توقعات أسعار النفط تدخل مرحلة جديدة من التذبذب الحاد، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتغير مواقف المؤسسات المالية العالمية تجاه مسار السوق خلال عامي 2026 و2027.
واتصالًا بهذه التطورات، خفّض بنك “جولدمان ساكس” توقعاته لأسعار النفط في الربع الثاني من عام 2026. عقب اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران وفقًا لما نقلته وكالة “رويترز”.
وتجسد هذه الخطوة التأثير المباشر للتحولات السياسية على تحركات السوق. حيث تساهم الانفراجات الدبلوماسية في تهدئة المخاوف بشأن سلاسل الإمداد العالمية وخفض علاوة المخاطر التي كانت ترفع الأسعار سابقًا.
وعلى صعيدٍ متصل، تظهر البيانات تخفيض البنك لتقديراته لخام برنت إلى 90 دولارًا، ولخام غرب تكساس الوسيط إلى 87 دولارًا للبرميل. مقارنة بتوقعات سابقة كانت تلامس 99 و91 دولارًا على التوالي. وتأسيسًا على ذلك، يتضح أن السوق يتفاعل بسرعة مع أي مؤشرات لتهدئة التوترات بالمنطقة. ما يقلص من حدة التوقعات المتفائلة بالارتفاع ويفتح الباب أمام مرحلة من التوازن السعري المحفوف بمتغيرات الميدان.
تراجع الأسعار وسط رهانات على انفراجة مؤقتة
وعلى صعيد التداولات، تراجعت أسعار خام برنت بأكثر من 11% منذ مطلع الأسبوع. مدفوعة بتوقعات إعادة فتح مضيق هرمز عقب إعلان هدنة أسبوعين بين واشنطن وطهران. وساهم هذا التطور الدبلوماسي مؤقتًا في تبديد مخاوف تعطل الإمدادات العالمية.
وبالتوازي مع هذا المسار، عادت الأسعار للارتفاع مجددًا اليوم الخميس نتيجة تصاعد القلق بشأن صمود وقف إطلاق النار واستمرار القيود المفروضة على حركة الملاحة بالمضيق. ويجسد هذا التذبذب التهديد القائم لتدفقات النفط عبر أحد أهم الممرات الحيوية عالميًا. حيث تظل الأسواق رهينة أي تصعيد ميداني قد يجهض التهدئة الهشة ويعيد شبح أزمة المعروض إلى الواجهة.
وعلى ضوء هذا المشهد، تسيطر حالة من الترقب والحذر على المتعاملين في ظل غياب مؤشرات واضحة لاستعادة الإمدادات بشكلها الكامل والمستقر. وتأسيسًا على ذلك، يتحرك السوق ضمن نطاقات سعرية متقلبة. مع استمرار التركيز على تطورات المشهد السياسي والميداني التي باتت المحرك الأساسي لدفة الأسعار خلال الفترة الراهنة.

تحذيرات من عجز متزايد في الإمدادات العالمية
في المقابل، كشف بنك “ANZ” عن تسبب اضطرابات الإمدادات في تشديد لافت بتوازن سوق النفط؛ حيث تحول المشهد سريعًا من فائض مطلع العام إلى عجز ملحوظ بالوقت الراهن. ويبرز هذا التحول عمق الفجوة بين العرض والطلب. الأمر الذي دفع بالأسواق نحو منطقة حرجة تستدعي إعادة تقييم شاملة لموازين القوى المؤثرة في حركة الأسعار العالمية.
واتصالًا بهذه المعطيات، تلوح في الأفق مخاطر حقيقية لفقدان ما يتراوح بين 1 إلى 2 مليون برميل يوميًا من الطاقة الإنتاجية بشكل دائم. لا سيما من الحقول الناضجة وأنظمة التصدير المتعثرة. وتنذر هذه التوقعات بتفاقم الأزمة خاصة لدى المنتجين الذين يواجهون عقوبات دولية أو صعوبات تمويلية مستمرة.
وتأسيسًا على ذلك، يرجح البنك حاجة السوق لأسعار تتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل لفترة ممتدة بهدف تقليص الطلب وتحفيز السحب من المخزونات الإستراتيجية. ومن ثمَّ، يصبح العجز مرشحًا لتجاوز عتبة 4 إلى 5 ملايين برميل يوميًا في حال استمرار التعافي عند مستوياته الحالية. مؤكدًا ضرورة التدخل السعري لضبط إيقاع الاستهلاك العالمي وتجنب صدمات طاقة عنيفة.
تباين توقعات المؤسسات المالية الكبرى
وتظهر تقديرات المؤسسات المالية الكبرى تباينًا واضحًا في مستقبل أسعار النفط؛ حيث خفّض بنك “جولدمان ساكس” توقعاته لعام 2026 إلى 83 دولارًا لبرنت و78 دولارًا لخام غرب تكساس. مع تقديرات لعام 2027 عند 80 و75 دولارًا على التوالي.
وتعزيزًا لهذا المسار التحليلي، توقع بنك “جي بي مورجان” بلوغ متوسط سعر برنت 100 دولار في الربع الثاني من 2026. قبل تراجعه إلى 90 دولارًا في الربع الثالث و80 دولارًا في الربع الأخير. وتجسد هذه الأرقام رؤية تدريجية لانحسار الضغوط السعرية بمرور الوقت.
وعلى صعيدٍ موازٍ، يرى “مورجان ستانلي” استمرار الأسعار فوق حاجز 80 دولارًا للبرميل خلال ما تبقى من عام 2026. مدعومة ببقاء المخاطر الجيوسياسية وقيود الإمدادات القائمة. ومن ثمَّ، تظل حالة الترقب هي السائدة في أوساط المراقبين. بانتظار ما ستسفر عنه التطورات الميدانية والسياسية التي ستحدد المسار النهائي لدفة الأسعار في ظل هذه التقديرات المتضاربة.
سيناريوهات متطرفة مرتبطة بمضيق هرمز
من جهة أخرى، قدّم بنك “باركليز” سيناريوهين مختلفين؛ حيث يفترض السيناريو الأساسي عودة الأوضاع في مضيق هرمز إلى طبيعتها خلال 2-3 أسابيع. بينما يشير السيناريو البديل إلى إمكانية ارتفاع الأسعار إلى 100 دولار إذا استغرق التعافي 4-6 أسابيع.
وفي السياق ذاته، حذّر بنك HSBC من أن استمرار إغلاق المضيق لعدة أسابيع قد يدفع الأسعار إلى 150 دولارًا أو أكثر. ما يعكس حساسية السوق لأي تعطلات في هذا الممر الحيوي.
كما أشار بنك UBS إلى أن استمرار تعطل الإمدادات عبر المضيق قد يدفع الأسعار إلى تجاوز 100 دولار. وربما الوصول إلى مستويات تفوق 120 دولارًا، إذا ما دخل السوق في مرحلة تدمير الطلب نتيجة ارتفاع الأسعار.
وفي المجمل، تعكس هذه التقديرات حالة من عدم الاستقرار في توقعات أسعار النفط؛ حيث تتداخل العوامل الجيوسياسية مع أساسيات العرض والطلب. ما يجعل مسار الأسعار خلال الفترة المقبلة مفتوحًا على عدة احتمالات.


