أغلقت شركة آبل، واحدة من أبرز القضايا المرتبطة بتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي لديها، بعدما توصلت إلى تسوية قضائية بقيمة 250 مليون دولار على خلفية دعوى رفعها مساهمون بسبب تأخر إطلاق التحديثات الجديدة للمساعد الصوتي «سيري»، وهو الملف الذي أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط التقنية والمالية خلال الفترة الماضية.
وأفادت وكالة «رويترز» بأن الدعوى القضائية جاءت بعد إعلان آبل خلال مؤتمر المطورين السنوي لعام 2024 عن مجموعة من ميزات الذكاء الاصطناعي الجديدة الخاصة بالمساعد الصوتي «سيري». مع تأكيد الشركة حينها أن التحديثات ستكون متاحة بالتزامن مع طرح هواتف «آيفون» الجديدة في خريف العام نفسه.
غير أن الأجهزة طُرحت لاحقًا دون توفير تلك الميزات المعلنة. وهو ما دفع عددًا من المساهمين إلى اتهام الشركة بالتسبب في أضرار مالية مرتبطة بالتوقعات الاستثمارية والأداء السوقي. لا سيما مع تصاعد المنافسة العالمية بين شركات التكنولوجيا في سباق الذكاء الاصطناعي وتطوير المساعدات الرقمية الذكية.
دعوى قضائية بسبب تأخر التحديثات
تعود تفاصيل القضية إلى دعوى رفعها المستثمر بيتر لاندشيفت أمام محكمة فيدرالية أمريكية بولاية كاليفورنيا خلال عام 2024. احتجاجًا على تأجيل طرح تحديثات الذكاء الاصطناعي التي سبق أن أعلنت عنها الشركة بشكل رسمي.
واعتبر المدعون أن إطلاق هواتف «آيفون» الجديدة دون الميزات الموعودة ألحق أضرارًا بالمساهمين. خاصة أن آبل كانت قد بدأت حملات ترويجية وتسويقية للتحديثات الجديدة قبل موعد الإطلاق الرسمي للأجهزة.
وأشار المستثمرون إلى أن التأخير خلق فجوة بين التوقعات التي بُنيت عليها قرارات استثمارية وبين الواقع الفعلي للمنتجات المطروحة في الأسواق. وهو ما دفعهم للمطالبة بتعويضات مالية مرتبطة بالتداعيات التي نتجت عن ذلك.

«سيري» في قلب سباق الذكاء الاصطناعي
تواجه آبل خلال السنوات الأخيرة ضغوطًا متزايدة لتطوير قدرات المساعد الصوتي «سيري». لا سيما مع احتدام المنافسة بين شركات التكنولوجيا الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي والمساعدات الرقمية الذكية.
ويرى محللون أن الشركة تسعى إلى إعادة بناء تجربة المستخدم الخاصة بـ«سيري» عبر دمج تقنيات ذكاء اصطناعي أكثر تطورًا. تتيح للمساعد الصوتي فهم الأوامر بصورة أعمق وتقديم تفاعلات أكثر دقة ومرونة.
كما يأتي هذا التحرك في ظل التوسع الكبير الذي تشهده تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل الهواتف الذكية والأجهزة الرقمية. ما يدفع الشركات الكبرى إلى تسريع وتيرة الابتكار للحفاظ على حصصها السوقية وتعزيز ولاء المستخدمين.
آبل تؤجل التحديثات وتعد بالكشف قريبًا
أوضحت آبل خلال عام 2025 أن التحديث الشامل المرتبط بالذكاء الاصطناعي لمساعد «سيري» لن يكون جاهزًا قبل العام الجاري. وهو ما أكد عمليًا صحة المخاوف المتعلقة بتأخر الجدول الزمني الذي أُعلن عنه سابقًا.
وأكد مسؤولون تنفيذيون في الشركة أن الميزات الجديدة الخاصة بالمساعد الصوتي سيتم الكشف عنها خلال مؤتمر المطورين السنوي المنتظر الشهر المقبل. وسط ترقب واسع من المستثمرين والمستخدمين لمستوى التطوير الذي ستقدمه الشركة.
ويرى مراقبون أن المؤتمر المقبل سيكون محطة مهمة بالنسبة لأبل، خاصة أن الأسواق تنتظر رؤية أوضح لإستراتيجية الشركة في الذكاء الاصطناعي. بعدما تعرضت خلال الفترة الماضية لانتقادات تتعلق بتأخرها مقارنة ببعض المنافسين في هذا المجال سريع النمو.
آبل تنفي المسؤولية رغم التسوية
رغم موافقتها على التسوية المالية، أكدت آبل أنها لم تُقر بأي مسؤولية قانونية ضمن الاتفاق. مشيرةً إلى أن التسوية لا تزال بحاجة إلى موافقة قضائية قبل دخولها حيز التنفيذ بشكلٍ رسمي.
وقالت الشركة في بيان رسمي إنها أطلقت بالفعل العديد من ميزات الذكاء الاصطناعي الأخرى منذ تقديم ما وصفته بمنظومة «ذكاء أبل» خلال عام 2024. مؤكدةً أن هدفها الأساسي يتمثل في تقديم منتجات وخدمات مبتكرة للمستخدمين.
وأضافت آبل أنها فضلت إنهاء القضية للتركيز على تطوير تقنياتها المستقبلية ومواصلة العمل على تقديم حلول أكثر تطورًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية.
تداعيات مالية وتقنية على مستقبل الشركة
تعكس القضية حجم التحديات التي تواجهها شركات التكنولوجيا الكبرى عند الإعلان المبكر عن تقنيات جديدة قبل جاهزيتها الكاملة. لا سيما في ظل حساسية الأسواق المالية تجاه أي تأخير أو تغيير في الخطط الزمنية.
ويرى خبراء أن القضايا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ستصبح أكثر حضورًا خلال السنوات المقبلة. مع ارتفاع التوقعات الاستثمارية المرتبطة بهذا القطاع. واعتماد الشركات بشكل متزايد على الوعود التقنية لجذب المستخدمين والمستثمرين.
كما يشير محللون إلى أن آبل ستواجه ضغوطًا إضافية لإثبات قدرتها على تقديم تجربة ذكاء اصطناعي متقدمة تواكب المنافسة العالمية، خصوصًا مع تسارع استثمارات شركات التكنولوجيا في تطوير المساعدات الذكية والنماذج التوليدية.
وتؤكد التطورات الأخيرة أن سباق الذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على الابتكار التقني فقط، بل أصبح يرتبط أيضًا بثقة المستثمرين والمستخدمين. وهو ما يفرض على الشركات الكبرى تحقيق توازن دقيق بين التسويق الطموح والقدرة الفعلية على تنفيذ الوعود التقنية ضمن الجداول الزمنية المعلنة.


