يشهد موسم الحج 2024 نقلة نوعية بفضل توظيف التقنيات الحديثة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي أسهمت بشكلٍ كبير في تحويل رحلة الحجاج إلى تجربة مريحة، فمع توافد أكثر من 1.5 مليون حاج من مختلف أنحاء العالم إلى مكة المكرمة، بدأت رحلة الحج تتسم بسلاسة وسهولة أكبر، بفضل الخدمات المبتكرة التي وفرتها المملكة العربية السعودية.
كان التنقل بين مشاعر الحج يشكل تحديًا كبيرًا في الماضي، نظرًا لمساحتها الواسعة وازدحامها بالزوار، كما أن عملية الإرشاد كانت معقدة، خاصة مع تنوع جنسيات الحجاج ولغاتهم، ولكن بفضل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، باتت هذه التحديات من الماضي، فمن خلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي المخصصة للحجاج، ووسائل النقل الحديثة، تمكّن الحجاج من التنقل بسهولة بين المشاعر المقدسة، والحصول على الإرشادات اللازمة بلغتهم الأم.
التاكسي الجوي
شهدت المشاعر المقدسة حدثًا تاريخيًا تمثل نقلة نوعية في مجال النقل بخدمة الحجاج؛ حيث دشنت المملكة العربية السعودية، لأول مرة في العالم، تجربة التاكسي الجوي ذاتي القيادة، وذلك في إطار سعيها الدؤوب لتيسير رحلة الحج وجعلها أكثر راحة وكفاءة.
تمثل هذه الخطوة المهمة سابقة عربية وعالمية؛ حيث تؤكد حرص المملكة على مواكبة أحدث التقنيات العالمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها لخدمة الإسلام والمسلمين، ويتيح التاكسي الجوي المبتكر إمكانيات واسعة لنقل الحجاج بين المشاعر المقدسة بكفاءة وسرعة ودقة متناهية؛ ما يسهم في التخفيف من زحام الطرق وتوفير الوقت والجهد على الحجاج.
ولا تقتصر فوائد التاكسي الجوي على تسهيل التنقل فحسب، بل يتيح أيضًا نقل جميع أنواع المعدات الطبية والأدوية بسرعة فائقة في حالات الطوارئ، ما يسهم في إنقاذ الأرواح وتقديم أفضل رعاية صحية لضيوف الرحمن، كما تعد هذه الطائرة صديقة للبيئة، ما يسهم في تحقيق أهداف المملكة في مجال الاستدامة، ويعزز من مكانتها كرائدة في تبني التقنيات الحديثة والمستدامة.
وفي هذا الصدد، أكد المهندس صالح الجاسر؛ وزير النقل والخدمات اللوجستية، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للطيران المدني، على نجاح تجربة إطلاق التاكسي الجوي، مشيرًا إلى أن هذه الطائرة تمثل نقلة نوعية في عالم النقل المستقبلي، كونها أول طائرة مرخصة من قبل سلطة الطيران المدني في العالم.
وتتميز هذه الطائرة الكهربائية بقدرتها على الإقلاع والهبوط بشكل عمودي، ما يفتح آفاقًا واسعة لاستخداماتها في مختلف المجالات، بدءًا من نقل الركاب في المدن المزدحمة، وصولًا إلى عمليات الإسعاف ونقل المساعدات الطبية في حالات الطوارئ.
روبوتات ذكية لتوجيه الحجاج
في إطار سعيها الدائم لمواكبة تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها لتقديم خدمات متميزة لضيوف الرحمن وتسهيل أداء مناسك الحج والعمرة، فعّلت رئاسة الشؤون الدينية في المملكة العربية السعودية الروبوتات الذكية لتوجيه الحجاج والمعتمرين وتقديم الفتوى الشرعية إلكترونيًا.
وبحسب بيان رئاسة الشؤون الدينية، فإن هذه الروبوتات الذكية تتميز بقدرتها على التواصل مع الحجاج والمعتمرين بـ(11) لغة عالمية، وهي: العربية، الإنجليزية، الفرنسية، الروسية، الفارسية، التركية، الملاوية، الأوردية، الصينية، البنغالية، الهوساوية، كما أنها مزودة بشاشة لمس (21 بوصة) لتقديم مختلف الخدمات، ونظام كاميرات عالية الدقة لنقل الصورة، وسماعات وميكروفون لضمان وضوح الصوت، ونظام شبكة لاسلكية سريعة.
وتجوب الروبوتات الذكية ساحات المسجد الحرام، وتجيب على أسئلة الحجاج والمعتمرين المتعلقة بالمناسك والمسائل الشرعية، وذلك بالاستناد إلى تعاليم الشريعة الإسلامية مع مراعاة التيسير في الفتوى فيما لا يخالف نصًا أو إجماعًا قطعيًا، ولا ينطوي على تتبع الرخص، مع الالتزام بأسلوب الخطاب في الفتوى واتصافه بالسعة والتسامح وآداب الاختلاف.

ثورة تقنية في تنظيف الحرم وتوزيع ماء زمزم
في خطوة مهمة لتعزيز خدمات الحجيج وتوفير تجربة استثنائية لهم، استحدثت وكالة الخدمات والشؤون الميدانية تقنيات ذكية مبتكرة في مجالي تنظيف الحرم المكي وتوزيع ماء زمزم.
