يتنقل القادة بصورة دورية بين مشاهد أماكن العمل الحديثة المعقدة، وهو ما جعل التواصل بالنسبة لهم أكثر من مجرد أداة، لقد أصبح المفتاح السحري لأبواب مقرات العمل، ومع ذلك، لا يزال العديد من القادة غير قادرين على معرفة الأسباب التي تجعل التواصل سواء كان مكتوبًا، أو منطوقًا، أو مرئيًا فعالًا في منظمة ناجحة.
وشاركت “كريستين جيتشيل”، الأستاذة المساعدة في اتصالات الأعمال في كلية “بابسون” بولاية “ماساتشوستس”، بالولايات المتحدة، الأسباب الرئيسية وراء أهمية التواصل في القيادة، وكيف يمكن للقادة ضمان أن تكون مهارات الاتصال الخاصة بهم ذات صلة وتأثير على نطاق واسع.
لماذا يعد التواصل مهمًا في القيادة؟
في الوقت الذي يلهم فيه القادة الفعالون فرقهم ويحفزونهم من خلال تفصيل رؤيتهم بوضوح والمسار لتحقيقها، يوحد التواصل الفرق حول هدف مشترك، ويخلق التواصل الفعال شعورًا بالانتماء والغرض؛ ما يجعل كل عضو في الفريق يشعر بالتقدير والتكامل مع النجاح الجماعي.
وهو ما أكدته “جيتشيل” حينما قالت: “أفضل القادة قادرون على مساعدة الأشخاص على رؤية المستقبل وجعل هذا المستقبل ملموسًا، كما يساعدون الأشخاص على فهم كيفية وصول الفريق إلى هذا المستقبل، ولماذا يعد دور كل عضو في الفريق مهمًا للغاية؟”.
وأضافت “جيتشيل” التي شاركت أيضًا في تأليف كتاب “التواصل التجاري: نهج حل المشكلات”، قائلة: “إن التواصل الفعال يعزز التعاون مع الحفاظ على اللمسة الإنسانية في عالم رقمي متزايد، ومن خلال إعطاء الأولوية للتواصل الواضح، والمتعمد، والمتعاطف، يمكن للقادة بناء فرق أقوى وأكثر مرونة ودفع منظماتهم نحو النجاح”.
ولكن، كيف يمكن للقادة الرياديين تحسين مهاراتهم في التواصل، وضمان توصيل رسالة واضحة وموثوقة من شأنها تحفيز جمهورهم؟ أوضحت “جيتشيل” بعض صفات التواصل الجيد وأوجزتها في النقاط التالية:
خصائص المتحدث الجيد
الاستماع النشط:
يستمع المتحدث الجيد باهتمام، ليس فقط للكلمات، ولكن أيضًا للإشارات غير اللفظية والسياق، ويتضمن الاستماع النشط فهم ليس فقط ما يُقال، ولكن أيضًا كيف يُقال، والنظر في السياق الأوسع للمحادثة.
الوضوح:
يضمن التواصل بوضوح ودقة فهم الرسائل دون غموض، ويتجنب المتحدثون الفعالون المصطلحات المتخصصة ويكونون محددين في لغتهم؛ ما يضمن فهم رسائلهم بسهولة.
النزاهــــة:
يبني التواصل المتسق والصادق المصداقية، والثقة بمرور الوقت، ويضمن القادة الفعالون تطابق كلماتهم مع أفعالهم؛ ما يعزز رسالتهم ويحافظ على النزاهة.
التعاطف:
يسمح التواصل بالتعاطف مع الآخرين على المستوى العاطفي؛ ما يعزز الثقة والتفاهم، من خلال فهم ومعالجة مشاعر الآخرين، كما يخلق القادة المتواصلون بيئة تعاونية ويشجعون ثقافة الحوار المفتوح والصادق.
