تتمتع “نتفليكس” بسيولة نقدية كبيرة تمنحها مرونة إستراتيجية لرفع عرضها في معركة الاستحواذ على “وارنر براذرز ديسكفري”، ما يضعها في موقع قوة أمام منافستها باراماونت سكاي دانس، ويشعل واحدة من أشرس صفقات الاندماج في قطاع الإعلام العالمي خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب ما نقلته وكالة «رويترز» عن شخصين مطلعين على تفاصيل المفاوضات، فإن نتفليكس تمتلك احتياطيًا نقديًا كافيًا يسمح لها بزيادة عرضها إذا ما قررت “باراماونت سكاي دانس” تحسين عرضها الحالي.
ويعكس هذا التطور حجم الرهانات المرتبطة بصفقة الاستحواذ على وارنر براذرز ديسكفري. خاصة في ظل التنافس على مكتبة محتوى تعد من الأغنى في العالم.
وتدور معركة الاستحواذ على “وارنر براذرز ديسكفري” حول أصول إستراتيجية تشمل استوديوهات إنتاج ضخمة ومنصات بث ومكتبة أعمال أيقونية تضم «هاري بوتر» و«صراع العروش» وأعمال DC Comics وشخصية سوبرمان. وهو ما يمنح الصفقة بعدًا يتجاوز مجرد الأرقام ليصل إلى السيطرة على إرث ثقافي وإعلامي واسع التأثير.
تفاصيل العروض المالية وصراع الأرقام
قدمت نتفليكس عرضًا بقيمة 27.75 دولار للسهم، أي ما يعادل 82.7 مليار دولار، للاستحواذ على أنشطة الاستوديو والبث التدفقي التابعة لوارنر براذرز ديسكفري.
ويعكس هذا العرض رغبة الشركة في تعزيز مكانتها لدى سوق البث العالمي عبر ضم محتوى ضخم إلى منصتها، بما يدعم إستراتيجيتها التوسعية طويلة الأمد.
في المقابل، عرضت باراماونت 30 دولارًا للسهم، أي ما يعادل 108.4 مليار دولار، للاستحواذ على الشركة بالكامل. بما يشمل ديسكفري جلوبال التي تضم CNN وHGTV وأصولًا تلفزيونية أخرى.
وبالتالي، فإن عرض باراماونت يتفوق من حيث القيمة الإجمالية. غير أن هيكل الصفقة وشروطها ما زالا محل جدل داخل أروقة مجلس إدارة وارنر براذرز ديسكفري.
ورغم أن وارنر براذرز تمضي قدمًا نحو تصويت المساهمين المقرر في 20 مارس المُقبل بشأن عرض نتفليكس. فإنها منحت باراماونت أسبوعًا إضافيًا لتقديم عرض أكثر جاذبية. ومن ثم، تبدو معركة الاستحواذ على وارنر براذرز ديسكفري مفتوحة على جميع الاحتمالات، خصوصًا مع اقتراب الموعد النهائي.
ورقة ضغط بيد نتفليكس
تستند قوة نتفليكس في هذه المعركة إلى مركزها المالي المتين؛ إذ بلغت السيولة النقدية وما يعادلها في ميزانيتها العمومية نحو 9.03 مليار دولار حتى 31 ديسمبر 2025.
هذا الرقم يمنح الشركة ما يعرف في أسواق المال بـ”الذخيرة الجافة”. أي القدرة على التحرك السريع ورفع العروض عند الحاجة دون ضغوط تمويلية فورية.
علاوة على ذلك، يرى محللون أن السعر سيكون العامل الحاسم في معركة الاستحواذ على وارنر براذرز ديسكفري، رغم وجود مخاوف تتعلق بالتمويل والموافقات التنظيمية. غير أن هذه المخاوف قد تصبح ثانوية إذا ارتفع المقابل المالي إلى مستوى يصعب على مجلس الإدارة والمساهمين تجاهله.
ومع ذلك، فإن الصفقات المطروحة ليست متطابقة من حيث الهيكل؛ إذ تركز نتفليكس على أنشطة الاستوديو والبث التدفقي. بينما تسعى باراماونت للاستحواذ على الشركة بالكامل. وبالتالي، فإن تقييم الأصول المتبقية، خاصة نشاط الشبكات التقليدية، قد يلعب دورًا محوريًا في قرار مجلس الإدارة.
موقف مجلس الإدارة والمخاطر التنظيمية
بينما رفضت وارنر براذرز أحدث عرض استحواذ عدائي تقدمت به باراماونت. منحتها مهلة حتى نهاية يوم الاثنين المقبل لتقديم أفضل عرض.
ويشير هذا القرار إلى رغبة المجلس في اختبار أعلى قيمة ممكنة قبل حسم الصفقة، دون إغلاق الباب أمام المنافسة.
وفي رسالة رسمية، أكد رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي التزامهما الكامل بالصفقة المقترحة مع نتفليكس. مشددين على استمرار التوصية بها. غير أن هذا الموقف لا يمنع استمرار تقييم العروض الأخرى إذا ما استوفت معايير “العرض المتفوق” وفقًا للقواعد المعتمدة.
من جهة أخرى، أبدى بعض الخبراء تحفظات على عرض باراماونت. مشيرين إلى أن المخاوف المتعلقة بهيكل التمويل، والتوقيت، والحصول على الموافقات التنظيمية، تقلل من جاذبية العرض رغم ارتفاع قيمته الاسمية. كما أن قضايا مثل رسوم تمويل برهن ثانوي محتملة بقيمة 1.5 مليار دولار. واحتمالات تعثر تمويل الديون، ومسألة التزام تمويل حقوق الملكية بقيادة لاري إليسون، ما تزال دون حسم واضح.
سيناريوهات الحسم
اقترحت باراماونت دفع مبالغ نقدية إضافية لمستثمري وارنر براذرز عن كل ربع سنة لا تستكمل فيه الصفقة بعد هذا العام. إضافة إلى تحمل رسوم فسخ الاتفاق البالغة 2.8 مليار دولار في حال انسحاب الشركة من اتفاقها مع نتفليكس. ومع ذلك، رأت وارنر براذرز أن هذه التعديلات لا ترقى بعد إلى مستوى العرض المتفوق.
وفي ضوء ذلك، تظل معركة الاستحواذ على وارنر براذرز ديسكفري رهينة الأيام القليلة المقبلة. حيث قد نشهد مزيدًا من رفع العروض أو إعادة هيكلة الشروط. وإذا قررت نتفليكس استخدام جزء من سيولتها لزيادة المقابل المالي، فقد يتغير ميزان القوى سريعًا.
وأخيرًا، لا تقتصر أهمية هذه الصفقة على أطرافها المباشرين، بل تمتد إلى مستقبل صناعة الإعلام والترفيه بأكملها. إذ إن حسم معركة الاستحواذ على وارنر براذرز ديسكفري سيحدد شكل المنافسة في سوق البث التدفقي. ويعيد توزيع النفوذ بين عمالقة المحتوى العالميين؛ ما يجعلها واحدة من أكثر الصفقات ترقبًا وتأثيرًا في المشهد الإعلامي الراهن.