فقد تم ابتكار “مكانس التطهير الذكية” التي تعمل بشكل يدوي وإلكتروني، مستخدمة تقنية خرائط تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتتميز هذه المكانس بقدرتها على تغطية مساحة 180 مترًا مربعًا خلال 3 ساعات، بقوة شفط 2000 باسكال، مع الحفاظ على جودة وسلامة الرخام وإزالة العوالق الترابية بدقة.
وحرصًا على تسهيل حصول الحجاج على ماء زمزم المبارك، تمت الاستعانة بالروبوتات الذكية لتوزيع عبوات الماء في مختلف أرجاء الحرم، وتتميز هذه الروبوتات بقدرتها على التنقل بسلاسة بين الحشود وتوزيع العبوات بدقة وكفاءة.
ولم تقتصر الجهود على الحرم فقط، بل تم توفير خدمة مميزة للحجاج في مساكنهم من خلال جهاز “بشرى زمزم” للخدمة الذاتية، يتيح هذا الجهاز للحاج الحصول على 3 عبوات من ماء زمزم يوميًا مجانًا، وذلك من خلال بطاقة الحج الذكية و “باركود” مخصص، وتتوفر أجهزة “بشرى زمزم” في 10 مواقع للخدمة في مساكن الحجاج بمكة المكرمة.
الروبوت الطبيب
في خطوة أخرى أكثر أهمية لتسهيل حصول الحجاج على الرعاية الصحية، تم تجهيز العديد من الروبوتات الطبية لتقديم خدماتها لضيوف الرحمن في موسم الحج 2024؛ حيث تأتي هذه الخطوة للتغلب على مشكلة الازدحام في المستشفيات والمراكز الصحية، خاصة مع ازدياد أعداد الحجاج كل عام.
وبحسب تقارير وزارة الصحة السعودية، فإن الروبوت الطبيب قادر على توجيه الحاج وتقديم الإرشادات الطبية اللازمة له، وفهم حالته وتحديد ما إذا كان بحاجة لرؤية طبيب بشري، وفي حال كانت الحالة مستعصية، يقوم الروبوت بشرح الأعراض للطبيب مباشرة تمهيدًا لتقديم العلاج المناسب.
وتوفر الروبوتات الطبية للحجاج العديد من الفوائد، منها: “تقليل وقت الانتظار، سهولة الوصول إلى الخدمة، دقة التشخيص، الخصوصية”، وتعد الروبوتات الطبية إضافة هامة للخدمات المقدمة للحجاج، وتسهم في تحسين تجربة الحج بشكل عام.
سوار الحاج الذكي
يقدم سوار الحاج الذكي “نسك” هذا العام خدمات متطورة لضيوف الرحمن، تهدف إلى تسهيل مناسك الحج عليهم وضمان سلامتهم، ويتضمن السوار خاصية متابعة ورصد بيانات الحالة الصحية للحاج، بما في ذلك قياس نسبة أكسجين الدم ونبضات القلب، كما يوفر خدمات طلب المساعدة الأمنية أو الطبية الطارئة، ما يسهم في سرعة الوصول إلى موقع الحاج ومساعدته في حال تعرضه لأي طارئ.
تم تحديث وتطوير تطبيق “نسك” هذا الموسم بشكل موسع، ليصبح رفيقًا شاملًا للحاج خلال رحلته؛ حيث يقدم التطبيق شرحًا تفصيليًا ومبسّطًا لكيفية أداء مناسك الحج، والعديد من الفتاوى المختارة للإجابة عن أسئلة الحاج المحتملة، ويساعد سوار الحاج الذكي “نسك” وتطبيق “نسك” على تعزيز تجربة الحج لضيوف الرحمن، من خلال تقديم خدمات متميزة تسهم في راحتهم وسلامتهم.
تطبيقات ذكية لخدمة ضيوف الرحمن
سعيًا منها لتقديم خدمات مميزة لضيوف الرحمن، اعتمدت وزارة الحج والعمرة في المملكة العربية السعودية تطبيق “شعائر” الذكي، وذلك تماشيًا مع رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تعزيز الخدمات الرقمية وتطويرها. وقد أحدث هذا التطبيق نقلة نوعية في رحلة الحج؛ حيث وفر للحجاج باقة واسعة من الخدمات الرقمية التي سهلت عليهم أداء مناسك الحج بكل يسر وسهولة.
وحرصًا على تعزيز كفاءة الخدمات المقدمة للحجاج، أنشأت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي “سدايا” مركز عمليات مكة الذكية “Smart Moc” في مقرها بمكة المكرمة، ويقوم هذا المركز بمتابعة سير عمل المنصات الرقمية الذكية التي تم تجهيزها بالشراكة مع وزارة الداخلية، ممثلة في مديرية الأمن العام، وذلك لضمان سير عملية الحج بكل سلاسة وكفاءة.
يعد تطبيق “شعائر” ومركز عمليات مكة الذكية نموذجًا بارزًا على التزام المملكة العربية السعودية بتطوير الخدمات المقدمة للحجاج باستخدام أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتسعى المملكة من خلال هذه المبادرات إلى تعزيز مكانة المملكة كوجهة مفضلة للحجاج من جميع أنحاء العالم، وتوفير تجربة حج مميزة تخلد في ذاكرتهم.
في الختام، تعد المملكة العربية السعودية نموذجًا رائدًا في مجال تنظيم الحج، وتقديم أفضل الخدمات لضيوف الرحمن، وذلك بفضل حرصها الدؤوب على توظيف أفضل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة.


