واقع الشركات الناشئة يكشف عن مفارقة لافتة؛ فبينما تُبنى هذه الشركات على أفكار مبتكرة وطموحات استثمارية كبيرة، تنتهي نسبة كبيرة منها بالإغلاق خلال سنوات قليلة.
وفي هذا السياق.توضح دراسة حديثة صادرة عن منصة “سي بي إنسايتس” أن تحليل تقارير ما بعد الفشل ومقابلات المؤسسين وبيانات الإغلاق الخاصة بـ 431 شركة ناشئة مدعومة برأس المال الجريء توقفت منذ عام 2023 يكشف عن مجموعة من المؤشرات المهمة لفهم أسباب فشل الشركات الناشئة.
واعتمدت الدراسة على تحليل معمّق لقرارات الشركات وإستراتيجياتها وظروف السوق التي واجهتها خلال مسيرتها.
علاوة على ذلك تقدم نتائج الدراسة صورة واضحة عن طبيعة التحديات التي تواجه الشركات الناشئة في بيئة الأعمال الحديثة. حيث تتداخل عوامل التمويل مع متغيرات السوق والقدرة التنافسية. الأمر الذي يجعل فهم أسباب فشل الشركات الناشئة خطوة أساسية لأي رائد أعمال يسعى لتجنب الأخطاء نفسها وبناء مشروع أكثر استدامة.
نفاد التمويل وتحديات السوق
تشير نتائج الدراسة إلى أن العامل الأكثر تأثيرًا في فشل الشركات الناشئة يتمثل في نفاد التمويل. حيث سجل هذا السبب نسبة 70% من حالات الإغلاق التي شملها التحليل. ويعكس ذلك اعتماد العديد من الشركات الناشئة على التمويل الخارجي بشكل كبير دون بناء نموذج مالي قادر على تحقيق الاستدامة الذاتية.
وإلى جانب ذلك يأتي ضعف ملاءمة المنتج لحاجة السوق أو ما يعرف بـ product-market fit كأحد الأسباب الرئيسة لفشل الشركات، بنسبة 43%. ويعني ذلك أن العديد من الشركات تطور منتجات مبتكرة تقنيًا لكنها لا تلبي احتياجات حقيقية لدى العملاء. الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى ضعف الطلب وانخفاض الإيرادات.
أما العامل الثالث فيتعلق بتوقيت السوق أو ظروف الاقتصاد الكلي؛ حيث يمثل هذا السبب نسبة 29% من حالات فشل الشركات الناشئة. فحتى الشركات التي تمتلك أفكارًا قوية قد تواجه صعوبات كبيرة إذا دخلت السوق في توقيت غير مناسب. أو خلال فترات ركود اقتصادي تؤثر في قدرة المستثمرين والمستهلكين على الإنفاق.

أخطاء إستراتيجية وتشغيلية
تكشف الدراسة أيضًا عن مجموعة من العوامل التشغيلية والإستراتيجية التي تسهم في تسريع فشل الشركات الناشئة. ويأتي على رأسها ما يُعرف باقتصاديات الوحدة غير المستدامة. والتي تمثل نسبة 19% من حالات الإغلاق. ويشير هذا المفهوم إلى أن تكلفة إنتاج أو تقديم الخدمة تكون أعلى من العائد الذي تحققه الشركة من كل عميل.
من ناحية أخرى يظهر التمحور الإستراتيجي غير الفعّال أو ما يعرف بعملية pivot كأحد أسباب الفشل بنسبة 6%. ورغم أن تغيير الإستراتيجية قد يكون خطوة ضرورية في بعض الأحيان. فإن اتخاذ قرارات غير مدروسة في هذا السياق ربما يؤدي إلى إرباك نموذج العمل وفقدان ثقة المستثمرين والعملاء.
كذلك تمثل المنافسة القوية عاملًا مؤثرًا في فشل الشركات الناشئة بنسبة 6%. خاصة عندما تدخل الشركات الصغيرة أسواقًا يهيمن عليها لاعبون كبار يمتلكون موارد مالية وتسويقية ضخمة. وفي هذه الحالة يصبح من الصعب عليها الحفاظ على حصتها السوقية أو تحقيق نمو سريع.
