أو من آخرين تمكنوا من تأسيس مؤسسات وبيعها بنجاح. ويقول إن هؤلاء هم الذين يفهمون جيدًا معنى التضحية الحقيقية والعمل المتواصل.
من ناحية أخرى، يعترف بار بأن عائلته لم تكن تدرك حجم الضغوط التي كان يعيشها. فقد غاب عن معظم المناسبات العائلية بين عامي 2021 و2023، بما في ذلك أعياد الميلاد وعيد الشكر. ويقول إنه كان يعتقد دائمًا أنه سيعوّض ذلك عندما يبلغ مستوى معينًا من الحرية المالية. لكنه لم يخبر عائلته بهذه الخطة، ما جعلهم يشعرون وكأنه يبتعد دون سبب واضح.
إعادة ترتيب الأولويات
ومع مرور الوقت، أصبح بار أكثر إدراكًا لقيمة العائلة، فبدأ يعيد ترتيب حياته ليمنحهم وقتًا أكبر. ويشير إلى أنه يعمل عادة نحو 100 ساعة أسبوعيًا؛ إذ يبدأ يومه في الثامنة والنصف صباحًا ويواصل العمل حتى السادسة مساءً مع فترات راحة قليلة. ثم يقضي ثلاث ساعات مع العائلة والأصدقاء قبل العودة للعمل حتى الواحدة صباحًا.
كما منحته الثروة التي جمعها حرية أكبر في السفر لزيارة أفراد أسرته، مثل: زيارة والده في نيو مكسيكو أو أجداده في شيكاغو. إضافة إلى قدرته على تقديم هدايا ثمينة لهم مثل السيارات. ويؤكد أن هذا الجانب من النجاح هو ما يمنحه رضا داخليًا لا يقل أهمية عن الإنجازات المالية.
ومن جانب آخر، يتحدث بار عن علاقته بصديقته التي تعرف عليها خلال الجامعة. والتي كانت -بحسب وصفه- الداعم الأكبر له. ويقول إنها اعتادت على نمط حياته المستمر في العمل، وإنه يطمح لتكوين أسرة مستقبلًا. رغم أنه لا يفكّر كثيرًا في الأمر في سن الثانية والعشرين.
التجربة ودروسها
وفي ختام تجربته، يؤكد بار أنه سيكرر اختياراته نفسها لو عاد به الزمن، مشيرًا إلى أنه كان محظوظًا بأن تضحياته أثمرت بسرعة. فقد كانت رحلته مكثفة لكنها قصيرة نسبيًا؛ إذ لم تستغرق سوى 24 شهرًا فقط، بدأها كشاب في الثامنة عشرة بلا مال، وأنهاها وهو مليونير.
ويقول إن النجاح السريع ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب استعدادًا لتقديم تضحيات كبيرة، وجرأة في اتخاذ قرارات صعبة، وإيمانًا ثابتًا بالهدف مهما كانت التكلفة. ويرى أن تجربته تقدم رسالة واضحة للشباب: النجاح ليس نتاج الحظ، بل نتيجة العمل المكثف والقدرة على تحمل الضغوط والاختلاف عن الآخرين.


