تأثير الشك بالنفس لا يقتصر على المشاعر الداخلية فقط، بل يمتد إلى طريقة التفكير واتخاذ القرارات والتعامل مع الآخرين، وهو ما دفع خبراء التنمية السلوكية إلى التركيز على عادات يومية بسيطة يمكن أن تُحدث تحولًا حقيقيًا في مستوى الثقة بالنفس وتقبّل الذات.
وكشفت ميل روبينز؛ الكاتبة ومتخصصة التنمية الذاتية ، خلال إحدى حلقات البودكاست، التي أبرزتها منصة «cnbc make it»، أن الشك بالنفس قد يظهر بطرق غير متوقعة. مثل الكمالية والتسويف والمقارنة بالآخرين وإعادة استحضار المحادثات بشكل متكرر. إضافة إلى السهر وكبح الرغبات الشخصية خوفًا من التقييم أو الفشل.
كما أوضحت شايد زهراي؛ الباحثة السلوكية، خلال حديثها مع ميل روبينز، أن تبني بعض العادات البسيطة يمكن أن يغير نظرة الإنسان إلى نفسه بصورة تدريجية. مؤكدة أن الحياة تصبح أخف وطأة عندما يبدأ الشخص بالتعامل مع ذاته بقدر أكبر من التقبّل والمرونة.
الامتنان بدلًا من الاعتذار المفرط
وأشارت شايد زهراي إلى أن الأشخاص الذين يعانون من ضعف تقبل الذات يميلون إلى الاعتذار بصورة مفرطة حتى في المواقف التي لا تستدعي ذلك. مثل الاعتذار عن كثرة الحديث أو إظهار المشاعر أو التعبير عن الرأي. وترى أن هذا السلوك يعزز داخليًا الشعور بعدم الكفاءة أو عدم الاستحقاق.
كما أوضحت أن تغيير طريقة التعبير يمكن أن ينعكس إيجابًا على صورة الإنسان عن نفسه. موضحة أنه بدلًا من قول: «آسف لأنني أتحدث كثيرًا»، يمكن استبدال العبارة بقول: «شكرًا لإصغائك». وتؤكد أن هذا التغيير البسيط لا يمنح الطرف الآخر شعورًا بالتقدير فقط. بل يساعد أيضًا على بناء صورة أكثر توازنًا وثقة بالنفس.
وأضافت «زهراي» أن الإفراط في الاعتذار قد يؤثر كذلك على الطريقة التي يراك بها الآخرون. لأنه قد يخلق انطباعًا بعدم الثقة أو ضعف المصداقية. ولذلك، فإن استبدال الاعتذار بالامتنان يعد خطوة عملية لتحسين التواصل وتعزيز الحضور الشخصي في الحياة اليومية والعمل والعلاقات الاجتماعية.

قائمة «اهتم أقل»
ومن بين النصائح التي شاركتها الباحثة السلوكية أيضًا، إعداد ما أطلقت عليه اسم «قائمة الاهتمام الأقل». وهي طريقة تهدف إلى مساعدة الأشخاص على إدراك الأمور التي تستنزف طاقتهم الذهنية دون فائدة حقيقية.
وتقوم الفكرة على تقسيم ورقة إلى عمودين، بحيث يُكتب في الجهة الأولى كل ما يرغب الشخص في الاهتمام به بدرجة أقل. مثل القلق المفرط بشأن المظهر الخارجي أو آراء الآخرين أو الأحكام الاجتماعية. أما الجهة الثانية، فتخصص للأمور التي تستحق اهتمامًا أكبر، مثل تطوير الذات أو الصحة النفسية أو العلاقات الإيجابية.
وترى «زهراي» أن العودة إلى هذه القائمة بصورة دورية تساعد الإنسان على فهم نمط تفكيره والانتباه إلى الاتجاهات الذهنية السلبية التي قد تؤثر على ثقته بنفسه. كما تؤكد أن إدراك هذه الأنماط يمثل خطوة أساسية لكسر السلوكيات المؤذية والتخلص من العادات التي تضعف تقدير الذات.
تقبل الذات مفتاح الاستقرار النفسي
وأكدت شايد زهراي أن تقبل الذات لا يعني تجاهل الأخطاء أو التوقف عن تطوير النفس،؛ بل يتمثل في إدراك الإنسان أن قيمته لا تعتمد بالكامل على نظرة الآخرين أو آرائهم. كما أوضحت أن الشخص لا يحتاج إلى الحصول على موافقة دائمة من المحيطين به حتى يشعر بأنه ذو قيمة.
وتشير الدراسات السلوكية الحديثة إلى أن الأشخاص الذين يمتلكون مستوى أعلى من تقبل الذات يكونون أكثر قدرة على التعامل مع الضغوط والتحديات اليومية. إضافة إلى تمتعهم بدرجة أكبر من الاستقرار النفسي والمرونة العاطفية. كما أن تعزيز الثقة بالنفس يرتبط غالبًا بتحسين الأداء المهني والعلاقات الاجتماعية واتخاذ القرارات بصورة أكثر هدوءًا ووضوحًا.
ومع تزايد الاهتمام العالمي بالصحة النفسية والتوازن العاطفي، تبدو هذه العادات البسيطة أدوات فعالة يمكن تطبيقها بسهولة في الحياة اليومية. ويرى مختصون أن بناء الثقة بالنفس لا يعتمد على تغييرات جذرية معقدة، بل يبدأ غالبًا من تعديلات صغيرة في طريقة التفكير والكلام والتعامل مع الذات. ما قد يقود تدريجيًا إلى حياة أكثر استقرارًا وراحة وثقة.