القدرة على التكيف:
إن القدرة على التكيف أثناء التواصل تسمح بالتفاعل الفعال عبر مواقف مختلفة، فالقادة الجيدون منفتحون على الملاحظات البناءة ويعدلون أسلوب تواصلهم بناءً على الجمهور والسياق، سواء شخصيًا، أو افتراضيًا، أو في بيئات مختلطة.
الإلهام والتحفيز:
تساعد القدرة على الإلهام والتحفيز من خلال التواصل على تحفيز الفرق لدفع عجلة العمل نحو الأمام؛ حيث ينقل المتواصلون الفعالون رؤية مقنعة ويحفزون الآخرين على المشاركة، واتخاذ إجراءات نحو الأهداف المشتركة.
إعطاء الأولوية للجمهور
- يبدأ التواصل الفعّال بإعطاء الأولوية لاحتياجات الجمهور، وغالبًا ما يتواصل القادة بقصد تحقيق نتائج محددة، سواء كان ذلك لبناء علاقات مهنية إيجابية أو إقناع الآخرين باتخاذ إجراء محدد.
- في البيئات المهنية، وخاصة الافتراضية في عالم اليوم، يجب أن يكون التواصل واضحًا وموجزًا ومصممًا وفقًا لاحتياجات الجمهور ليكون فعالًا.
- التحدي، غالبًا ما نركز كثيرًا على احتياجاتنا بدلًا من احتياجات الجمهور، لذلك، فإن المتصلين الفعّالين هم أولئك الذين يمكنهم إعطاء الأولوية لجمهورهم وتخصيص رسالتهم لتكون مقنعة وذات صلة.
- أفضل المتصلين يفهمون ما يواجهونه من حيث فترات الانتباه العابرة، لهذا السبب يعرف المتصلون الجيدون أن الأشخاص بحاجة حقًا إلى فهم “السبب”، وهو ما أشارت إليه “جيتشيل” قائلة: “يريد الأشخاص أن يعرفوا لماذا يحتاجون إلى القيام بشيء ما”.
التواصل المتعمد لتعزيز الإنتاجية
يلعب التواصل دورًا حيويًا في تحديد التوقعات بوضوح وتحديد شكل الإنتاجية، لذا؛ يجب على القادة توضيح نتائج محددة، وتوفير الموارد والدعم اللازمين لتحقيقها؛ حيث يمكن أن تؤدي المفاهيم الغامضة للإنتاجية إلى الارتباك وعدم التوافق، لذلك من الضروري أن يكون القادة دقيقين وواضحين في تواصلهم.
وقد لاحظت “جيتشيل” أن القادة الرياديين الفعالين يستخدمون التواصل لترجمة الأهداف العامة إلى مهام قابلة للتنفيذ ونتائج قابلة للقياس، ومن خلال تحديد مؤشرات الأداء الرئيسية والمقاييس، يمكن للقادة التأكد من أن فرقهم تفهم ما هو متوقع، وكيف تساهم جهودهم في نجاح المنظمة؟.
بناء الثقة من خلال الشفافية
سواء كان القادة يحاولون تعزيز رؤية فريقهم أو تحفيز موظفيهم، فإنهم يحتاجون إلى ثقة الجمهور لضمان فعالية اتصالاتهم، ولبناء هذه الثقة، تعد الشفافية والنزاهة في القيادة أمرًا بالغ الأهمية، فبدونها، قد تشعر الفرق بالانفصال عن عملية صنع القرار؛ ما يؤدي إلى نقص المشاركة والثقة.
وهو ما أعربت عنه “جيتشيل” قائلة: “هذا لا يعني إشراك الجميع طوال الوقت في كل شيء، ولكنه يعني التأكد من أن أعضاء الفريق يفهمون كيفية اتخاذ القرارات حتى يكون لديهم شعور بالثقة والإيمان بهذه القرارات”.