تحديات القيادة والتقنية
إضافة إلى العوامل المالية والإستراتيجية، تؤدي التحديات التشغيلية دورًا مهمًا في فشل الشركات الناشئة. فأشارت الدراسة إلى أن المشكلات التشغيلية أو القيادية تمثل نسبة 5% من أسباب الإغلاق. وهو ما يشير إلى أهمية الإدارة الفعّالة والقيادة القادرة على التعامل مع الأزمات.
كما تشكل المشكلات التقنية أو الفنية نسبة 3% من حالات الفشل. لا سيما في الشركات التي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة؛ إذ قد يؤدي ضعف البنية التقنية أو عدم القدرة على تطوير المنتج بالشكل المطلوب إلى فقدان الثقة لدى المستخدمين والمستثمرين على حد سواء.
أما الاحتيال أو المشكلات القانونية فتمثل نسبة 3% من أسباب فشل الشركات الناشئة. ورغم أن هذه النسبة تبدو محدودة نسبيًا، فإن تأثيرها يكون كبيرًا عندما يحدث. حيث يؤدي إلى فقدان السمعة والثقة في الشركة بشكل كامل.
المدة الزمنية بين التمويل والإغلاق
تكشف الدراسة أيضًا عن مؤشر مهم يتعلق بالمدة الزمنية التي تستغرقها الشركات قبل الإغلاق بعد حصولها على التمويل. حيث بلغ وسيط الفترة الزمنية بين آخر جولة تمويلية وإغلاق الشركة نحو 22 شهرًا. وهو ما يعكس سرعة التغيرات التي قد تواجه الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة.
كما تشير البيانات إلى أن أكثر من نصف الشركات التي شملتها الدراسة توقفت عن العمل خلال أقل من عامين من تاريخ آخر تمويل حصلت عليه.
ويؤكد هذا الرقم أن التمويل وحده لا يكفي لضمان النجاح. بل يجب أن يكون مصحوبًا بإدارة مالية وإستراتيجية فعّالة تقلل من مخاطر فشل الشركات الناشئة.
علاوة على ذلك يبرز هذا المؤشر أهمية التخطيط طويل المدى؛ إذ ينبغي على الشركات استخدام جولات التمويل ليس فقط لتوسيع العمليات. بل أيضًا لبناء نموذج عمل مستدام قادر على تحقيق إيرادات مستقرة.
القطاعات الأكثر تأثرًا بإغلاق الشركات
أما على صعيد القطاعات الاقتصادية، فأظهر تحليل 431 شركة ناشئة توقفت منذ عام 2023 تفاوتًا واضحًا في نسب الإغلاق بين القطاعات المختلفة. وتصدر قطاع الرعاية الصحية والتقنية الحيوية القائمة بنسبة 14.4%. وهو ما يعكس التحديات التنظيمية والتقنية المرتفعة التي تواجه الشركات العاملة في هذا المجال.
وجاء قطاع التقنية المالية في المرتبة الثانية بنسبة 13.2%، تليه قطاعات الغذاء والزراعة بنسبة 12.5%. بينما سجل قطاع الإعلام والترفيه نسبة 10.2%. كما بلغت نسبة الإغلاق في قطاع التجزئة والتجارة الإلكترونية 10.2%، وهو ما يعكس شدة المنافسة في هذا المجال.
كذلك شملت القائمة قطاعات أخرى مثل: سلسلة الكتل بنسبة 7.7%، وبرمجيات الأعمال بنسبة 6.7%، والنقل والخدمات اللوجستية بنسبة 5.3%. إضافة إلى منتجات وخدمات استهلاكية بنسبة 4.6%، والمناخ والطاقة بنسبة 4.2%. في حين شكلت القطاعات الأخرى مجتمعة نسبة 11%.
أهمية التخطيط المالي
توضح نتائج الدراسة أن فشل الشركات الناشئة ليس حدثًا مفاجئًا. بل نتيجة تفاعل معقد بين عوامل التمويل والسوق والإستراتيجية والإدارة. ولذلك فإن فهم هذه الأسباب يمثل خطوة أساسية لأي رائد أعمال يسعى إلى بناء شركة ناجحة وقادرة على الصمود في بيئة الأعمال التنافسية.
ومن هنا تبرز أهمية التخطيط المالي الدقيق، ودراسة احتياجات السوق بعمق، إضافة إلى تطوير نموذج عمل مستدام. فهذه العوامل مجتمعة يمكن أن تقلل بشكل كبير من احتمالات فشل الشركات الناشئة وتزيد من فرص نجاحها في المدى الطويل.


