لا يختلف اثنان على أن المملكة العربية السعودية قد شهدت خلال العقد الأخير تحولات جذرية في توجهها الاقتصادي، والانتقال من مرحلة الاعتماد شبه الكامل على النفط، إلى بناء اقتصاد متنوع يعتمد على الاستثمار المحلي والأجنبي في قطاعات محددة، وتوظيف التأثير الجيوسياسي في خيارات الاستثمار والميزات النسبية والمطلقة التي تتمتع بها.
كما أن أهم الميزات النسبية التي تتمتع بها المملكة، موقعها الاستراتيجي بين ثلاث قارات، ومكانتها كأكبر مصدر للنفط عالميًا وأحد أكثر أسواق الطاقة تأثيرًا، وكونها قيادة مؤثرة في العالمين العربي والإسلامي، وحضورها القوي في المنظمات المالية والاقتصادية العالمية وكذلك المنظمات الخيرية والإنسانية؛ ما يمنحها قدرة أكبر على صياغة علاقات اقتصادية مبنية على نموذج فريد في العالم، يحقق نهوضًا تنمويًا غير مسبوق.
جذب الاستثمارات
نجحت المملكة خلال سنوات قليلة في توظيف أدوات السياسة الدولية والعلاقات الدبلوماسية، والمكانة الجيوسياسية؛ لجذب الاستثمارات، وتعزيز مكانتها كمركز عالمي للتجارة والتطوير الاقتصادي، كترجمة مباشرة لرؤية 2030، التي طرحت تصورًا استراتيجيًا لمستقبل اقتصادي أكثر توازنًا واعتمادًا على الابتكار والتنمية المستدامة.
وأتذكر في الفترة التي شاركت فيها مع صندوق المئوية في تطوير بيئة ريادة الأعمال للشباب في المملكة، أنني لمست بنفسي الفرص التي تمنحها مشاركة شباب رواد الأعمال السعوديين في “اتحاد رواد الأعمال الشباب” لمجموعة العشرين (G20 YEA). والاحتكاك برواد أعمال شباب من دول متقدمة، وحضور قمة سنوية تُعقد قبل قمة القادة لتعزيز سياسات ريادة الأعمال الشبابية ودعم دورها في النمو الاقتصادي.
كما شاهدت التطور اللافت للسياسة الخارجية السعودية في تنويع الاقتصاد الوطني، وترسيخ الاستثمار الأجنبي المباشر في الشركات الناشئة التكنولوجية الوطنية والعالمية.
مجالات التنمية الاقتصادية
لقد باتت منهجيات توظيف الدبلوماسية الاقتصادية جزءًا رئيسًا من استراتيجية المملكة لإحداث تنمية اقتصادية في عدة اتجاهات:
أولًا: بناء شراكات اقتصادية ثنائية ومتعددة الأطراف:
بإبرام اتفاقيات اقتصادية واستثمارية مع الولايات المتحدة والصين والهند وكوريا الجنوبية ودول أوروبية؛ ما وفر بيئة تسمح بتبادل الخبرات في الوصول إلى رأس المال العالمي، ونقل التكنولوجيا المتقدمة إلى داخل السعودية.
ثانيًا: تعزيز الحضور الدولي:
باتت السعودية تلعب أدوارًا مؤثرة داخل مجموعة العشرين، ومنظمات الاقتصاد العالمي والطاقة الدولية ليس فقط مصدري النفط، وهو ما عزز من مكانتها كلاعب اقتصادي مهم، وفتح الباب أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
ثالثًا : تفعيل القوة الاقتصادية الناعمة:
وذلك بثقلها في العالم الإسلامي والعربي الاستراتيجي لتوسيع نفوذها الاقتصادي وضمان وجودها في الأسواق الدولية كسفيرة للعرب والمسلمين؛ فبحسب موقع FocusEconomics، ارتفع متوسط تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في العقد الماضي بشكل مستمر، بعد عام 2020، ووصلت في عام 2021 إلى نحو 28.4 مليار دولار؛ ما انعكس على تصنيف المملكة في مؤشرات قياس الاستثمار الأجنبي المباشرة.
ويشير تقرير المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات عام 2022 إلى احتلال السعودية المرتبة الثانية بين الدول العربية، بعد الإمارات، بتدفقات تراكمية مثلت حوالي ثلث إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في الدول العربية.