وأضافت، أن القادة الجيدين يتواصلون علنًا بشأن نجاحاتهم وإخفاقاتهم؛ ما يدل على الشفافية ويشجع على ثقافة يُنظر عبرها إلى الفشل كفرصة للتعلم، كما أن القادة الذين يعترفون بعيوبهم ويكونون منفتحين بشأن مجالات تطويرهم يضعون سابقة لفرقهم للقيام بنفس الشيء، وبالتالي تعزيز ثقافة التحسين المستمر والتعلم.
تشجيع التعاون من خلال التواصل
في بيئات العمل المتنوعة اليوم، يعد التشجيع على التعاون ركنًا أساسيًا من أركان القيادة الفعّالة، ولا يقتصر التعاون على العمل معًا فحسب، بل يتعلق أيضًا بضمان شعور جميع أعضاء الفريق بالمشاركة والتقدير، لذا؛ من المهم أن يكون القائد قدوة في السلوك التعاوني؛ لأن هذا سيدفع أعضاء الفريق لبذل المزيد من الجهد في العمل عندما يشعرون أن قائدهم داخل اللعبة معهم بدلًا من الوقوف كمتفرج.
الاستماع النشط هو أكثر من مجرد كلمات
كشفت “جيتشيل” عن بعد أعمق لمفهوم الاستماع النشط، موضحة أنه يتجاوز أكثر بكثير من سماع الكلمات المنطوقة واستيعابها فحسب، ولكنه يتضمن الاستماع النشط الانتباه إلى الإشارات غير اللفظية والسياق والبيئة الأوسع.
على سبيل المثال، يمكن أن توفر ملاحظة أن المكتب مزدحم، أو أن الغداء لم يتناوله بعد رؤى حول الحالة الذهنية الحالية للموظف، وهو أمر بالغ الأهمية لفهم الاستجابة بشكل فعال، ويساعد هذا النهج الشامل على استماع القادة لاكتساب فهم شامل لأعضاء فرقهم، ويعزز أسلوب تواصل أكثر تعاطفًا وفعالية.
فهم مشهد الاتصالات الحديثة
أكدت “جيتشيل” أن فترات الانتباه في عالم اليوم سريع الخطى المدفوع بالتكنولوجيا باتت أقصر، وأصبح الجميع أكثر انشغالًا من أي وقت مضى، وأن الاتصال الفعال أصبح يتطلب الآن فهم هذه الحقائق الجديدة.
لذا؛ يجب على القادة أن يدركوا أن الأشخاص أصبحوا لا يقرؤون المعلومات أو يتفاعلون معها بنفس الطريقة التي كانوا يفعلونها في الماضي، ويجب عليهم صياغة الرسائل بحيث تكون سهلة القراءة وموجزة وواضحة؛ ما يضمن عدم ضياع النقاط الرئيسية في بحر من المعلومات.
علاوة على ذلك، يجب على القادة تكييف استراتيجيات الاتصال الخاصة بهم لتلبية متطلبات قنوات التواصل والإعدادات المختلفة، على سبيل المثال، قد تتطلب رسالة البريد الإلكتروني نبرة ومستوى من التفاصيل مختلفتان مقارنة بالاجتماع الافتراضي، ويعد فهم هذه الفروق الدقيقة واختيار طريقة الاتصال المناسبة هو مفتاح مهارات الاتصال القيادية الفعالة.
واختتمت “جيتشيل” مشاركتها بالتحذير من الاعتماد بشكل كبير على التكنولوجيا لتحل محل الاتصال البشري لبناء الثقة وتعزيز الإنتاجية، وشددت على ضرورة تركيز القادة على تطوير مهاراتهم الخاصة في قراءة المشاعر، وفهم السياق، وتعزيز الروابط الحقيقية داخل فرقهم، وحينئذ يمكن للقادة البقاء على اتصال بجمهورهم وممارسة الاتصال الفعال.
بقلم / هيلاري تشابوت
المقال الأصلي: هنا



