يشهد النظام المالي العالمي تحولًا لافتًا في هيكل الاحتياطيات الدولية، بعدما نجح الذهب في انتزاع صدارة الأصول الاحتياطية لدى البنوك المركزية العالمية بنهاية 2025، متجاوزًا السندات الحكومية الأمريكية للمرة الأولى منذ عقود.
ويعكس هذا التطور تغيرًا جوهريًا في توجهات المؤسسات النقدية حول العالم، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتقلبات الأسواق المالية العالمية. فضلًا عن سعي العديد من الدول إلى تنويع أصولها الاحتياطية وتعزيز مستويات الأمان المالي على المدى الطويل.
وبحسب بيانات نقلتها وكالة رويترز عن البنك المركزي الأوروبي، أصبح الذهب يشكّل 27% من إجمالي الاحتياطيات العالمية بنهاية 2025. متفوقًا على سندات الخزانة الأمريكية التي تراجعت حصتها إلى 22%. فيما استقرت حصة الأصول المقومة باليورو عند 15%.
ويؤكد هذا التحول أن المعدن النفيس بات يحظى بمكانة متزايدة لدى صناع السياسات النقدية في مختلف الاقتصادات العالمية.
كما تشير البيانات إلى أن الأصول المقومة بالدولار لا تزال تحتفظ بالمركز الأول بين العملات الاحتياطية العالمية بنسبة 42% من إجمالي الاحتياطيات. إلا أن تراجع الاعتماد على السندات الأميركية يعكس رغبة متنامية لدى البنوك المركزية في توزيع المخاطر وعدم الاعتماد على فئة واحدة من الأصول.
صعود تاريخي في حيازات الذهب
جاء هذا التحول مدفوعًا بموجة شراء واسعة النطاق قادتها البنوك المركزية خلال السنوات الأخيرة؛ حيث تجاوزت حيازاتها من الذهب مستوى 36 ألف طن. مقتربة بذلك من الذروة التاريخية التي سجلتها خلال حقبة نظام بريتون وودز عندما بلغت الحيازات نحو 38 ألف طن.
وفي الوقت ذاته، ساهم الارتفاع القوي في أسعار الذهب في تعزيز قيمته داخل الاحتياطيات الرسمية. فقد سجل المعدن النفيس أكثر من 5500 دولار للأونصة في يناير 2026. الأمر الذي رفع الوزن النسبي للذهب داخل محافظ الاحتياطيات العالمية وساعده على تجاوز السندات الأمريكية من حيث القيمة الإجمالية.
ويأتي هذا الأداء القوي في ظل استمرار الطلب المؤسسي المرتفع؛ حيث أصبحت البنوك المركزية من أكبر المحركات الرئيسية لأسواق الذهب خلال الأعوام الماضية. بعد أن تحولت من بائع صافٍ للمعدن النفيس في فترات سابقة إلى مشترٍ استراتيجي طويل الأجل.

التوترات الجيوسياسية تعزز الطلب
تسارع الإقبال على الذهب بصورة ملحوظة منذ عام 2022، مع اتجاه عدد متزايد من الدول إلى إعادة هيكلة احتياطياتها الأجنبية عقب تجميد الأصول الروسية في أعقاب الحرب في أوكرانيا. ودفعت هذه التطورات العديد من البنوك المركزية إلى البحث عن أصول لا ترتبط بشكل مباشر بالنظم المالية التقليدية أو بالعقوبات الدولية.
وفي هذا السياق، أكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد أن التوترات الجيوسياسية لا تزال تمثل عاملًا رئيسيًا في دعم الطلب القوي على الذهب من جانب البنوك المركزية. مشيرةً إلى أن حالة عدم اليقين العالمية تدفع المؤسسات النقدية إلى تعزيز احتياطياتها من الأصول الآمنة.
من ناحية أخرى، يبرز الذهب كأداة فعالة للتحوط ضد التقلبات الاقتصادية ومخاطر التضخم. وهو ما يعزز جاذبيته لدى البنوك المركزية التي تسعى إلى حماية احتياطياتها من التغيرات الحادة في الأسواق المالية وأسعار العملات.
أكبر المشترين خلال السنوات الأخيرة
أظهرت البيانات أن الصين وبولندا وتركيا والهند جاءت في مقدمة الدول الأكثر شراءً للذهب منذ عام 2022. حيث واصلت هذه الاقتصادات تعزيز احتياطياتها بشكلٍ منتظم بهدف تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية الرئيسية.
كما شهد عام 2025 حدثًا لافتًا تمثل في تصدر شركة “تيذير” قائمة المشترين المنفردين للذهب، بعد استحواذها على أكثر من 100 طن خلال العام. وهو ما يعكس اتساع نطاق الاهتمام بالمعدن النفيس ليشمل مؤسسات مالية وشركات كبرى إلى جانب البنوك المركزية.
وتشير هذه التحركات إلى أن الطلب على الذهب لم يعد مرتبطًا فقط بالسياسات النقدية التقليدية. بل أصبح جزءًا من إستراتيجيات أوسع لإدارة المخاطر وتعزيز الاستقرار المالي في بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين.
اليورو يواصل تعزيز حضوره العالمي
رغم صعود الذهب وتراجع حصة السندات الأمريكية، فإن العملة الأوروبية الموحدة واصلت تحقيق مكاسب تدريجية على الساحة الدولية. فقد ارتفعت إصدارات الديون الدولية المقومة باليورو بنسبة 30% خلال 2025 لتصل إلى مستوى قياسي يقترب من تريليون يورو.
كما شهدت منطقة اليورو تدفقات استثمارية أجنبية قوية؛ حيث ضخ المستثمرون الأجانب نحو 850 مليار يورو في أصول المنطقة خلال العام الماضي. ما دفع التدفقات الأجنبية إلى مستويات تقترب من أعلى مستوياتها منذ إطلاق العملة الأوروبية الموحدة.
وتعكس هذه المؤشرات استمرار تنوع مكونات النظام المالي العالمي؛ حيث تتوزع الاحتياطيات والاستثمارات الدولية بين الذهب والدولار واليورو بدرجات متفاوتة. في وقت تسعى فيه الاقتصادات الكبرى إلى تحقيق توازن أكبر بين الأمان والسيولة والعائد.
تحول إستراتيجي في إدارة الاحتياطيات
تكشف التطورات الأخيرة أن البنوك المركزية دخلت مرحلة جديدة من إدارة الاحتياطيات الدولية، تعتمد بصورة أكبر على التنويع وتقليل المخاطر المرتبطة بالأصول التقليدية. وبينما لا يزال الدولار يحتفظ بمكانته كأكبر عملة احتياطية عالمية، فإن صعود الذهب إلى صدارة الأصول الاحتياطية يمثل مؤشرًا واضحًا على تغير الأولويات الاستثمارية للمؤسسات النقدية حول العالم.
ومع استمرار التحديات الجيوسياسية والاقتصادية، يبدو أن الذهب سيحافظ على دوره المحوري داخل الاحتياطيات الرسمية خلال الفترة المقبلة. لا سيما في ظل استمرار عمليات الشراء القوية من البنوك المركزية وتنامي الحاجة إلى الأصول التي توفر مستويات مرتفعة من الاستقرار والحماية المالية.