تنويع الاقتصاد الوطني
وتعمل المملكة على توظيف العلاقات الدولية في مهمة استراتيجية أكبر هي تنويع الاقتصاد الوطني؛ إذ ركزت السياسة الاقتصادية السعودية على قطاعات غير نفطية، وخلق قاعدة اقتصادية أكثر توازنًا واستدامة؛ ومنها قطاعات السياحة والترفيه والرياضة، تماشيًا مع إطلاق مشاريع ضخمة؛ مثل نيوم، والبحر الأحمر، والعلا، والقدية؛ ما جعل المملكة لاعبًا جديدًا في السياحة العالمية، مستهدفة 100 مليون زائر سنويًا.
مليون سائح
وأظهرت بيانات لوزارة السياحة، بلوغ عدد السياح إلى 109.3 مليون زائر، منهم حوالي 28 مليون زائر دولي، والباقي من الداخل. وارتفع إنفاق الزوار الدوليين وفق تقرير عام 2024 لمنظمة الدولية للتجارة والسفر (WTTC) بنحو 57 % ليبلغ نحو 230 مليار ريال.
كما بلغت نسبة الإنفاق المحلي على السياحة 21.5 %، وجذبت السياحة المحلية مئات الآلاف من السعوديين الذين كانوا ينفقون المليارات على السياحة الخارجية. كذلك، زادت أعداد العاملين في السياحة من المواطنين والأجانب إلى نحو مليون شخص بنهاية عام 2024.

التعدين والموارد الطبيعية
كذلك، اهتمت المنهجية بقطاع واعد في الاقتصاد السعودي؛ وهو قطاع التعدين والموارد الطبيعية غير النفطية؛ حيث تمثل المملكة أحد أكبر الاحتياطيات المعدنية غير المستغلة في العالم، بما في ذلك الذهب والنحاس والفوسفات والليثيوم؛ لذلك صدر قانون الاستثمار في التعدين عام 2020 لتنظيم القطاع وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي.
وبالفعل تعمل الشركة الوطنية Ma’aden بشكل موسّع في مشاريع فوسفات وألومنيوم ومعادن أساسية، بالتعاون مع شركاء دوليين مثل Alcoa. كما أعلنت الحكومة عن استثمارات حوافزية داعمة لقطاع الاستكشاف؛ كالإنفاق على الاستكشاف الذي تجاوز 280 مليون دولار في 2024، وارتفاع عدد الشركات المستكشفة من 6 في 2020 إلى نحو 226 في 2024؛ ما يدلّ على تسارع الاستثمارات المحلية والمشاريع الجاهزة للانطلاق.
الاقتصاد الرقمي
تهتم الدبلوماسية السعودية كثيرًا بالاقتصاد الرقمي، والذي شهد نموًا غير مسبوق؛ إذ ضخت السعودية استثمارت هائلة في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والفنتك، والأمن السيبراني، وصناعة الألعاب الإلكترونية.
وأصبح للرياض مكانة متصاعدة كمركز إقليمي للشركات الناشئة في هذا القطاع، وارتفع زوار الفعاليات الكبرى الخاصة بريادة الأعمال والشركات الناشئة في المملكة؛ مثل فاعلية LEAP، لريادة الأعمال التكنولوجية الذي استقبلت نسخته عام 2023 أكثر من 172،000 زائر، زاد عددهم في نسخة عام 2024، إلى 215،000 زائر.
الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر
يلعب قطاع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، دورًا محوريًا في جذب الاستثمارات الدولية في مشاريع رائدة في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، بمشاركة صندوق الاستثمارات العامة؛ أحد أهم أدوات السياسة الاقتصادية الدولية للمملكة، وأحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، ويستثمر في شركات عالمية استراتيجية في مجالات التقنية، والسيارات الكهربائية، والفضاء، والرياضة.
ويستحوذ الصندوق على حصص مؤثرة في القطاعات المستقبلية؛ ما يعزز النفوذ الاقتصادي الدولي للمملكة، ويدعم مهمة تنويع الاقتصاد بالمشاريع الوطنية الكبرى، وتجسير العلاقة بين الاستثمار الداخلي والخارجي؛ فمن خلال هذه الاستثمارات، لم يعد الصندوق مجرد مؤسسة مالية حكومية، بل منصة تأثير عالمي تخلق للسعودية حضورًا اقتصاديًا في مناطق متعددة من العالم.
في نهاية المطاف لم يعد هناك مجال للشك في أن الاستراتيجيات الدبلوماسية والوساطة المحورية المتزايدة في الشؤون العالمية، تقود التنمية الاقتصادية والتحول الاقتصادي للمملكة بقوة، وتمهد الطريق نحو مزيد من الابتكار والتنوع والتمكين للمواطنين السعوديين، وتنتج نموذجًا جديدًا الدبلوماسية الدولية، يمكن أن يتعلم منه العالم.


