لا يُنكر أحد أهمية ريادة الأعمال على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وقد كتبت في ذلك مرارا. والآن، أسلط الضوء على جانب جديد لريادة الأعمال؛ إذ يمكن أن تكون من الأدوات الناجعة في محاربة الفساد.
استضفت بالأمس، مجموعة من الشباب في مكتبي، ودار بيننا نقاش حول تكنولوجيا الدرونز “الطائرات الصغيرة بدون طيار”، وكيف يمكن استخدامها في تطبيقات مفيدة؛ مثل: تلقيح السُحُب من أجل استمطارها؛ بإنشاء غيوم ينهمر منها مطر اصطناعي، كما يمكنها توفير إمدادات طبية للمناطق البعيدة المعزولة، وغيرها من التطبيقات.
وفي المقابل، يمكن استخدام تلك الطائرات في اختراق الخصوصيات، والتجسس والابتزاز؛ كنوع من أنواع الفساد؛ لذلك ابتكر رواد أعمال تقنيات مضادة “للدرونز” يمكنها إيقافها، أو التحكم فيها عند دخولها مجال معين لحماية أمن وخصوصية المكان؛ وهو مثال على أنَّ مطور التكنولوجيا المضادة، قد ساهم في مكافحة أحد أنواع الفساد المحتمل.
مثال آخر، هل ساهمت أوبر وكريم في الحد من جشع واستغلال سائقي التاكسي في زيادة الأجرة على الراكب، أو رفض توصيله لمكان معين؟ لقد لاحظت تغيرًا ملحوظًا في سلوك سائقي التاكسي التقليدي نحو الأفضل؛ بسبب تأثير المنافسين الجدد الذين أربكوا نموذج العمل التقليدي لديهم.
ينطبق ذلك، ليس في مجال النقل فقط، بل في مجالات أخرى؛ كالتعليم والبنوك، والتكنولوجيا، والسفر، والفنادق، والإعلام، والطب، والخدمات الحكومية.
مثال ثالث: لقد صارت المواقع الإلكترونية التي أسسها رواد ورائدات الأعمال لبيع المنتجات والعقارات من قبل المُلاك مباشرة، تمنع استغلال الوسطاء وفساد بعض السماسرة، إضافة إلى تيسير أمر كلٍ من البائع والمشتري اللذين يتواصلان مباشرة مع بعضهما البعض.
معظم جهود الحكومة الإلكترونية يجب أن تتم من خلال تطبيقات يطورها رواد ورائدات الأعمال؛ فذلك يؤدي إلى إغلاق منافذ الفساد الإداري والمالي لضعاف النفوس.
ومن الضروري، تمكين المواطنين من القيام بكافة الإجراءات الإدارية الضرورية؛ عبر شبكة الإنترنت؛ مثل: طلبات وإجراءات مرتبطة بالبنوك، والخدمات العامة؛ كالكهرباء، والمياه، والغاز، ورخص المرور والقيادة والمخالفات، ونقاط الدفع والتحصيل الإلكتروني، وكافة الخدمات الحكومية الأخرى.
أتذكر مثالًا رابعًا يفيد المسؤولين عن برامج دعم شرائح المجتمع الأكثر احتياجًا؛ وهي تجربة الهند مع نظام إلكتروني، تم ابتكاره؛ لتحديد الهوية بالمقاييس البيو مترية؛ إذ يتيح رقم هوية يتألف من 12 خانة لأكثر من 1.3 مليار نسمة يعيشون في الهند.
وقد قامت الحكومة الهندية بربط أرقام المستفيدين من هذا النظام ببرنامج الغاز المُسال؛ ما ساعد على منع المطالبات من مستفيدين وهميين أو مطالبات مكررة، فصارت الحكومة تُحول الدعم مباشرة إلى الحسابات المصرفية المرتبطة بالنظام؛ ما جعلها تتجاوز الوسطاء وتُحسِّن الدعم الذي تقدمه للفقراء.
أتمنى أن يهتم صانع القرار في الوطن العربي بمثل هذه الحلول التقنية، التي من شأنها حل مشاكل كثيرة، وإغلاق الطريق أمام الجشع، والاستغلال، والفساد أيضًا.
د. نبيل محمد شلبي




