يشهد اقتصاد العمل الحر عبر المنصات الرقمية نموًا متسارعًا. حيث غيّرت تطبيقات النقل والتوصيل ومنصات العمل المستقل الطريقة التي يكسب بها ملايين الأشخاص رزقهم حول العالم.
هذا النمو، الذي يرتكز على المرونة والاستقلالية وسهولة الدخول إلى سوق العمل، ولّد توقعات بأن تصل قيمة هذا القطاع إلى نحو 2.145 تريليون دولار بحلول عام 2033.
ومع ذلك يثير هذا التوسع السريع تساؤلات متزايدة حول حماية العمال، وأمن الوظائف، ودور التكنولوجيا في تشكيل بيئة العمل.
وتُناقش هذه القضايا حاليًا ضمن أعمال الدورة 113 لمؤتمر العمل الدولي. إذ يُعد موضوع «العمل اللائق» في اقتصاد المنصات من أبرز الملفات المطروحة، في ظل مشاركة قياسية من الدول الأعضاء.
بين الابتكار والحقوق
تسعى الحكومات وصنّاع السياسات إلى إيجاد موقع مناسب للعمل عبر المنصات ضمن الاقتصاد العالمي، بما يحقق التوازن بين دعم الابتكار والنمو الاقتصادي من جهة، وضمان حقوق العمال من جهة أخرى.
انتشار واسع
أصبح اقتصاد العمل الحر جزءًا أساسيًا من سوق العمل العالمية. فهو يوفر فرصًا مرنة لتحقيق دخل إضافي. ويعكس هذا الاتجاه تحولات اقتصادية أوسع؛ حيث يسعى العديد من الأفراد إلى مصادر دخل جانبية.

في ماليزيا، على سبيل المثال، يعمل نحو 70% من العاملين في هذا القطاع بدوام جزئي.
وفي الولايات المتحدة أظهرت استطلاعات أن أكثر من ثلث العاملين في وظائف جانبية يعتقدون أنهم يحتاجون إليها دائمًا لتغطية نفقاتهم، مع توقع انضمام 26 مليون شخص إضافي إلى هذا الاقتصاد بحلول 2027.
دور الذكاء الاصطناعي
يتوقع نحو 86% من أصحاب العمل أن يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا في أعمالهم بحلول عام 2030. ما يفرض ضرورة تطوير الأطر التنظيمية لمواكبة هذا التغير.
وفي اقتصاد العمل الحر المدفوع بالذكاء الاصطناعي لم يعد العمال يتعاملون فقط مع المنصات، بل باتوا يعملون عبر أنظمة ذكية تتولى توزيع المهام، وإدارة المدفوعات، وتنظيم التواصل.
ورغم ما يوفره ذلك من فرص للنمو فإنه يحمل أيضًا مخاطر، مثل: تعميق فجوة الدخل، وزيادة عدم الاستقرار الوظيفي، وتوليد سباق نحو خفض الأجور.
تحديات الشفافية
في المملكة المتحدة تتعرض منصات التوصيل لضغوط للكشف عن كيفية عمل الخوارزميات التي تحدد توزيع الوظائف والأجور، وسط اتهامات بأنها «تؤتمت الاستغلال».
ويحذر الخبراء من أن غياب الشفافية والمساءلة قد يؤدي إلى ترسيخ التحيز الخوارزمي وانتهاكات الخصوصية كسمات أساسية لهذا الاقتصاد.
فجوة بين الجنسين
رغم تحسن مشاركة النساء في سوق العمل عالميًا، لا تزال الفجوات قائمة، خاصة في الاقتصادات منخفضة الدخل.
وفي اقتصاد العمل الحر تبلغ فجوة الأجور بين الرجال والنساء نحو 30%، مقارنة بـ20% في الوظائف التقليدية، نتيجة عوامل مثل: اختلاف المؤهلات وتفضيلات العمل والمسؤوليات الأسرية.
مخاطر إضافية
توفر مرونة العمل عبر المنصات فرصًا للنساء لتحقيق التوازن بين العمل والرعاية الأسرية، لكنها في الوقت نفسه تعرضهن لمخاطر متزايدة، منها: الحوادث والعنف القائم على النوع.
وفي مكسيكو سيتي أشارت عاملات إلى أن أزرار الطوارئ في التطبيقات لا تعمل بشكل فعال، مطالبات بإجراءات وقائية، مثل: حظر المناطق غير الآمنة وإلغاء العقوبات المرتبطة بإلغاء المهام الخطرة.
وفي الهند أفادت عاملات بأن تطبيقات الخدمات المنزلية، التي وعدت بالمرونة، أصبحت تفرض رسومًا مرتفعة وأنظمة تقييم صارمة وضغوطًا مستمرة للبقاء متاحات للعمل.
مستقبل العمل
لم يعد مستقبل اقتصاد العمل الحر مرتبطًا بحجمه فقط. بل بالقيم التي يقوم عليها.
ويملك صناع القرار فرصة لإعادة تشكيل هذا القطاع بما يضمن الكرامة والعدالة والشفافية.
تطورات أخرى
تشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى اختفاء نصف وظائف المبتدئين في المهن المكتبية. خلال السنوات الخمس المقبلة. مع احتمال ارتفاع معدلات البطالة إلى ما بين 10% و20%.
وفي الوقت نفسه تتزايد عمليات تسريح العاملين في قطاع التكنولوجيا عالميًا، وسط تساؤلات حول دور الذكاء الاصطناعي في هذه التحولات.
كما خفّضت منظمة العمل الدولية توقعاتها لتوفير الوظائف هذا العام بنحو 7 ملايين وظيفة بسبب التوترات التجارية. مشيرة إلى أن نحو 84 مليون وظيفة في 71 دولة تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على الطلب الاستهلاكي في أمريكا. ما يجعلها عرضة لتأثير الرسوم الجمركية.
بينما في أوروبا تتجه بعض الدول إلى رفع سن التقاعد. حيث أقرت الدنمارك قانونًا لزيادته إلى 70 عامًا بحلول 2040، في خطوة قد تعكس اتجاهًا أوسع.
وفي المقابل أظهر تقرير نقابي عالمي تراجع حقوق العمال خلال 2025. مع تسجيل الأمريكتين وأوروبا أسوأ مستويات على الإطلاق في هذا المجال.
المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي


